في اليوم العالمي للمسرح: التراث الأندلسي و”أبو الفنون” في إسبانيا

ستون حوْلاً مرت على المبادرة التى تقدم بها المعهد الدولي للمسرح التابع لليونسكو عام 1961 لجعل السابع والعشرين من شهر مارس/آذار من كل عام يوماً عالمياً للمسرح. واحتفاءً بهذا اليوم شاركت مختلف مسارح العالم بهذه المناسبة بتنظيم العديد من الاحتفاليات، والتظاهرات الثقافية، وإقامة ندوات، ولقاءات حول المسرح وتاريخة ودوره التعليمي والريادي، والتثقيفي  والترفيهي في المجتمع، بتقديم عروض مسرحية في هذا اليوم ـ بدون جمهور نظراً لظروف الجائحة، التي ضربت العالم مؤخراً – تخليداً لأقدم وأعرق الوسائل الإبداعية التي عرفتها البشرية منذ العصور القديمة في التاريخ، ولهذا سمي (أبو الفنون) عن كل جدارة واستحقاق، والتذكير بكل ما له صلة بهذا الفن الجماهيري الضارب في القدم، حيث أصبح هذا اللقاء السنوي موعداً مشهوداً، وتقليداً متبعاً في مختلف أنحاء المعمورة.

هل ما زال العالم في حاجةٍ إلى المسرح؟

كان الكاتب المسرحي الروسي المعروف أناتولي فاسيليف قد تساءل ذات مرة: “هل ما زلنا نحتاج للمسرح؟ ذلك هو السؤال الذي سئم من طرحه، على نفسه، وعلى الاَلااف من المُحترفين اليائسين في المسرح، والملايين من الناس العاديين. ولأي شيءٍ نحتاجه؟ في تلك السنين، عندما كان المشهد غير ذي أهمية بالمرة، مقارنة بميادين المدينة وأراضي الدولة، حيث المآسي الأصلية للحياة الحقيقية تتفاقم. وما هو المسرح بالنسبة لنا؟ هل هو شرفات مذهبة وردهات في قاعات مسرحية، وكراسي مخملية، وأجنحة فاخرة، وأصوات ممثلين رقيقة، أو على العكس شيء يبدو مغايراً مقصورات سوداء ملطخة بالوحل والدم، ونتوءات ضارة لأجساد عارية في داخلها. وماذا بمقدوره أن يحكي لنا؟ يستطيع المسرح أن يحكي لنا كل شيء، كيف هي الآلهة في الأعالي، وكيف يذوي المحبوسون في كهوف منسية تحت الثرى، وكيف للعواطف أن ترتقي بنا، وللعشق أن يحطمنا، وكيف يمكن لامرئٍ ألا يحتاج لإنسان طيب في عالمه، أو كيف يمكن للإحباط أن يسود، وكيف للناس أن يعيشوا في دعةٍ، بينما الصغار يهلكون في معسكرات اللجوء، وكيف لهم جميعاً أن يرجعوا عائدين إلى الصحراء، وكيف نُجبر يوماً بعد يوم على فراق أحبتنا.

بمقدور المسرح أن يحكي لنا كل شيء. هكذا كان المسرح دائماً، وسوف يبقى أبداً، طوال الخمسين أو السبعين سنة الماضية، إننا، إذا نظرنا إلى الفنون الجماهيرية كافة، فبمقدورنا أن ندرك على الفور أن المسرح وحده فقط هو الذي يخاطبنا بكلمة من الفم إلى الفم، وبنظرة من العين إلى العين، وبإشارة من اليد إلى اليد، وبايماءةٍ من الجسد إلى الجسد. المسرح ليس بحاجة إلى وسيط ليعمل بيننا نحن بني البشر، بل إنه يشكل الجهة الأكثر شفافية من الضوء، فهو لا ينتسب لا لجهة الجنوب ولا الشمال، ولا للشرق أو الغرب البتة، فهو روح النور الذي يشع من أركان الكون الأربعة كلها، وسرعان ما يتعرف عليه كل الناس، سواء أكانوا من أهل وده، أو ممن لا يقبلونه. إن المسرح يفتح أبوابه على مصاريْعها للدخول المجاني للجميع. ولتذهب إلى الجحيم كل الآلات الإلكترونية والحواسيب، عليكم الذهاب إلى المسرح، واحتلال الصفوف الأمامية، وكذلك الشرفات، وانصتوا للكلمات، وتأملوا المشاهد الحية، لا تفوتوا سانحة المشاركة فيه، ولكن، ثمة مسرح واحد لا يحتاجه الإنسان، وهو مسرح الألاعيب السياسية، مسرح الساسة، مسرح مشاغلهم غير النافعة. ما لا نحتاجه بالتأكيد هو مسرح الإرهاب اليومي، سواء كان بين الأفراد أو الجماعات. ما لا نحتاجه هو مسرح الجثث والدم في الشوارع والميادين، في العواصم والأقاليم، مسرح دجال لصدامات بين الديانات والفئات العِرقية”.

في بلد مانديلا

ويرى الكاتب المسرحي الجنوب – افريقي جون كاني، أن ذكرى اليوم العالمي للمسرح تجعله يشعر بألم عميق لأنه مثل باقي المواطنين السود في بلد مانديلا، عانى مضض التمييز العنصري البغيض، وهو يذكر بحرقة ممضة، وغصة مرة، كيف كان البيض يعاملون السكان الأصليين في بلاده، كما أنه يحكى لنا كيف ذهب لأول مرة في حياته لمشاهدة مسرحية “ماكبث” لشكسبير مع مدرسته ومعلمته، حيث كان ذلك اليوم يوما مشهوداً في حياته، إذ منذ ذلك التاريخ عرف جون كاني ماذا سيفعل في حياته، واختار طريقه فيها، وقال إن الذهاب بالأطفال الصغار والشباب إلى المسرح عادة حميدة ينبغي الحفاظ عليها، في مختلف أرجاء العالم. وقال: “إنه ولد في أرباض بورت إليزابيث، وكانت الحياة بالنسبة له في هذا الحي المهمش حياة بائسة حيث كانت حياتنا تنساب تحت سياط ذلك النظام القاسي الذي كان سائداً، والذي كان قائماً على الفوارق والتمييز العنصري، ومن كان منا ذا حظوة ذهب إلى المدرسة”.

 

المسرح الإسباني المعاصر

  نسلط الأضواء على ثلاثة من رواد المسرح الإسباني وهم، رامون ديل فاييى إنكلان، وبويرو باييخو، ولويس رياثا، الذين يمثلون اتجاهات مختلفة للنص الدرامي في حقب متفاوتة من التاريخ. يشير الناقد الإسباني فرانسيسكو رويث رامون، إلى أن هؤلاء المسرحيين يمثلون اتجاهات مختلفة للنص الدرامي في المسرح الإسباني، على الرغم من غياب أحد أقطاب المسرح الإسباني المعاصر، الذي جاء بعدهم وهو فيدريكو غارسيا لوركا، الذي نفذ من ثغرة نصوص رامون ديل فاييى إنكلان.

يتميز أبو الفنون في إسبانيا بالتنوع والغنى والثراء، سواء في مواضيعه أو نصوصه أو جوهره. ومنذ كتّاب المسرح الإسباني الكلاسيكيين الأقطاب أمثال فرناندو دي روخاس، ولوبي دي فيغا، وكالدرون دي لا باركا، وتيرسو مولينا، وخوان رويث دي ألاركون، ما فتئ المسرح الإسباني يحقق نجاحات في مختلف العصور، وقد بلغ أن قدمت في مدريد وحدها منذ بضع سنوات في وقت واحد ما يقارب الخمسين مسرحية تمثل مختلف الاتجاهات والمدارس المسرحية المتباينة. كما عرف المسرح الإسباني نجاحات كبيرة كذلك خارج إسبانيا، خاصة في بلدان أوروبا وفي أمريكا اللاتينية.

النص الدرامي عند إنكلان

 عرفت المواضيع الأساسية المتعلقة بالعروض المسرحية منذ عام 1887 في كل من باريس وبرلين وموسكو ولندن، تطوراً هائلاً مهد السبيل إلى ظهور المسرح الحديث الذي سيصبح من أبرز رجالاته برتولت برخت، وأرثور أداموف، وجان جنيه وغروتوسكي، وبيتر بروك، وسواهم الذين يعتبرون من الوجوه المشعة في تاريخ تطور المسرح الأوروبي. هذا التيار لا يعتمد على الصورة المسرحية بقدر ما يُعنى بجوهرالنصوص، هذه النقلة في عالم المسرح في إسبانيا قام بها الكاتب الإسباني رامون ديل فاييى إنكلان، انطلاقا من سنة 1906 حيث بدأ يتجلى الإبداع المسرحي في الورق والكتابة، قبل أن يظهر على الخشبة بواسطة الإخراج المسرحي. وهناك نصان بارزان لهذا المبدع هما “نسر المجد ” و”غنائية الذئاب”، وتغلف هذه النصوص أجواء من الظلام، والطلاسم، والموت، والدم والعنف، والقساوة وعناصر أخرى ظلت بمنأى عن النصوص المسرحية الأوروبية، وعن خشبات المسارح الغربية بشكل عام.لا تحتاج نصوص فاييى إنكلان إلا إلى حيز رمزي لإبلاغها للجمهور، وتغدو كلمات شخصياته حليفة الضوء واللون والصوت. ولصيقة بأجسام الممثلين وحركاتهم ومواقعهم، ذلك أن هذه النصوص تتوفر على قوة سحرية ليس من حيث ثراء مضامينها وحسب، بل بشكلها وإطارها ووقعها وتنغيماتها، هذه النصوص هي ذات طابع اجتماعي ونفسي في آن واحد، إذ لا يقوم العالم الدرامي لدى الكاتب على النطق والقراءة، كما كان الشأن في النصوص الواقعية، بل إنه لصيق بالجو الرمزي الجديد، أي طغيان الكلمة باعتبارها الخاتم الجديد لمسرح القرن العشرين. إن إنكلان بهذا الاتجاه الجديد لم يكن كاتب نصوص وحسب، بل كان ممثلاً ومخرجاً مسرحياً في آن، داخل نصوصه نفسها، وهذا المنحى المسرحي لديه ليس هروباً من الأعراف المسرحية أو نكرانا لها بقدر ما هو عودة إلى ينابيع الدراما وانغماس في معايشة الفن المسرحي في أجلي معانيه. إنه بهذا الاتجاه يمثل رجوع الإنسان إلى رؤاه الأولى المبكرة للعالم الحافل بالأسرار والغوامض المغلف بلغز التساؤل الأبدي، وما يتراءى له في نصوصه من شخصيات غريبة، تتعانق فيها الخيالات وأضغاث الأحلام باللاوعي والهذيان. إنه باتجاهه هذا قد أعاد الاعتبار لبعض الأبطال الكلاسيكيين الذين نعرفهم، والأشكال المسرحية في نصوصه هي الحلقة الواصلة بين جيري، وبريخت، أو أرتود، وأونيسكو، أي بين المسرح الملحمي أو الحماسي ومسرح العبث أو اللامعقول.

الدراما التاريخية وباييخو

 أهم المميزات الأساسية للدراما التاريخية، القدرة على الربط بين الماضي والحاضر، لذا فإن رؤية العالم التي تقدمها لنا الدراما التاريخية هي نتيجة تداخل عملية تركيب أيديولوجي للحقيقة التاريخية، بواسطة الكاتب بمساعدة المتفرج، هذا التركيب عادة ما يكمن في بنيوية رؤية الماضي عن طريق تلاقي الكاتب والمتفرج في الحاضر، ويغدو البعد القائم بين الزمنين ملكاً للسرد التاريخي. وهنا تكمن مقدرة بويرُو باييخو في الوساطة التراجيدية بين الزمنين. وخير مثال لديه مسرحيتاه “حكاية مُعلم” و”الظلام الملتهب” حيث تعتبر هاتان المسرحيتان تقصياً مهووساً للظرف التراجيدي للإنسان، كعنصر بارز من عناصر التاريخ، بل إننا نجد هذا الهاجس في تقصي عامل الزمن في مسرحيتين أخريين للكاتب نفسه هما “الحاكم للشعب”  و”الإنفجار”، إن الفرق بين الضمير المعتقدي والضمير التراجيدي لا ينحصر في تقبل الحقيقة أو تغييرها، بل على العكس من ذلك يكمن في عدم قبول انشراح المتفرج بإجابة، أو تفسير يؤديان إلى تلاشي الصراع القائم، وإن الضمير التراجيدي يحول عملية التساؤل إلى تناوش تراجيدي، وذلك بتفجير السؤال نفسه على خشبة المسرح، وهكذا يجعل الكاتبُ المتفرجَ مشاركا في البحث عن الإجابة، ليس على خشبة المسرح وحسب، بل في الحيز التاريخي كذلك. والإجابة رهينة بطبيعة الحال بمقدرة وكيفية تلقي المتفرج للسؤال وفهمه واستيعابه.

تحفل مسرحيات باييخو بهذا العنصر التساؤلي التاريخي، وهو بذلك يزيد في مضاعفة وظيفة الأعضاء السمعية والبصرية لدى المتفرج وتنشيط السمات الكلامية لديه، فتغدو التراجيديا عنده وسيلة مفتوحة لا مغلقة، لأنه بذلك يستبدل مفهوم القدرية بالحرية، محولاً إياها إلى المحور المحرك لنظرته التراجيدية للتاريخ، وبذلك تغدو المسافة الممتدة بين العطاء والاستقبال، أي بين الكاتب والمتلقي للنص، هي المسافة القائمة بين الضمير التراجيدي وتساؤله والضمير وجوابه. وبذلك تتحول الدراما إلى حقيقة تاريخية ويظل المتفرج هو وحده باستطاعته تخطي الحواجز وتجاوزها، في سباق التاريخ. عاش باييخو سنتين من عمره في مدينة العرائش في المغرب، حيث كان والده عسكرياً يعمل في الجيش الإسباني هناك. مثله في ذلك مثل الكاتب المسرحي الفرنسي جان جنيه، الذي عاش هو الآخر في هذه المدينة، بل أوصى بأن يدفن فيها، كما دُفن فيها في ما بعد الكاتب الإسباني الشهير خوان غويتيسولو الذي عاش ردحاً من الزمن في مدينة مراكش حتى توفي فيها.

الرؤية المسرحية لدى رياثا

 تتميز الرؤية المسرحية لدى الكاتب المسرحي الإسباني لويس رياثا انطلاقاً من مسرحيته “الحصان داخل السور” بهالة من السخرية والتهكم في أجلى مظهره في المسرح الغربي الحديث، إن الكاتب بدل أن يتقبل مختلف الأشكال التجريبية للمسرح الجديد المنتشر بين ضفتي المحيط، أي بين أوروبا وأمريكا، يلجأ إلى صنع أسلوب مسرحي جديد خاص به، يأتي مباشرة بعد موجة العبث، لكي يتسنى لقارئ نصوصه فهم ما يقرأ لا بد له أن يقيم عدداً من الوسائط بين النص والعرض، نظراً لتكاثف الرموز عنده وتداخلها، وتفجيره لعنصر الأنا لهوية الممثل والمتفرج في آنٍ. إلا ان هذا الكاتب وهو الثالث بعد الكاتبين الآنفي الذكر، يرى أن المسرح الإسباني لم يكتب من طرف الكتاب المسرحيين الرسميين، بل من طرف الشعراء، ويضرب مثالاً لذلك بفيدريكو غارسيا لوركا، ورفائيل البرتي، حيث بز هذان الشاعران، في نظره، بعض الكتاب المسرحيين الإسبان الآخرين.

التراث الأندلسي والمسرح الإسباني

 المسرح الإسباني على إمتداد تاريخه، قد استقى غير قليل من مضامينه وموضوعاته من التراث العربي والحضارة الإسلامية في الأندلس، كما يشهد بذلك معظم الدارسين والمستعربين الإسبان وغير الإسبان، حيث حفلت العديد من الأعمال المسرحية الإسبانية القديمة منها والمعاصرة بالإشارات الواضحة إلى المظاهر الحضارية والثقافية والإشادة بها، وإبراز مواقف الشهامة والشجاعة والنبل والكرم والأنفة عند المسلمين الأندلسيين (عرباً وأمازيغ) وتتجلى مظاهر هذا التأثير منذ القرون الوسطى في العصر الذهبى للمسرح الإسباني لدى لوبي دي فيغا، وتيرسُو دي مولينا، وكالدرُون دي لا باركا، ومنذ عصر الرومانسيين من المسرحيين الإسبان في القرن العشرين في طليعتهم فرانسيسكو فييا إسبيسا (ولد في مدينة ألمرية 1877 وتوفي في مدريد 1936) حيث شكلت المواضيع العربية والإسلامية الأندلسية في أعماله عنصراً أساسياً لإبداعاته الأدبية والمسرحية على اختلافها. وقد حقق هذا الكاتب نجاحات باهرة بأعماله هذه داخل إسبانيا وفي بلدان أمريكا اللاتينية، كما ترجم بعضها إلى اللغة العربية، إلا ان بعض هذه الأعمال لم تسلم من معاول التهجم والهدم من طرف بعض النقاد المتزمتين. في حين أن نقاداً آخرين أنصفوه، وأشادوا به، وجعلوه في طليعة المُمهدين والمُبشرين للمعاصرة والتجديد والحداثة في الأدب الإسباني المعاصر. من أعماله الإبداعية المعروفة في هذا الصدد مسرحيته “قصر اللؤلؤ” (1911) التي نقلها الى اللغة العربية لطفى عبد البديع الأستاذ في آداب جامعة عين شمس في القاهرة. ومسرحيته “بني أمية” (1913) و”باحة الرياحين” (1908) و”عبد الرحمن الأخير” (1909) و”انتقام عائشة” (1911) وسواها من الأعمال الأخرى.

* كاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية