روان الضامنقبل 64 عاما، وبالتحديد يوم الجمعة 10 ديسمبر عام 1948، في أجواء شتاء باريسية، صوتت 48 دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة على ‘الإعلان العالمي لحقوق الإنسان’. كان الاعلان يهدف إلى الاعتراف ب’الكرامة المتأصلة’ في جميع البشر، والحقوق المتساوية، والتأسيس على ‘الضمير’ الإنساني بالحرية والعدل، والتوطيد لذلك عن طريق التعليم والتربية. ومع كل من ولدوا بعد ذلك اليوم التاريخي، لي إذن منذ ولدت، بغض النظر عن مكان ولادتي أو الجنسية التي أحمل، لي ‘حقوق’ و’كرامة’ و’حرية’ ويجب أن أحظى ب’تعليم’ يؤهلني لأن أحمي حقوقي وأحافظ على كرامتي وأصون حريتي. لكنني بحثت في تفاصيل حياتي، وشعرت أنني لا أملك هذه الحقوق. فأنا أصارع كل يوم لتحصيل أبسط حقوقي في الغذاء والكساء والدواء والحق في الفرح والحياة وحتى الراحة، كرامتي مهدورة تحت سياط أصحاب الجاه والمال الذين يسعدون باستعبادي واستعباد إرادتي، وحريتي مهددة إن لم أقاتل من أجلها. تعليمي مستهدف من المهد إلى اللحد فمدرستي منذ وعيت تفتقد كل التجهيزات ومعظم المعلمين إلا من رحم ربي لم يكونوا يعلموننا بل يقولبوننا لننشأ دون أن نطالب بأي حق أو كرامة أو حرية. لعلي إذن أسأت فهم الإعلان العالمي، فوجدتني أقرأ مواده بتعمق علني أصل إلى نتيجة غير تلك التي وصلت إليها هنا. تقول المادة الأولى في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في نصها: ‘يولد جميع الناس أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق’… وقد قالها عمر بن الخطاب قبلهم بأكثر من ألف عام ‘متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتم أحرارا’… لماذا إذن نقمع منذ الصغر في كل اختياراتنا، فلا يسمح لنا أن نقول رأينا في المنزل أو المدرسة، ولا يسمح لنا بانتقاد المعلم أو المنهاج. ثم علينا أن نختار التخصص الذي يريده الأهل أو المجتمع أو السوق، وثلاثتهم يريدون عكس ما نريد نحن. ثم علينا أن نعمل في تلك الوظيفة لا في غيرها لأننا عبدة للمال والظروف وصاحب العمل. و يحظر علينا أن ننضم للحزب الذي نريد لأن عين المخبر السري في كل مكان. ألسنا أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق وما الذي تعنيه ‘المساواة’ فعلا؟ فلماذا يركب طفل في الثالثة عشرة من عمره سيارة فارهة بينما يحرم رجل في الأربعين من الحصول على مبلغ يشتري به دراجة هوائية؟ هل هذا جزء من المساواة أم أن للمساواة معنى آخر؟. يقول نص المادة الثانية ‘لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات… دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد…’.هل هذا النص يتحدث عن كون آخر أو عالم آخر لم أعش فيه؟ أتراني ولدت في المريخ أو زحل أو ربما على كوكب بشع غير تلك ‘الأرض الجميلة التي يتكلمون عنها’ فكم مرة تم التمييز ضدي بسبب اللون، فالأبيض أفضل من الأصفر، أو الأصفر أفضل من الأبيض، والأسود مخيف ودوني، فقط لأنه أسمر. وكم مرة تم التمييز ضدي لأنني أنثى، وكم مرة قيل في تعريف شخص، إنه جيد رغم أن دينه كذا وكذا، في تقديم للدين على اسم الشخص عند التعريف به… حتى أنه وصلني مرة أن شخصا أراد أن يقصيني في العمل فأخبر الزملاء أنني من دين غير ديني وكم مرة تم إلصاق ‘تهمة’ بي لأنني أحمل رأيا سياسيا مخالفا أو رأيا مخالفا من أي نوع، وتتنوع التهم من الإقصاء من المحادثة إلى الإقصاء من المشاركة في الإعلام إلى التهديد بالقتل… حتى لو كان الرأي أن اللون الأزرق أجمل من الأخضر! أما الأصل والفصل فحدث ولا حرج، فجواز السفر لا يكفي، فقد تمنح أو تمنع من فيزا للسفر، وتمنح أو تمنع إقامة عمل. أما الأصل الاجتماعي فهذا مهم في الوظيفة والزواج، ففلان ابن حسب ونسب أما فلان فأبوه كان يعمل كذا وكذا… وأمه لم تكن إلا كذا وكذا… وحتى لو وصل من التعليم أعلى المراتب، فلا تنسى ‘الأصل الاجتماعي’، وأنه كان يسكن في تلك ‘القرية’ البعيدة عن العاصمة وأن عائلته كانت ‘منذ أكثر من 200 عام’ تعمل أجراء عند عائلة فلان… والثروة مهمة في كل شيء من الحظوظ إلى الوصول إلى المناصب إلى السياسة إلى الاقتصاد وحتى الثقافة، ومكان الميلاد مهم، فلو كنت تملك كل شيء، ووصلت لتصبح رئيس الولايات المتحدة، يبقى مكان ميلادك يشغل العالم من أقصاه إلى أقصاه. أما المادة الثالثة فيقع نصها في أقل من سطر، تقول: ‘لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه’. حتى هذه المادة القصيرة في طولها غير مطبقة… عجبي… هذه ليست مطبقة أبدا، فمن دمشق الجريحة إلى القاهرة الغاضبة إلى طرابلس المنسية إلى القدس المحتلة إلى صنعاء المكلومة… فقط في العامين الأخيرين أهدر كل حق في الحياة والسلامة الشخصية فقط لأن الفرد طالب أن يكون حرا… فجاء ثمن الحرية غاليا جدا. وكثيرا ما أهدرت الحياة والسلامة الشخصية وأنت حتى لم تطالب بشيء، لكن ‘رحت بين الرجلين’ قضاء وقدر. ثلاثون مادة تشكل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كلها، قاطبة مهدورة في عالمنا العربي، وكثير منها مهدور في العالم بأسره، لا توجد واحدة منها تطبق فعليا. فالإعلان يحظر التعذيب (لكن في هذه اللحظة هناك عربي يعذب بأيد عربية وقضايا في المحاكم لتعذيب بشع بأيدي جنود أمريكيين في أكثر من مكان)، ويحظر المعاملة القاسية والوحشية (لكن وأنت تقرأ هذه الكلمات هناك عربي يتعرض لمعاملة قاسية ووحشية بأيد عربية)، ويحظر القبض على الإنسان وحجزه أو نفيه تعسفيا (لكن في هذه اللحظة هناك المسجونون وراء القضبان تعسفيا دون ذنب). ويقر الحق في الحماية من البطالة (لكن في هذا اليوم هناك الملايين يجبرون على البطالة رغم أنهم تواقون إلى العمل، فتصل نسب البطالة في أوروبا والولايات المتحدة إلى ما بين 10 و15′ وترتفع في اليمن إلى أكثر من 30′ وفي جيبوتي 50′!)، ويقر الحق في أجر متساو للعمل (وهناك الملايين يشكون يوميا أن زملاءهم في نفس الوظيفة ونفس العمل يتقاضون أعلى منهم لأن لهم واسطة و’مدعومون’ من فلان أو علان). من حقوقي حسب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن أغادر أي بلد، بما في ذلك بلدي، كما يحق لي العودة إليها، ولا يجوز حرمان الشخص من جنسيته تعسفا، لكن كل فلسطيني في كل مكان يعرف حق المعرفة أنه لا يستطيع أن يغادر بلده كما أنه في حالات كثيرة، إن غادر تحظر عليه العودة، وهو يحرم من جنسيته وينكر حقه فيها، وأن هناك حوالي ثمانية مليون فلسطيني يمنعون من العودة إلى وطنهم. كما يعاني الكثير من العرب، في أوطانهم الحرة قولا لا فعلا من مشاكل مشابهة، فيحرمون من السفر أو تسحب جنسيتهم لأبسط الأسباب أو يجبرون على أن يصبحوا لاجئين خارج الوطن، فكم سوري وتونسي وعراقي و… حرم لأنه معارض سياسي من أن يزور بلده عقودا طويلة.من حقوقي في المادة 19 ‘الحق في حرية الرأي والتعبير… واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأي وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية’، كيف إذن يقمع الإعلاميون في كل مكان؟ وتغلق الصحف وتكمم أفواه المحطات التلفزيونية؟ وتشطب القنوات من الأقمار الصناعية بجرة قلم؟ وحتى مواقع الإنترنت وصفحات الفيس بوك تصادر وتشطب محتوياتها لأنها ‘تنشر ما لا ترضى عنه تلك الجهة أو ذلك الرئيس’. حتى الحقوق المالية التي يضمنها الإعلان في المادة 17 تحت بند ‘حق التملك’ فهي أيضا محظورة على كثيرين في كثير من دول العالم، فالفلسطيني في لبنان على سبيل المثال لا الحصر يحظر عليه قانونا تملك حتى الشقة الصغيرة التي يريد أن يسكن فيها مع عائلته. اكتشفت وأنا أراجع مواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن المادة 25 تضمن لكل إنسان الحق ‘في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته، ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة، وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن إرادته’. فتساءلت عن كل أحياء الفقر والتهميش حول كازابلانكا والقاهرة، وتلك على أطراف عكا واللد، أو حتى ضواحي شيكاغو التي فجعت حين زرتها لهول الفقر الذي رأيت… وحدث ولا حرج عن أفريقيا وشرق آسيا… إن هناك مستوى أقل من آدمي في كثير من تلك الأماكن يفتقر لكل الخدمات الأساسية اللازمة للحياة. هناك يموت الموت على الموت، ويسكت الكلام عن الكلام، وعندما يصاب المعيل أو يمرض فإن الترمل والشيخوخة تفطر القلب حزنا لأن أحدا لا يساعد من لا يستطيع أن يجلب قوت يومه بقوة بدنه. فكّرت كثيرا في السر وراء كل هذا الخلل… إنني لا أشعر أن أيا من مواد الإعلان العالمي الثلاثين تطبق، وأشعر أن جميع حقوقي مهدورة أو عرضة للهدر في أي وقت، فهل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا يشملني؟ لماذا أخرجوني من دائرة هذا الإعلان؟ بعد تفكير عميق وتمحيص توصلت إلى إجابة السؤال… لا بد أنني… لست إنسانا. ‘ إعلامية فلسطينية