في انتظار استقبال القاتل بالأحضان: اكتشاف غياب 250 جنديا مصريا

حجم الخط
0

في انتظار استقبال القاتل بالأحضان: اكتشاف غياب 250 جنديا مصريا

توفيق رباحيفي انتظار استقبال القاتل بالأحضان: اكتشاف غياب 250 جنديا مصرياكأن المصريين بانتظار جنائز (موسمية) يشبعون فيها لطما، كما يقول المثل الشعبي عندهم. الدور هذه المرة علي موضوع الـ250 اسير حرب الذين يُعتقد ان وحدة من الجيش الاسرائيلي قتلتهم في حرب 1967.بعد 40 عاما اكتشفت مصر الرسمية والشعبية ان 250 جنديا غائبون عن الصف. وككل مرة، ليس لمصر ومؤسساتها واعلامها اي دور او فضل في الاكتشاف. فالتلفزيون الاسرائيلي هو الذي بث شريطا وثائقيا اورد الاخبار عن تصفيتهم، مثلما كان للتلفزيونات الامريكية الفضل في اكتشاف فظاعات سجن ابو غريب واغتصاب وقتل الفتاة عبير وتصفية مدني جريح باحد المساجد و مسالخ بيان جبر صولاغ في اقبية وزارة داخليته. مرة اخري، هذه امة تستوعب الفظاعات والمآسي ولا تكتشفها، بل تستهلكها مسوّقة من الغرب مثلما تستهلك المواد الغذائية والادوية وادوات الزينة.الدنيا قائمة في مصر، برلمانا وصحافة ومجتمعا مدنيا. حتي الاهرام المحنطة والقنوات التلفزية الجامدة ادلت بدلوها، ما يوحي بوضوح ان للحكومة والحزب الحاكم يدا في هذا التحريك، فـ الاهرام تمثل صوت الحكمة ، وعادة هي علي النقيض من الصحف الحزبية والخاصة في هياجها بقضايا محلية واقليمية. وهذه المرة التقي الضدان. والقنوات التلفزية العديدة هي في العادة صمّام امان امام الانتقادات الموجهة للحكومة والمواقف الحزبية والشعبية التي تحرج الحكومة مع نظيراتها بالخارج. هذه المرة التقت القنوات التلفزية، مع الصحف والتنظيمات التي كانت توصف بالغوغاء، في حملة غضب دفعتني لان اتمسمر امام التلفزيون منتظرا خبر عاجل : القوات المصرية علي ابواب تل ابيب وتقارير عن مفاوضات لتسليمها مفاتيح المدينة.وردت احاديث عن نطرية مؤامرة تقول ان الحكومة وجدتها فرصة لتنفيس الرأي العام المحلي من احتقانه ودفع الصحافة غير الحكومية الي التوقف، ولو مؤقتا، عن انتقاد الفشل الحكومي. بغض النظر عن صحة هذا الاعتقاد من عدمها، لا يمكن تصديق الموقف الحكومي بسهولة وأخذه بسطحيته كما لو ان الاجهزة الرسمية المصرية اكتشفت موضوع الاسري المغدورين اليوم فقط مثل ايها الناس من خلال الوثائقي الاسرائيلي.احدث الشريط زوبعة واشتغل خيال الناس بقوة، كلٌ من موقع حساباته او طموحاته.الي الذين يتحدثون عن ان العلاقات المصرية ستتأثر سلبا، اقول: انتم تحلمون. الي الذين ينتظرون انهيار السلام بين البلدين، اقول: مستحيل. الي الذين يجزمون بان بنيامين بن اليعازر لن يزور القاهرة في حياته، اقول: اصبروا بضعة شهور وسترونه يُستقبَل بالاحضان ويلتقط صورا تذكارية بالاهرامات وكورنيش النيل. لست بصدد اختراع الدولاب، فواقع الحال ماثل امام اعين من يريد ان يري: هذه امة رغي، وشعوب ألسنة رجالها اطول من قاماتهم. امة مصابة بآفة النسيان. تذكروا التهديد والوعيد الذي سمعناه في كل ازمة او كارثة عاشتها المنطقة (مصر بالذات) في السنوات العشر الاخيرة (وما اكثرها)، وانظروا واقع الحال اليوم.ازمة الجنود الـ250 لا تعالج بالثرثرة في التلفزيونات والصحف والمجالس البرلمانية وفي الشارع. العملية تحتاج لهدوء ودقة وقدرة علي المتابعة والتوثيق الجاد المدعوم بموقف حكومي شجاع. فهل هذا متاح في مصر اليوم؟ الجواب بدون تردد: لا كبيرة، لان مصر الرسمية غير مستعدة نفسيا وسياسيا لمعركة طويلة النَفَس، قضائية في ظاهرها، متعددة الاوجه في عمقها. معركة كهذه لا تناسب مصر الحالية التي اخفقت في (او عجزت عن ان تخوض) معارك اصغر بكثير اصبحت كلها في خبر كان، عبّارة السلام 98 وحوادث القطارات القاتلة، علي سبيل المثال لا الحصر.لو اراد البرلمانيون والصحافيون المصريون خدمة هؤلاء الشهداء وعائلاتهم، فالطريق بيّن، لتوجهوا الان الي ارشيف وزارة الدفاع واستخرجوا قوائم الجنود واسماءهم. آنذاك تبدأ المساءلة القضائية والسياسية، داخل مصر وفي بروكسل او لاهاي او حيثما شئتم. لو ارادت القنوات التلفزية المصرية انصاف الضحايا المساكين وامهاتهم، لبدأت، امس قبل اليوم، عملا صحافيا جادا يفيد التاريخ والحقيقة ويطلع المصريين علي تضحيات 250 من ابنائهم ذات يوم في صحراء سيناء القاحلة. يحتاج الامر الي فريق عمل متفرغ بضعة شهور للعمل بجدية وصمت، ثم فريق تصوير يبدأ العمل بجدية ودون ضجيج. لكن قبل كل شيء يحتاج الامر الي موقف حكومي داعم سياسيا ومعنويا وماديا، والي مجتمع مدني فعّال ومتحرك. هنا مربط الفرس لان الموقف الحكومي غير متوفر ووزير الخارجية احمد ابو الغيط قالها بصوت عال: ليس فيلما وثائقيا هو ما يسيء للعلاقات المصرية الاسرائيلية (علما ان الامر لا يتعلق بالعلاقات المصرية الاسرائيلية بقدر ما يتعلق بجريمة محددة في الزمان والمكان تحتاج الي تحقيق وتوثيق ينتهي بادانة مرتكبيها او تبرئتهم)، والمجتمع المدني في مصر متحرك وغير فعّال (لعيوب ليست بالضرورة فيه). لم يتوقف الامر هنا، بل تجنّد خدَمَة الحكومة المصرية ليبثوا في الناس الشعور باليأس من خلال القول في القنوات الرسمية كلاما يوحي بان من المستحيل متابعة ومعاقبة مرتكبي هذه الجريمة. واحد من هؤلاء سفير سابق لمصر لدي الامم المتحدة استضافه التلفزيون المصري سهرة السبت الماضي. ورغم ما في كلام هؤلاء من صحة حول صعوبة تحريك دعاوي قضائية دولية، فالنتيجة الابعد للكلام هي ما تحاولوش . الي شيء من التفاؤل والايجابية الان: اذا حدث ان.. (اقول اذا) فمثلما تُساءل اسرائيل يجب ان تسأل مصر نفسها سؤالا بسيطا: لماذا اخفينا عن شعبنا هذه المأساة؟ مثلما يجب ان يسأل البرلمانيون حكومتهم سؤالا ابسط: لو لم يكشف هذا التلفزيون الاسرائيلي هذه الجريمة، كم سنة اخري كنتم ستخفونها عنا؟قلبي يتمني حدوث هذا، لكن عقلي يقول لي باصرار خليك يا رجل.. بعد اسبوعين او ثلاثة سينتهي كل شيء ويعود كل لحاله . لماذا اسبوعين او ثلاثة، لقد هدأ كل شيء حتي قبل ان ينقضي اسبوع واحد!انها زوبعة (اخري) في فنجان، فدعوا الشهداء يواصلون نومهم في سلم وطمأنينة.اقتراح قبل ايام عرض تلفزيون بي بي سي شريطا من اروع ما يكون عن ابن بطوطة. هذا الرجل الذي لا نعرف عنه غير الاسم وانه كان يسافر كثيرا.الشريط من الروعة والفائدة بحيث يستحيل اختصاره في مكان كهذا. انما اقتراحي الحار والجاد للقنوات العربية الكبري، وبما ان انتاج مثل هذا النوع من البرامج غير وارد لديها لاسباب لا داعي للخوض فيها، ان تشتري هذا الشريط من القناة البريطانية ـ مثلما اشترت اشرطة اخري ـ وان تذيعه علي المشاهدين العرب بلغتهم مدبلجا صوتا او كتابة. فالقنوات العربية متعودة علي الشراء اشرطة تُترجم للعربية وتُبث دون ان ينتبه عامة الناس الي حقيقة هويتها. اما الهدف الاسمي فهو ان يكتشف ابناء هذه الامة الكسيحة مآثر هذا الرجل من طنجة الي غوانزو وما انجزه في كل مكان حط به الرحال.. اشياء اقرب الي المعجزات فلا تفوّتوها علي زبائنكم يا اصحاب الفضائيات.من خليفة الي جيزي اثار مقال الثلاثاء الماضي بهذه الزاوية عن تحقير الصحافيين ردود فعل عدة صحافيين جزائريين. بعضهم راسلوني مدافعين او مبررين، واخرون مؤيدين بتحفظ ما قلت. وكان بين المراسلين من رأي فائدة في ان يذكرني باللحن الجاهز انت عايش في الخارج . لهؤلاء اقول قبل ان اعيش بالخارج عشت بالداخل، ومارست هذه المهنة عندما كان الدم للركب والتصفية الجسدية اقرب الي اصحابها من حبل الوريد. وللاخرين اقول، دون شعور بالحاجة للدفاع عن النفس، انني كتبت دفاعا عن بقايا كرامة في بقايا مهنة امام شقاء اصحابها وجبروت مؤسسات ورجال حكم ممعنون في تحقير الاخر. دفاعا عن مهنة استولي عليها حوانتية يتعرّون امام من يدفع اكثر من ارباب المال.. في السابق كان عبد المؤمن خليفة، واليوم صاحب شركة جيزي للهواتف الجوالة (فرع اوراسكوم المصرية)، وغدا ربك وحده يعلم. كاتب من اسرة القدس العربي [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية