بغداد-»القدس العربي»: مر «اليوم العالمي لحرية الصحافة» في الثالث من ايار/مايو هذا العام، على رجال الإعلام والصحافة في العراق، في ظل أجواء فرض المزيد من القيود على الحريات وملاحقة الصحافيين، ضمن سلسلة من الانتهاكات المتواصلة التي أدانتها المنظمات المحلية والدولية.
ورغم الاحتفالات الرسمية والتصريحات الروتينية لبعض المسؤولين العراقيين بهذه المناسبة، عن دور الصحافة، في كشف الحقائق وتغطية الفعاليات والتطورات في مختلف جوانب المجتمع، مع تقديم التعهدات بحمايتهم، فإن واقع الحال يشير إلى صورة سوداوية عن حرية الإعلام والانتهاكات التي تتعرض لها بشكل ممنهج، على يد جهات حكومية وغير حكومية، لا ترى في حرية الصحافة والرأي إلا تعارضا مع مصالحها.
العراق أخطر بيئة للعمل الصحافي
وقد وفر اليوم العالمي لحرية الصحافة، فرصة للمنظمات المعنية بحقوق الصحافة والرأي، لكشف تدهور أوضاع الأسرة الصحافية العراقية في الوقت الحاضر.
فهذه جمعية «الدفاع عن حرية الصحافة في العراق» أشارت لاستمرار الانتهاكات والخروقات ضد حرية العمل الصحافي بكل أشكاله، بنفس المستوى المعهود في السنوات السابقة، من دون إيجاد أي حلول أو معالجات، مؤكدة «مواصلة منهج قمع حرية التعبير، وتضييق مساحات العمل الميداني الصحافي، بالسلاح والعنف والتهديد والوعيد، من قبل العديد من الجهات الرسمية وغير الرسمية».
وفي إحصاء لأوضاع الصحافة خلال عام واحد للفترة (3/5/2020 – 2/5/2021) أشار تقرير الجمعية، إلى ان مجموع حالات الانتهاك التي رصدتها بلغت 268 حالة، منها 77 في بغداد، تلتها كركوك 36 حالة. وتنوعت الانتهاكات، وشملت من تهديد، وسجن، ودعاوى كيدية، واعتداء بالضرب ومنع تغطية، فضلا عن إغلاق وسائل إعلام، وتسريح عاملين. وسجلت الجمعية 11 حالة إصابة على الرغم من انحسار حجم الاحتجاجات، و63 حالة اعتقال واحتجاز دون أوامر قضائية أو مذكرات القاء قبض، بينما سُجلت 10 هجمات مسلحة، و141 حالة اعتداء بالضرب ومنع وعرقلة التغطية، هذا فضلا عن تسجيل حالتي تهديد لزميلين صحافيين. وذكرت الجمعية ان 13 دعوى قضائية وأحكاما وأوامر قبض، اقيمت بحق 13 صحافيا، بسبب كتاباتهم وانتقادهم مسؤولين فاسدين. أما على مستوى الأمن الوظيفي، فقد أبلغ 28 عاملاً في وسائل الإعلام جمعية الدفاع عن حرية الصحافة عن تسريحهم من العمل دون سابق انذار.
«منتدى الإعلاميات العراقيات» بدوره أعد تقريرا للفترة الممتدة من 3 أيار/مايو 2020- 2 أيار/مايو 2021 رصد ورود «أكثر من 70 حالة قتل وتهديد واعتقال وسجن ومضايقات وابتزاز تعرض لها صحافيون وصحافيات في عموم مدن العراق، من بينها إقليم كردستان، لأسباب مختلفة منها تغطيتهم للتظاهرات الاحتجاجية إضافة إلى مضايقات طالت هذه الشريحة بسبب تغطيات إعلامية تتعلق بانتشار وباء كوفيد-19 ونقلهم تردي الواقع الصحي أو كشف الفساد».
كما سجل منتدى الإعلاميات «تعرض أكثر من 12 صحافية وإعلامية للتمييز على أساس النوع الاجتماعي والمضايقات والابتزاز خاصة خلال البرامج التلفزيونية ذات البث المباشر مع استمرار غياب أو ضعف المؤسسات الإعلامية المستقلة وهيمنة الحزبية على المشهد الإعلامي بشكل عام».
وتعود قصة «اليوم العالمي لحرية الصحافة» إلى مؤتمر عقدته اليونيسكو في مدينة ويندهوك في 3 أيار/مايو 1991 بهدف تطوير صحافة حرة وتعددية في العالم، كما اعتبرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في كانون الأول/ديسمبر 1993 يوما عالميا للصحافة.
ويذكر ان العراق جاء في المرتبة 163 من بين 180 دولة، في المؤشر السنوي لمنظمة مراسلون بلا حدود لعام 2021 حول حرية الصحافة العالمي، بعدما كان بالمرتبة 162 في تصنيف المؤشر لعام 2019. كما ان نقابة الصحافيين العراقيين، أعلنت «إن الأسرة الصحافية العراقية قدمت 475 شهيدا، منذ 2003، وهو الرقم الأعلى عالميا».
تدهور الصحافة في كردستان
وفي إقليم كردستان العراق، لم تكن أوضاع حرية الصحافة والرأي، بأفضل من باقي مناطق البلد.
ففي يوم الصحافة العالمي أصدرت عشر منظمات محلية ودولية معنية بحرية الصحافة، بيانا مشتركا دعت فيه سلطات كردستان العراق إلى وقف انتهاكاتها المستمرة ضد حرية الصحافة، ورفع القيود المفروضة على العمل الصحافي، ووقف ملاحقة واعتقال الصحافيين.
وقد أعربت تلك المنظمات في بيانها عن « قلقها إزاء إصرار سلطات الإقليم على مقاضاة الصحافيين بتهم تتعلق بعملهم الصحافي واستمرار تجاهلها للقوانين المحلية والدولية ذات الصلة اللازمة لضمان حرية الصحافة والرأي والتعبير والنشر».
وأوضح البيان أن «استهداف الصحافيين والتطفل على النشاط المدني في إقليم كردستان العراق جزء من محاولات السلطات إضعاف الحراك الشعبي وتقييد التغطية الإعلامية للتظاهرات التي طالبت بإصلاحات اقتصادية وتحسين الظروف المعيشية للسكان» مؤكدة ان «السلطات لا تظهر أي احترام للقانون العراقي أو التوجيهات القانونية المحلية أو القانون الدولي فيما يتعلق بحرية الصحافة» مشيرة إلى ان «قانون الصحافة الكردستاني لعام 2007 كفل حرية العمل الصحافي». ودعت المنظمات في بيانها إلى «ممارسة المزيد من الضغط على سلطات الاقليم لإنهاء الانتهاكات بحق الصحافيين، وإنشاء آلية للمحاسبة على الانتهاكات المرتكبة بحقهم لضمان إنهاء سياسة الإفلات من العقاب».
والمنظمات الموقعة على البيان هي المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، ومجموعة مينا لحقوق الإنسان، وجمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق، ومنظمة هومينا لحقوق الإنسان والمشاركة المدنية، ومنظمة سام للحقوق والحريات، وتوثيق جرائم الحرب العراقية، المركز، وأي اف دي الدولية، والتضامن لحقوق الإنسان والأكاديمية الدولية للحقوق والتنمية – باريس، والمعهد الدولي للحقوق والتنمية – جنيف.
وأعلن مركز «ميترو» للدفاع عن حقوق الصحافيين في إقليم كردستان، عن تقريره للأشهر الاربعة الماضية من عام 2021 حول أوضاع حرية الصحافة في الإقليم، حيث قال دياري محمد مدير المركز في مؤتمر صحافي بمناسبة يوم حرية الصحافة العالمي «نعلن اليوم ان الانتهاكات التي واجهت الصحافيين خلال الأربعة الأشهر الماضية كانت 49 انتهاكا ضد 36 صحافيا ومؤسسة إعلامية في إقليم كردستان من منع وتهديد واستخفاف واعتقال».
أما رئيس مرصد الحريات الصحافية في نقابة الصحافيين العراقيين هادي جلو مرعي، فقد أعلن تعليقا على أحكام السجن بحق الصحافيين في الإقليم، في بيان صحافي، ان «الكثير من الصحافيين العراقيين كانوا يقصدون الإقليم باعتباره المكان الآمن، ويفتخرون بمساحة الحرية التي يمنحها للصحافيين للتعبير عن آرائهم». وأضاف، انه «رغم الأوضاع الأمنية غير المستقرة في المحافظات العراقية الأخرى والتضييق على الصحافيين، إلا إن قضايا الصحافيين كانت تسوى غالبا بشكل ودي في المحاكم» مبينا انه «لم تصدر أحكام قاسية بحق الصحافيين كالتي صدرت في الإقليم مؤخرا». ودعا جلو مرعي بحسب البيان حكومة الإقليم إلى إعادة النظر في هذه الأحكام التي تقمع الصحافيين وترهبهم الأمر الذي سينعكس سلبا على صورة الإقليم.
إدانات واسعة لقمع الرأي
وازاء اتساع الانتهاكات ضد الصحافة العراقية، فإن الكثير من السياسيين والمنظمات المحلية والدولية، أعربوا عن رفضهم لهذا الواقع المتدني، حيث طالب النائب مضر الكروي، القضاء بإلغاء مذكرات اعتقال النقد السياسي والإعلامي، مشيرا إلى، ان «أعضاء مجلس النواب يتابعون قضية اعتقال الناشط ابراهيم الصميدعي وإصدار مذكرة اعتقال بحق آخرين، بينهم الكاتب والصحافي يحيى الكبيسي» مطالبا «القضاء بتدخل بشأن هذه القضايا». وأضاف ان «القضاء يقع على عاتقه إلغاء مذكرات الاعتقال التي تتعلق بالنقد السياسي والإعلامي، فحرية الرأي حق كفله الدستور ولا يمكن لأية جهة أن تصادره».
ولأن قمع حريات الرأي والصحافة هو هم مشترك في كل العراق، فقد قارن النائب الكردي هوشيار عبدالله، بين اغتيال الكاتب والخبير الأمني هشام الهاشمي في بغداد، وبين اغتيال الصحافيين الكرد الثلاثة كاوة كرمياني وسوران مامة حمة وسردشت عثمان. وأشار عبدالله في تغريدة بموقع تويتر، ان: «اغتيال الهاشمي يشبه اغتيال الصحافيين الكرد الثلاثة بسبب الآراء» مؤكدا ان «القتلة والسلاح المنفلت لا يختلف في الإقليم عن بغداد، وكذلك العقلية المتسلطة التي تخشى الكلمة الحرة».
وعقب قرار سجن صحافيين في كردستان العراق مؤخرا، وجه 31 نائباً من كتل مختلفة في برلمان الإقليم، رسالة إلى محكمة الاستئناف في الإقليم، طالبوا فيها بمراجعة هذه القضية.
وفي الرسالة أشار النواب إلى أن «رئيس الحكومة (مسرور البرزاني) كان قد قرر في وقت سابق أن هؤلاء الأشخاص قد قاموا بالتخريب والتفجير وتعكير صفو الأمن، وعندما رأينا قرار المحكمة، فوجئنا بأن العقوبات هي نفسها وأنها تتطابق مع رأي ذلك المسؤول». وشدد النواب في رسالتهم على أن «العقوبات تتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان وأهداف انتفاضة 1991 وأن حق الدفاع عن النفس لم يكن مضموناً للمعتقلين كما يقره القانون وأن الاتهامات الموجهة إليهم خاطئة».
ولم تكن منظمة «هيومن رايتس ووتش» بعيدة عن قضية سجن الصحافيين، حيث أشارت إلى «إن العديد من الاتهامات استندت إلى منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي ومخبرين سريين لم يتسن لمحامي الدفاع استجوابهم». وقالت المكلفة بشؤون العراق في «هيومن رايتس ووتش» بلقيس والي «نشعر بقلق لأن هؤلاء الرجال حُكم عليهم بسبب إرادة سياسية منحازة وتوجهات محكمة الاستئناف التي تتجاهل معايير المحاكمة العادلة» مبينة أن «هذه النتيجة تبين إلى أي مدى تسمح سلطات الإقليم بانتهاك حرية التعبير».
وعززت لجنة حماية الصحافيين الدولية المعنية بالدفاع عن حرية الصحافة حول العالم، مواقف رفض الانتهاكات، منددة «بتراجع مستوى حرية التعبير والصحافة في إقليم كردستان العراق».
وقالت لجنة حماية الصحافيين، في بيانها، إن «أحكام السجن الصادرة بحق صحافيين في إقليم كردستان العراق بتهم مناهضة الدولة تعد تراجعا جديدا في مستوى حرية الصحافة في الإقليم».
وأضاف البيان، أن «سجن الصحافيين جاء بناء على (أدلة واهية)» مشيرة إلى أن «ممثلي الجماعات الحقوقية والصحافيين الذين حضروا جلسة المحاكمة أكدوا جميعهم أن المدعين العامين فشلوا في تقديم دليل مقنع على ادعاءاتهم، مما شكك في عدالة الجلسة». ومن بين الأسماء التي أوردها بيان لجنة حماية الصحافيين، أمين شيرواني وغودار زيباري، لافتاً إلى ان «خمسة مراقبين لمحاكمة الصحافيين أبلغوا لجنة حماية الصحافيين أن القضية المرفوعة ضدهما بنيت على أدلة واهية وظرفية».
والحقيقة المرة، هي ان الانتهاكات في العراق لم تقتصر على الأسرة الصحافية وحدها، بل امتدت إلى إغلاق قنوات فضائية من قبل السلطات، مثل غلق مكاتب قناة «ان ار تي» في السليمانية ودهوك، وحرق قناة «دجلة» في بغداد من قبل الميليشيات، في ظل غياب القوانين التي تكفل حرية العمل الصحافي وتحمي الصحافيين.
وبمناسبة «اليوم العالمي لمكافحة الإفلات من العقاب» الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة، أكد تقرير»مرصد الحريات الصحافية» العراقي، أن «المعطيات والدلائل المتوفرة تؤكد أن أغلب الاعتداءات والتهديدات العلنية التي طالت صحافيين ومؤسسات إعلامية تصدر غالباً من جهات وأطراف يمكن للأجهزة الأمنية الرسمية والقضاء العراقي تحديدها وملاحقة المسؤولين عنها والمنخرطين فيها، لكن يؤشر عليهما عدم القيام بواجبهما في هذا الشأن، خاصة عندما تكون الجهة المهاجمة ذات صلة بحزب سياسي أو فصيل مسلح نافذ». وكان المؤشر العالمي «للإفلات من العقاب» الصادر عن لجنة حماية الصحافيين، وضع العراق، في المرتبة الخامسة بين أسوأ دول العالم في القضايا المسجلة ضد مجهول لعام 2020.
ومن المؤكد ان حرية الصحافة والرأي في العراق، ومنذ 2003 واجهت تحديات متنوعة ولم تجد البيئة الملائمة للعمل الصحافي ولحرية الرأي، حيث أصبحت ضمن ضحايا قمع واستبداد القوى الظلامية الفاسدة المهيمنة على شؤون البلد وفصائلها المسلحة التي تلجأ إلى كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لإسكات الأصوات المعارضة لثلاثية الفساد والفشل والتبعية السائدة، كما رأينا في قمع انتفاضة تشرين الأول/اكتوبر واحتجاجات كردستان، إضافة إلى تداعيات الضائقة الاقتصادية والصحية التي تعصف بالبلد وتأثيراتها على الصحافة، مما يخنق أية آمال بتحسن أوضاع حقوق الإنسان في العراق عموما، وحرية الصحافة خصوصا.