في انتظار الأوكرانيات! … «صالون هدى» للسّحل… والمسلسل مستمر

حجم الخط
5

يندر أن يمرّ عمل إبداعي فلسطيني في السنوات الأخيرة من دون عواصف من الاحتجاجات. الآن دور «صالون هدى» فيلم هاني أبو أسعد الجديد، الذي يجابَه مجدداً باتهامات وانتقادات لاذعة.
كما في فيلمه «عمر» ، يتابع أبو أسعد البحث في موضوع العمالة لإسرائيل، الملف الشائك والطويل، هذه المرة متشابكاً مع قضايا المرأة، إذ تشكّل الإساءة للمرأة مدخلاً وتوطئة لتجنيدها لمصلحة أعداء بلدها.
يحكي الفيلم قصة هدى، التي تعيش وضعاً أسرياً مضطرباً، يُستَغل لتجنيدها، لتقوم بدورها بتوريط أخريات عبر تخديرهن وتصويرهن في أوضاع عارية.
الاحتجاجات جاءت مضاعفة؛ مرة على مشهد عري، عندما تخدّر امرأة، وهو هنا عري أقرب إلى عري المانيكان، ولا شك أن ما يتوفر لدى الجمهور، وعلى الشبكة العنكبوتية، «أفظع» من ذلك بكثير، ومرة باتهام الفيلم بتسويغه للعمالة، ما قاد إلى اتهام مخرج الفيلم بالعمالة، وبأنه يتناول القضية الفلسطينية، كما في مسلسل «فوضى» الإسرائيلي الشهير، من وجهة نظر المخابرات الإسرائيلية!

عري “صالون هدى” أقرب إلى عري المانيكان، ولا شك أن ما يتوفر لدى الجمهور، وعلى الشبكة العنكبوتية، «أفظع» من ذلك بكثير.

يحاول الفيلم فعلاً مقاربة قصص العملاء بشكل إنساني، فمثل كل جرائم الكون، لكل مجرم وجريمة أسباب وممهدات جعلتها ممكنة، فالناس ليسوا مفطورين على العمالة لإسرائيل، وإلا لما كان لكل أجهزة الاستخبارات في العالم أساليبها في التوريط. محاولات الفهم ليست تبريراً، خصوصاً أننا هنا أمام عمل فني لا بيان سياسي أو قضائي عليه أن يصدر حكماً بالسحل، وإلّا!
قد يكون لدى المرء أسبابه في ألّا يعجب بفيلم أبو أسعد، إنما لا يمكن أن يصل الأمر إلى الاتهام والتخوين والمطالبة بالمنع. إنه تناول فني لملف شائك ومديد، من حق الجميع المناقشة والاعتراض والاحتجاج، إنما ليس بالمنع والاتهام. إلى أين سيصل الإبداع والمبدع الفلسطيني لو أنه قَبَلَ بما يملى عليه، بالكيفية التي عليه أن يقارب موضوعه بها.
وإذا كان من المعتاد أن نشهد تعليقات شتى على مواقع التواصل الاجتماعي فإنه من غير المعقول أن تصدر وزارة الثقافة الفلسطينية بياناً تقرر فيه أن «المشاهد التي احتواها الفيلم تمس صورة شعبنا، وتنافي قيمه وأخلاقه وتمس صورة السينما الفلسطينية» ، كما أشارت إلى أنها قد شكلت من قبل لجنة «رفضت الفيلم، ولم تسمح له أن يمثل دولة فلسطين في مسابقة الأوسكار الدولية» .
غداً قائمة شروط جدانوفية صارمة من الوزارة أكثر تحديداً وتطلباً. هذا بالطبع إلى جانب رقابات الفصائل، بمختلف اتجاهاتها؛» فتح» و«صاعقة» و«جبهة» و«شيوعي» و«حماس» و«جهاد» ، ومن ورائهم دول وأحلاف.
وداعاً إذاً للسينما، وداعاً لحرية الإبداع، وداعاً فلسطين التي تجمعنا.

ليس أقل من السّحل!

المخرج هاني أبو أسعد تراجعَ خطوة إلى الوراء، قرر أن يحذف مشهد العري من «صالون هدى» ، حسب ما قال أمس لـ «القدس العربي»:» أنا أحترم مشاعر الناس في مجتمعنا» ، و»سوف أحذف المشهد من نسخة الفيلم التي ستعرض في العالم العربي وسأبقي عليها فقط في النسخة التي ستعرض في الغرب» .
لا ندري إن بلغ المخرج خبر استنكار المؤسسات والمرجعيات الدينية في فلسطين، ممثلة بديوان قاضي القضاة، ودار الإفتاء، ووزارة الأوقاف والشؤون الدينية، إنتاج وإخراج فيلم» صالون هدى» وقد « طالبت في بيان صحافي مشترك بسحب هذا الفيلم المسيء وإتلافه ومنع تداوله أو عرضه بأية صورة من الصور لما فيه من إساءات لصورة شعبنا وديننا وتراثنا الوطني» .

هناك خوف كبير على بطلتي فيلم “صالون هدى” الآن، فهذا التبني الرسمي والديني لاتهام الفيلم يجعلهما، مع فريق الفيلم، هدفاً سهلاً للاعتداء.

ووفق الخبر «دعت النائب العام والجهات الرسمية ذات العلاقة إلى ملاحقة ومحاسبة جميع المشاركين في هذه الجريمة الأخلاقية وفق الأصول والقانون، حماية للمجتمع الفلسطيني وصيانة للأخلاق والسلم الاجتماعي».
هل سمعت أخي المخرج؟ لن تمرّ الحكاية بأقل من السّحل، فكما تعلم، التراجع مسلسل، أو قد يكون كالخطأ في التنشين، يبدأ بملم واحد، أو أقل، ليصل عند الهدف بعيداً أمتاراً بحالها.
هناك خوف كبير على بطلتي الفيلم الآن، فهذا التبني الرسمي والديني لاتهام الفيلم يجعلهما، مع فريق الفيلم، هدفاً سهلاً للاعتداء.
كل التضامن مع ميساء عبدالهادي، منال عوض، هاني أبو أسعد، وكل فريق الفيلم.

محمد العراني

إذا كان هناك من حاجة لإصدار بيان، من قبل وزارة الثقافة الفلسطينية المتفرغة للبيانات ضد المبدعين وحسب، فهو مقطع الفيديو المتداول، للمغني الشعبي الفلسطيني محمد العراني، والذي يقول فيه في قلب عرس هائج حافل بالرقص والنَّطْوَطَة: «قسّي قلبك يا بوتين/ اهجم وزيد الهجمات/ شرّدهم ع فلسطين/ ونتزوج أوكرانيا».
هذا هو بالضبط الشيء المحرج للفلسطينيين خصوصاً، باعتبارهم لاجئين تاريخيين. كيف يرضى لاجئ أن يُحرَّض على اللاجئين على هذا النحو، بل على الحلقة الأضعف من بينهم: النساء.

الثقافة نفسها، التي تمتهن المرأة، بل المرأة اللاجئة تحديداً، وتنظر إليها كغنيمة حرب، تأنف، من مشهد عري في فيلم، أو من حوار «خادش للحياء»!

كنا قبل ذلك، قبل مشهد العرس، شهدنا موجة من التنكيت ترحب بشكل مبتذل باللاجئات الأوكرانيات، بطريقة تفسّر كيف يولد «داعش» في الرؤوس وفي الأغاني قبل كل شيء.
العراني قال قولته في عرس، ردّدَ وراءه موسيقيون وكورس وراقصون مرحون. لم نسمع اعتراضاً، ولا مساءلة، ولا من يحزنون.
لو كان موقفك المؤيد لبوتين من باب أنه مدافع عن العدالة في وجه الاستكبار العالمي، فكيف نفسّر هذه النظرة التشبيحية بحق شعب آمن، ونساء مسالمات.
هذه الثقافة نفسها، التي تمتهن المرأة، بل المرأة اللاجئة تحديداً، وتنظر إليها كغنيمة حرب، تأنف، من مشهد عري في فيلم، أو من حوار «خادش للحياء»!

٭ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية