بعد خمسة أعوام من الحرب باتت أطراف النزاع تواجه خيارا صعبا للسلام
صار علينا عند الحديث عن اليمن أن نقرن اسمه بأنه الأفقر والذي يعاني من أكبر كارثة إنسانية. فلم يعد يستدعي صورته القديمة “السعيد” فما “هو بالسعيد” كما قال الشاعر الفلسطيني أبو سلمى مرة.
ويبدو أن الحوادث تتابع على هذا البلد الذي يشهد حربا أهلية وحروبا متعددة بالوكالة ولاعبين كثر يريد كل واحد منهم أن يؤكد سيطرته عليه. ولعل الصورة النمطية عن اليمن هي عن الأطفال الذين باتوا وقود الحرب يموتون جوعا ومرضا. وكان عنوان صحيفة “نيويورك تايمز” (17/7/2020) معبرا: “كما أن اليمن بحاجة لآلام جديدة.. ناقلة نقط تهدد بكارثة” في إشارة إلى الناقلة التي تستخدم كمخزن للنفط طولها 1.118 قدم راسية على الشاطئ الغربي للبلاد وفيها 48 مليون غالون نفط في خطر الغرق أو الإنفجار. وفي الحالتين حذرت الأمم المتحدة من كارثة طبيعية. فتسرب النفط سيضر بحياة 28 مليون نسمة ويقتل ملايين الأسماك والطيور ويسمم الشعب المرجانية وممرات الشحن على البحر الأحمر التي تعد الشريان الوحيد للحياة في اليمن. وتعاني ناقلة “سيفر” من الصدأ وتآكل في الأنابيب والصمامات. وقالت إنغر أندرسون مديرة برنامج البيئة في الأمم المتحدة في كلمة أمام مجلس الأمن “لو خرج الوضع عن السيطرة فسيؤثر على حياة ملايين الناس في بلد يعاني من أضخم طوارئ إنسانية” وأضافت إن منع تسرب أو انفجار “سيفر” هو الخيار الوحيد لمنع كارثة بيئية وبشرية. والسبب وراء الوضع الحالي هو الإهمال في بلد دمرت الغارات الجوية من التحالف الذي تقوده السعودية معظم بنيته التحتية، حيث لم تعد هناك حكومة فاعلة.
كوفيد-19
وجاء الحديث عن “سيفر” في ظل التقارير المثيرة للخوف عن انتشار فيروس كورونا. وتفشى مرض كوفيد-19 في بلد يفتقد للبنية الصحية القادرة على مواجهة الحالات المتزايدة. ومع أن الحالات المسجلة لم تتجاوز عن 1.576 إصابة و440 حالة وفاة مع أن العدد الحقيقي هو أكبر بأضعاف. وأشارت التقارير الصحافية الشهر الماضي إلى حالات عدة في ميناء عدن الجنوبي وفي العاصمة صنعاء حيث قال الأطباء أن المدينة “يسكنها الموت”. ومات المئات من المرضى لدرجة أن مقبرة خزيمة الرئيسية أعلنت في الشهر الماضي عن عدم توفر الأماكن لمقابر جديدة. وأشارت صحيفة “دايلي تلغراف” (13/7/2020) إلى أن العائلات تضطر لشراء القبور في المقابر الخاصة حيث وصل سعر القبر إلى ما بين 120- 315 جنيها استرلينيا. وكما في الدول الأخرى فقد استسلم الأطباء للمرض واحدا بعد الآخر بسبب عدم توفر المعدات الواقية، ومات منهم 46 طبيبا وعاملا في الطواقم الطبية منهم أربعة بالمستشفى العام بصنعاء. وقال طبيب إن معظم ضحايا كوفيد-19 ماتوا في بيوتهم لأن المستشفيات مغلقة ولعدم توفر أدوات الوقاية الشخصية وأجهزة الفحص. وتأتي شهادات الأطباء في صنعاء على خلاف ما تقوله الدعاية الحوثية التي تسيطر على صنعاء وما حولها من أن المرض لم يتمكن في مناطقها ولم تحدث وفيات بسببه ولم تعلن الحركة إلا عن أربع وفيات في 16 نيسان/إبريل. وأشارت صحيفة “واشنطن بوست” (3/6/2020) إلى أن سبب التعتيم على انتشار الوباء نابع من مخاوف الحوثيين توقف المساعدات الإنسانية.
فقر وسوء تغذية
ومن سوء حظ اليمن أنه يعاني قبل ظهور فيروس كورونا المستجد من مشاكل وأزمات صحية وفقر. فأربعة من كل خمسة أشخاص في اليمن بحاجة لمساعدة إنسانية ويواجه 16 مليون شخص نقصا في الغذاء ويعاني 2 مليون طفل وأكثر من مليون امرأة حالة ووالدة جديدة من فقر التغذية. فالحرب بين الحوثيين والحكومة المدعومة من السعودية خلفت نظاما صحيا مدمرا وأعاقت توزيع المساعدات ومزقت البلاد. وعادت أمراض اعتقد أنها انتهت مثل الدفتيريا والكوليرا وشلل الأطفال بسبب تعثر حملات التطعيم، والآن جاء مرض كوفيد-19 ليضيف إلى الصورة المظلمة. وفي الجنوب من الصعب الحصول على فحص في المناطق الجنوبية التي تسيطر عليها الحكومة والوصمة المتعلقة بالإصابة بالمرض تعني أن القليل يريدون أن يتم فحصهم. وقدرت جامعة لندن للصحة والطب الاستوائي الشهر الماضي بأن عدد الحالات على مستوى اليمن كلها أقرب للمليون وحيث لا يتوقع الوصول للذروة قبل نهاية تموز/يوليو. وحسب التقدير نفسه فإنه في أسوأ الأحوال يتوقع أن تصل الوفيات من المرض 85000. وفي الوقت الذي يؤكد فيه أطباء وفاة العشرات بصنعاء وتفشي الفيروس بسرعة، وتضاعف عدد الموتى في عدن إلى ثلاثة أضعاف خلال شهر أيار/مايو. ويعتقد أن معظم الوفيات كانت حالات إصابة غير مشخصة بفيروس كورونا. وفي مدينة تعز قال عمال المقبرة أنهم اضطروا إلى استئجار حفارات آلية هذا الأسبوع لأن العمال لم يستطيعوا أن يواكبوا الحاجة للقبور الجديدة. ومما زاد في تفشيه هو عدم وجود رقابة على حرية الحركة ولم تغلق الأماكن العامة ولم تتخذ إجراءات للوقاية منه. وتأثرت حياة اليمنيين في الداخل من الإغلاقات العامة في دول الخليج التي أوقفت تحويلات العاملين هناك. ووسط كل هذا الوباء تستمر الحرب اشتعالا بين أطراف الأزمة اليمنية. ولم تعد هذه الأزمة تهم الكثير من الأطراف الدولية، فلم ينجح مؤتمر لجمع التبرعات من الدول المانحة بتوفير مبلغ 2.4 مليار دولار حاولت الأمم المتحدة جمعها ولم تحصل إلا على 1.3 مليار دولار. ونظرا لاستمرار الحرب والفقر والجوع فمن الصعب الوصول إلى الحالات واتخاذ إجراءات الوقاية وفرض قيود على الحركة.
أسلحة الحرب
وبدا عدم الاهتمام بالمدنيين في اليمن من خلال قرار الحكومة البريطانية استئناف صادرات السلاح إلى السعودية، حيث راجعت الحكومة قرارا للمحكمة قال إن تراخيص السلاح للمملكة لم يكن قانونيا، لأنه لم يفحص بطريقة استخدام الأسلحة ضد المدنيين. وقالت إن الغارات التي استهدف بها طيران التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن لم يكن منظما وكان مجرد “حوادث معزولة”. وأثار قرار الحكومة جدلا واسعا خاصة من الجماعات الداعية لوقف تجارة السلاح والتي تنتهك حقوق الإنسان. وانتقد معلق في صحيفة “التايمز” (9/7/2020) تبرير بأن هذه الحوادث كانت معزولة جدا لدرجة أنه من الواضح أنه لا بأس الآن لبريطانيا أن تستأنف منح تراخيص تصدير الأسلحة للسعوديين. ومما “يزيد العار” ببيع السلاح البريطاني إلى السعودية، كونه يأتي من قبل حكومة بدأت تتخذ اتجاها صحيحا في السياسة الخارجية، في إشارة لقرار وزير الخارجية دومينيك راب معاقبة 20 سعوديا على علاقة بجريمة قتل جمال خاشقجي في عام 2018. وقال إنه من السذاجة، غض الطرف عن كيفية استخدام هذه الأسلحة، فقد تمخضت الحرب المروعة في اليمن عن أعداد مختلف عليها من الضحايا ولكنها بالتأكيد بعشرات الآلاف إن لم تكن بمئات الآلاف. وقال لقد فعلنا ذلك مرات عديدة من قبل طبعا، والحرب في اليمن هي آخر حادث في تقليد شائن تم استخدام الأسلحة البريطانية فيه، كما في البحرين وليبيا والجزائر واندونيسيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
سجون
ولا تقتصر معاناة اليمنيين على الجوع والفقر والمرض والأوبئة والكوارث الطبيعية مثل الفيضانات والتلوث البيئي بل والتعذيب في السجون السرية لأطراف النزاع سواء لدى الحوثيين أو الجماعات الموالية للإمارات والحكومة. وسجلت منظمة “مواطنة” اليمنية حالات التعذيب والإنتهاك الجنسي والإعتقال التعسفي. ووثقت المنظمة ما بين أيار/مايو 2016 – نيسان/إبريل 2020 حالات اعتقال تعسفي عددها 1.605 و770 حالة تغيب قسري و344 تعذيب. وجاء في التقرير أن 419 من حالات الاعتقال التعسفي و327 حالة اختفاء قسري و141 حالة تعذيب و25 وفاة، حدثت في داخل سجون تابعة للقوات المرتبطة بالإمارات العربية المتحدة، بما فيها قوات مضادة للحوثيين مثل الحزام الأمني.
حرب مناطقية
وباتت الحرب في اليمن توصف بالجهوية والمناطقية. وبعد خمسة أعوام من الحرب باتت أطراف النزاع تواجه خيارا صعبا للسلام كما ورد في تقرير لمجموعة الأزمات الدولية “إعادة التفكير بكيفية تحقيق السلام في اليمن” (2 تموز/يوليو 2020). ففي ظل غياب “المنتصر” الحقيقي وعدم قدرة أي من الأطراف على الحسم، فعليها القبول بوقف إطلاق النار وتسوية سياسية غير مثالية أو مواصلة الحرب. وتعترف الدراسة بتغير الوضع في اليمن بحيث بات من المستحيل عقد اتفاقية بين حكومة هادي المعترف بها دوليا وحكومة الأمر الواقع الحوثية في صنعاء.
فالتحولات في الميزان العسكري والتشرذم السياسي والمناطقي والتدخل الإقليمي الكبير غير من شروط صنع السلام. وصارت الحاجة ملحة الآن لتسوية متعددة الأطراف بوساطة من الأمم المتحدة، إضافة إلى ترتيبات حكم مؤقتة تتحاشى التحول السريع إلى السلطة المركزية في صنعاء لصالح فريق أو فريقين وحسب.
وباتت عملية صنع السلام بحاجة لإعادة النظر في قرار مجلس الامن الدولي 2216 الصادر في نيسان/إبريل 2015 وهو القرار الذي تراه حكومة هادي على أنه تأكيد لشرعيتها ودعوة لاستسلام الحوثيين وتسليم الأسلحة الثقيلة والسماح للحكومة بالعودة إلى حكم اليمن من صنعاء.
وفي الوقت الذي منحت فيه مسودة الكويت برعاية الأمم المتحدة عام 2016 إطاراً لما يمكن أن يجري في المحادثات التالية ودور الحوثييين وتقاسم السلطة إلا أن المياه جرت في النهر منذ ذلك الوقت. فقد عزز الحوثيون سيطرتهم على الشمال الغربي وباتوا يهددون آخر معاقل الحكومة في الشمال – في مأرب. وأصبحوا أكثر ثقة في حكمهم لصنعاء ويريدون الآن اتفاقاً يتجاوز حكومة هادي ويعترف بالأمر الواقع على الأرض. ولأن وضع الحكومة على الأرض ضعيف فقد قاومت أي اتفاق يمنح خصومها الشرعية. لكن الصورة معقدة أكثر من كونها مشكلة هادي/حوثي فاليمن اليوم منقسم إلى خمسة كانتونات للسيطرة السياسية والعسكرية: الأول، المرتفعات الشمالية – الغربية التي يسيطر عليها الحوثيون. الثاني، المناطق التي تديرها الحكومة في مأرب والجوف، وشمال حضرموت والمهرة وشبوة، وأبين ومدينة تعز. والثالث، المناطق الخاضعة لسيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي الداعي للانفصال في عدن وما يحيط بها من مناطق داخلية. الرابع، المناطق الواقعة على ساحل البحر الأحمر حيث تشكل قوات المقاومة المشتركة القوة الرئيسية. الخامس، وساحل حضرموت، حيث السيطرة للسلطات المحلية. وخلق هذا التقسيم أشكالا من السيطرة والحركية السياسية والعسكرية وكلها ترفض فكرة تخليها عن استقلالها الذي حققته حديثاً لحكومة مركزية، كما يقترح إطار الكويت الذي توصلت إليه الأمم المتحدة والذي ترغب حكومة هادي والحوثيين على حد سواء بحدوثه، ولو كان تحت حكم مختلف. وفي غياب مشاركة هذه المجموعات، فإن أي تسوية سلمية دائمة مستحيلة. ويتطلب الحل تخلي الحوثيين عن حلمهم بأن أي تسوية سياسية تميل لصالحهم وأنها لن تستطيع تحقيق تسوية بالتفاوض مع السعودية التي لم تعد قادرة ولا تستطيع أصلا إعلان النصر وإخراج الحوثيين الذين تدعمهم إيران من العاصمة. وبالمقابل فحكومة هادي رغم ضعفها تظل الجهة الشرعية، وهي مطالبة أيضا بالتخلي عن حلم حكم اليمن من صنعاء. وفي ظل هذا التشظي تظل الأمم المتحدة العربة الوحيدة للتسوية لكن عليها هي الأخرى إعادة النظر بأساس التسوية وإصدار قرار جديد يضع إطارا أوسع للحل غير التسوية بين الحكومة والحركة الحوثية. وباعتراف الأمم المتحدة بوجود قوى مثل المجلس الإنتقالي الجنوبي والجماعات المحلية والقبلية والشباب والنساء وناشطو المجتمع المدني فسيكون هناك مجال لتوسيع الحوار ومنع القوى التي تريد تخريب أي تسوية لتتمسك بمكاسبها المحلية. ويجب بالضرورة معالجة المظالم الشعبية التي أشعلت انتفاضة 2011 وفتحت المجال لصعود القوى الحوثية والإنفصالية وكل الخليط من المتنافسين على مستقبل اليمن. وتقترح الدراسة أن الوقت لا يعمل لصالح أي طرف. فقد أجبرت الأزمة النفطية السعودية للبحث عن مخرج. ومن هنا فرفض الحوثيين التفاوض بناء على منطق قوتهم يتداعى أمام المقاومة التي يتعرضون لها في مأرب. وفي السياق فتأجيل حكومة هادي الحل على أمل تحسن ميزان الحرب لصالحها سيعقد الأمر أكثر وسيؤدي في النهاية إلى تحول خطوط الصدع لحدود دائمة لمجموعات ستكون كل واحدة رهنا بداعمها الخارجي. ومن هنا فالقبول بتسوية الحد الأدنى قد تكون بداية لإنجاز تسوية دائمة. ولكن الأمر في النهاية متعلق بإرادات الدول التي تتلاعب بأقدار اليمن كما هو الحال في ليبيا.