اليوم العالمي للمرأة: تحرّكات في الشارع اللبناني رفضاً لتزويج القاصرات

ناديا الياس
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”: مرة أخرى يمرّ اليوم العالمي للمرأة في لبنان في الثامن من آذار/مارس وأحوال المرأة اللبنانية ليست في أفضل حال في ظل الاجحاف القانوني والاجتماعي الذي يلازم حياتها اليومية في ميادين عملها، وعائلتها وأولادها وزواجها وطلاقها، بحقّ منح الجنسية لأولادها وحتى في إرثها وممتلكاتها، ناهيك عن العنف الأسري الذي نشهد ازديادا له ضدّ المرأة، وتلقى باستمرار إحدى النساء حتفها نتيجة تعرّضها للضرب على يد زوجها وسواها من القضايا التي تجعل المرأة أسيرة ورهينة لعدد من القوانين التي تنتظر خروجها من أدراج مجلس النواب ومنها قانون العنف الأسري، وعدم تزويج القاصرات وغيرها من مشاريع القوانين التي تنتظر إقرارها.

وعلى الرغم من دخول النساء معظم الميادين وخوضهن معترك الحياة ونجاحهنّ بجدارة وكفاءة، لا تزال هناك فئة كبيرة منهن ترزح تحت عبء التمييز والافتئات على إنسانيتهّن وحقوقهن نتيجة مفاهيم مجحفة منها المتأصّل والمستجد تحت عناوين عدّة من بينها الاجحاف الذي تواجهه في قانون الأحوال الشخصية الذي لم يشهد أيّ محاولة جديّة لتطويره وتحديثه وفي هذه الحال بقيت المرأة ضحية الطائفة والمحاكم الروحيّة والمذهبية والشرعية. الاجحاف بحقهّا في قانون الجنسية الذي تعاني منه بسبب عدم إمكانية منحها جنسيتها لأولادها، وعدم وقف أشكال التمييز بحقّها والاجحاف بعدم وجود قانون موحّد لسنّ الزواج يحمي القاصرات من إمكانية تزويجهن في سنّ مبكرة إذ لا يوجد في لبنان قانون موحّد للأحوال الشخصية يلحظ سنّ زواج معيّن لا بل إن كل طائفة لديها قانونها الخاصّ.

وفي هذا الإطار، ومواكبة ليوم المرأة العالمي ومنعاً لزواج القاصرات الذي يُعتبر انتهاكاً لحقوق النساء نظراً لأنّه ينهي تعليمهن ويحجب أيّ فرصة أمامهن لاكتساب المهارات المهنية والحياتية، ويعرّضهن لمخاطر الحمل والإنجاب والأمومة المبكرة قبل أن يكنّ جاهزات بدنياً ونفسياً، بالإضافة إلى أنّه يزيد خطر تعرّضهن للعنف الجنسي من قبل الشريك، شهدت العاصمة بيروت مسيرة حاشدة نظّمها “التجمع النسائي الديمقراطي” والتحالف الوطني لحماية الأطفال من التزويج المبكر بعنوان “الجازة عبكير بتعمل ضحايا كتير” انطلقت من محيط العدلية وجابت الشوارع وصولاً إلى المجلس النيابي وشارك فيها عدد من النواب هم بولا يعقوبيان، وإدي أبي اللمع، وبلال العبدالله، وفيصل الصايغ، والياس حنكش والنائب السابق إيلي كيروز الذي قدّم مشروع قانون لحماية من هن دون الـ18 عاماً من التزويج المبكر إلى المجلس النيابي في آذار/مارس 2017 وعدد من المنظمات المدنية والنسوية وعدد من القاصرات اللواتي لبسن فساتين الزفاف البيضاء والشباب والقطاعات النسائية في عدد من الأحزاب اللبنانية الذين تحدّوا الطقس العاصف، وساروا جنباً إلى جنب متجاوزين خلافاتهم وآراءهم السياسية المختلفة وطالبوا بإقرار قانون يحمي القاصرات في لبنان من التزويج قبل سن الـ18.

“اوقفوا زواج الأطفال”

وحذّر المتظاهرون من التمادي في استمرار تزويج الفتيات في سنّ مبكرة ولاسيما أنه تمّ خلال عام تسجيل 10 وفيات لطفلات نتيجة الولادة، ورفعوا لافتات كتب عليها “حرّروا التشريع من وصاية الطوائف” و”الجازة عبكير بتعمل ضحايا كتير، أقرّوا قانون تحديد سنّ الزواج في لبنان” و”10 من أصل مئة طفلة يتمّ تزويجهّن قبل 18 سنة” و”القضاء على تزويج الأطفال يبدأ بتعليمهم” و”الولادة هي أهم أسباب وفاة الفتيات بين عمر الـ15 والـ19″ و”اوقفوا زواج الأطفال”.

وأكد المشاركون أنه لا توجد إحصاءات نهائية لعدد الفتيات المتزوجات في سنّ مبكرة في لبنان، وإنما أشارت المعلومات إلى أن هذه الحالات قد ارتفعت نسبيّاً بعد نزوح العائلات السورية، ولفتوا إلى أن من أهم أسباب زواج الفتيات القاصرات هو “الفقر المدقع” الذي يعاني منه مجتمعنا، وتتمثّل الأسباب الأخرى في حماية الفتاة من الإغتصاب وحماية شرف الأسرة ورفع نسبة الولادات في مجتمع أو طائفة معيّنة.

النائبة بولا يعقوبيان التي شاركت في المسيرة الوطنية رأت أنه “لا يمكن بعد الآن في لبنان أن يتمّ الزواج تحت سنّ 18” ودعت البرلمان “إلى تحمّل مسؤولياته وإقرار قانون يمنع تزويج القاصرات”.

النائب ادي أبي اللمع أكدّ بدوره “الدعم الكامل لحزب القوات اللبنانية لإخراج هذا القانون إلى الضوء وهو سيثابر حتى النهاية لاقرار هذا المشروع الذي استلمه من سلفه ايلي كيروز وهو يتابعه في المجلس النيابي”.

والنائب الياس حنكش أكدّ انه “مع حماية الأطفال من الزواج المبكر” وطالب “مجلس النواب بأن يصدر القانون من دون أي استثناء”.

 وشرح علمياً بعض الناشطين أبرز مضاعفات الزواج المبكر التي تصل إلى حدّ وفاة الأم خلال الولادة وأحيانا الجنين، إضافة إلى تعرّض الأم لارتفاع ضغط الدم أثناء الحمل، وتسمم الحمل، مما قد يؤدّي إلى اختلال في جميع أعضاء الجسم، منها الكلى والكبد والدم، ونقص بالصفائح الدموية، واختلال في الجهاز العصبي.

رئيسة التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني ليلى مروة شدّدت على “أنّ الهدف من هذه المسيرة الوطنيّة هو الضغط بشكل أكبر وأفعل لإقرار حماية قانونية للفتيات من أبشع أنواع العنف والإستغلال والإتجار بحقهّن، وهو التزويج المبكر”. وقالت “نجتمع اليوم لمناسبة اليوم العالمي للمرأة، اليوم الذي لأجله دفعت النساء حول العالم الكثير من الأثمان الباهظة، وحلوله يعدّ مناسبة للتأكيد على حقوق النساء والفتيات باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من حقوق الإنسان. في مثل هذا اليوم نتذكر كوكبة من المناضلات العربيات واللبنانيات اللواتي كرّسن سنين عمرهن لرفع الصوت، والضغط من أجل إقرار الحقوق الإنسانية للنساء، وعلى رأس هؤلاء النساء امرأة، ليس مصادفة أن يكون يوم مولدها في يوم النساء في 8 آذار، مؤسسة التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني، القائدة وداد شختورة”.

دويلات طائفية لا دولة مواطنة

وتطرّقت مروّة إلى الآثار السلبيّة لزواج القاصرات وقالت: “نعم في لبنان، لا تزال الطفلة محرومة من التعليم، ومن التمتع بعطف وحنان الأبوين، محرومة من العمل والتمكين الاقتصادي، ومن النمو ببيئة سليمة وصحية، ومن الحماية… نعم في لبنان، لا تزال الطفلات يمتن ويعانين كل حياتهن من مضاعفات صحية خطيرة، نتيجة الحمل في سن مبكر، ففي العام 2017 فقط توفيت 10 طفلات أمهات دون سن الثامنة عشر نتيجة الولادة، نعم في لبنان ما زال المجلس النيابي للأسف، يؤكد بأننا في دويلات طائفية لا دولة مواطنة، دولة يحكمها 15 قانون أحوال شخصية طائفي، تكرّس جميعها العنف والتمييز ضد النساء والفتيات في عدد من القضايا الأسرية، وعلى رأسها سن الزواج، حيث تسمح جميعها بتزويج الطفلة تحت سن 18 ويصل سن الزواج عند بعض الطوائف إلى 9 سنوات”.

وانتقدت مروة زجّ الطائفيّة في القوانين: “نعم نحن في دولة تعزّز دور المؤسسات الطوائفية المختلفة، من تعليمية وصحية وغيرها على حساب القطاع الرسمي، نحن في دولة يحكمها الشيخ والخوري لا القوانين والمؤسسات والمواطنة، نحن في دولة لا تكرّس فقط التمييز بين النساء والرجال، بل أيضاً تخلق تمييزاً مضاعفاً بين النساء من طوائف مختلفة”.

وتابعت: “مشينا يداً بيد باتجاه المجلس النيابي اليوم، لنقول إننا لن نرضى بهذا الواقع الظالم والطائفي وغير الديمقراطي، جئنا لنضع مشرعي ومشرعات هذا الوطن، أمام مسؤولياتهم، ونطالب بإقرار قوانين مدنية عادلة تضمن حقوق النساء والفتيات وحمايتهن، جئنا وكلنا إيمان وإصرار على أن الدولة هي المرجعية الوحيدة الموكلة البت في قضايا الحقوق وسن التشريعات اللازمة لذلك، ونحمل أملاً بتبني مجموعة كبيرة من المنظمات النسائية والمدنية والدولية والإعلام والمواطنات والمواطنين لمطلبنا، وبوجود عدد من النواب والنائبات والكتل والأحزاب السياسية بيننا اليوم، وغيرهم ممن عبروا عن دعمهم لهذه المسيرة ولقضية حماية الطفلات من التزويج المبكر اليوم وفي مناسبات سابقة، على أمل أن تترجم هذه الوعود بالضغط من داخل المجلس النيابي لمناقشة قانون حماية الأطفال من التزويج المبكر، المعد من قبل التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني، والنائب إيلي كيروز الذي قدمه مشكوراً إلى المجلس النيابي، والموجود حالياً في أدراج لجنة الإدارة والعدل النيابية، برئاسة النائب جورج عدوان، والتصويت لإقراره لاحقاً في الهيئة العامة للمجلس النيابي””.

وأكدت مروة أنها ستبقى “العين الساهرة على رصد ومراقبة آداء ومواقف النواب والنائبات في هذه القضية، وسنستمر برفع الصوت دعما لحق جميع الطفلات الموجودات على كافة الأراضي اللبنانية، بالحماية والطفولة والأمان”.

إلزامية ومجانية التعليم

أمّا أبرز الحلول العمليّة لمعالجة أسباب الزواج المبكر حسب رأي أحد علماء النفس هو رفع إلزامية التعليم ومجانيته إلى مرحلة متقدمة بحيث تحمى القاصر من إمكانية تزويجها في سن مبكرة، إضافة إلى تنظيم حملات توعية لمخاطر تزويج القاصرات المبكر.

وأفادت مصادر أكاديمية أنّ الفتيات اللواتي يتزوجّن مبكراً يتعرّضن إلى الإغتصاب الزوجي والعنف الأسري والعديد من المشاكل الصحية بسبب الحمل المبكر؛ هذا إضافة إلى تركهن المدرسة وعدم حصولهن على شهادة جامعية، ومن هذا المنطلق حددّ عدد من الدول في الشرق الأوسط وشمال افريقيا السن الأدنى للزواج بـ 18 سنة أو أكثر؛ وهذه الدول هي: الأردن، والإمارات العربية المتحدة، وتونس، والجزائر، والعراق، وعمان، وليبيا، ومصر والمغرب. فهل سيحذو لبنان حذوهم؟

وتزامناً مع هذه المسيرة الحاشدة رفضاً لتزويج القاصرات شهدت بيروت تحرّكاً آخر يصّب في إطار السماح بعقد الزواج المدنيّ ردّاً على ما أثير من جدل حول تشريع عقد القران غير الديني في لبنان، حيث تظاهر العشرات مطالبين الحكومة اللبنانية بالسماح بعقد الزواج المدني على الأراضي اللبنانية بدل الذهاب إلى قبرص والخارج لتسجيل الزواج، ورفعوا لافتات كتب عليها “الزواج المدني مقموع بجارور الوزارة”  و”بديّ اتزوج مدني بلبنان لأن عندي فوبيا من الطيارة” و”الزواج المدني لا الحرب المدنيّة” في إشارة إلى النزاع الذي شهده لبنان بين عامي 1975 و1990.

وتجدر الإشارة إلى أنّ شرارة هذه التحركات المطالبة بالزواج المدني في لبنان وردود الفعل عليها أتت بعد تصريحات وزيرة الداخلية ريّا الحسن حول مساعيها الجادة لفتح باب الحوار الجديّ والعميق مع المرجعيات الدينية للاعتراف بالزواج المدني.

وأبرز المواقف الرافضة لهذا الزواج كانت من دار الفتوى ومفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان والمجلس الشرعي ومجلس المفتين الذين اعتبروا هذا الزواج يخالف أحكام الشريعة الإسلامية.

البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي أبدى معارضته للزواج المدني إذا لم يكن الزاميّاً للجميع، وقال بعد لقائه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون “الكنيسة مع الزواج المدني الالزامي لكل اللبنانيين كي لا يقسم الزواج الاختياري البلد إذا كان لا بدّ من زواج مدني”.

هذا وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة اللبنانية كانت قد تقّدمت في العام 1998 بـ”مشروع قانون الزواج المدني في لبنان” لكنّه لم يُقر بسبب رفض المرجعيات الدينية وعليه فإن الدولة اللبنانية لا تسمح بعقد الزواج المدني على أراضيها وإنّما تعترف بزواج اللبنانيين مدنيا في الخارج وتدوّنه في سجلاتها للأحوال الشخصية.

وفي الختام لا بدّ من الإشارة إلى موقف وزير الداخلية السابق زياد بارود الذي انتقد ما سمّاه انفصام الشخصية القانونية بقوله:

“القانون اللبناني لا يزال يعاني من انفصام الشخصية القانونية، فهو يرفض الزواج المدني محليا، لكنه يقبل تسجيل الزيجات المدنية المعقودة في الخارج كما يقبل بمفاعيلها”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية