ما يميز أعمال الروائي الجنوب افريقي الأسترالي جون ماكسويل كوتيزي، ذلك الطّابع الصّلد لرواياته، حيث لا يمكن إلا أن نتأمل مليّاً هذه القدرة على جعل السّرد أشبه بوتر مشدود، فجمله السّردية في غاية الاقتصاد، على الرغم من اتساعها الدّلالي.
كتابة كوتيزي تبدو أسيرة رؤيته تجاه العالم، التي ربما نفتقر حضورها لدى عدد كبير من الروائيين، ونعني بالرؤية القدرة على تضمين الفعل السّردي القناعات الكبرى التي تكمن في الأفكار، بيد أنها لا تأتي منزوعة الروح، إنما مدمجة في اللعبة السّردية ضمن أكبر قدر من الاتقان، وهنا تبدو بهجة قراءة كوتيزي، كونه قادراً على إثراء وعي القارئ النقدي، ولكنه في الوقت عينه قادر على أن يجعل القارئ مسكوناً بالحكاية، ونزعة المتخيّل، وفي قراءتي لعملين لهذا الكاتب – الحاصل على جائزة نوبل- وجدت أن وعي شخصياته يتشكلُ انطلاقاً من الداخل، ومن ثم تتسع دائرة منظورها لتشمل البيئة، والتاريخ، والأفكار، والجسد والروح.
المكوّن السردي وخلق الإمبراطورية
في رواية «في انتظار البرابرة» ترجمة ابتسام عبد الله، منشورات المركز الثقافي العربي 2004 يبدو المكان والإنسان مكونين سرديين، وبينهما متتالية من البحث في تكوين الإمبراطوريات المطلقة، وحاجاتها للغذاء الوجودي، بمعنى أن تقتات الإمبراطورية على الوجود الهامشي للأمم، أو لنقل (الآخر) كي تحفظ وجودها، فمن أجل أن توجد وتنمو، تخترع الإمبراطورية وهم العدو، تغذّيه بالمعرفة كي تبرر قيامها، وهنا تكمن الفكرة المحورية في الرواية التي تنزع نحو نقد المركز الغربي الإمبراطوري، ولكن بدون تسميته، أو الإعلان عنه، إنما نستنتجه من فضاءات الرّواية التي تراوح بين منظورين: الأول جمعي متقاطع مع النشوء الكلي المتصل بالإمبراطورية، التي تخلق أسطورة الآخر أو البربري، والثاني الذاتي القائم على وعي القيم في هذا العالم.
تنهض الرواية على حبكة قوامها وجود قاضٍ أو حاكم مستوطنة تتبع إحدى الإمبراطوريات، هنا نرى أن البلدة والإمبراطورية لا يعلن عنها على مستوى المسمى (العلم)، إنما هي تسبح في فضاء المطلق والمجرد، لتمسي تكويناً رمزياً، أو معادلاً موضوعياً للوعي الاستعماري، وفي المقابل البرابرة، الذين يقعون في الجزء الآخر أو المقابل في مكان بعيد خارج البلدة (السّكان الأصليون). هذا القاضي الذي يحكم البلدة لفترة طويلة، يؤمن بأن هؤلاء البرابرة ما هم إلا السّكان الأصليون الذين يبحثون عن فضائهم الخاص، أو المستلب، يبحثون عن صيغة وجودهم الطّبيعي، غير أن الحاكم أو الضّابط الجديد للبلدة الاستعمارية، يأتي محمّلاً بأوهام أنّ هؤلاء البرابرة يشكلون تهديداً على وجود الإمبراطورية؛ ولهذا ينبغي إرسال حاميات عسكرية للقضاء عليهم، فيتحول الأمر إلى صراع بين رؤيتين تتنازعان تمثيل البرابرة، إذ ينشغل القاضي بقراءة مكوّنهم الثقافي والحضاري والتاريخي، في حين أنّ القوى الإمبراطورية لا تراهم إلا بوصفهم أعداء.
تخترع الإمبراطورية وهم العدو، تغذّيه بالمعرفة كي تبرر قيامها، وهنا تكمن الفكرة المحورية في الرواية التي تنزع نحو نقد المركز الغربي الإمبراطوري، ولكن بدون تسميته، أو الإعلان عنه، إنما نستنتجه من فضاءات الرّواية
إشكالية الجسد، وفكرة التابعية
هذا النزوع في تكوين الحبكة السّردية يسير بمحاذاته خط سردي آخر، يتصل بعلاقة القاضي مع إحدى الفتيات التي تنتمي إلى البرابرة، أو السكان الأصليين، وفيها نرى تشكيلاً معقّداً من العلاقة بين الأقوى والأضعف، بين السّيد والخاضع. هذه الفتاة تتعرض لتعذيب شديد على يد الغزاة، تفقد جزءاً كبيراً من بصرها، فيتملّكها القاضي الذي ينقذها من حياة التّشرد والجوع، يعتني بها، يغسل قدميها، يشفي جراحها، ولكنه يقع أسير تكوينها الخام والطبيعي، أو فتنتها القائمة على نموذج المغايرة والاختلاف… يشتهيها… يرغب فيها، على الرغم من أنّ جسد القاضي بات أقل كفاءة، نتيجة تقدُّم العمر، وهكذا نقرأ مقاطع مطوّلة فلسفيّة تأملية، تطال الوجود، وعلاقة الإنسان مع جسده، وتكوينه، وفعل الاشتهاء، ولاسيما لهذا الرجل الذي يغذّي جوعه مع بعض الفتيات الصغيرات، أو العاملات، ولكنه لا يتمكن من امتلاك هذه الفتاة الأصيلة حيث تخذله الروح قبل الجسد، وهنا تخرج علينا تقاطعات رمزية تتصل بهذه الثنائية التي تتعالق مع نماذج الهيمنة الجنسية بين السيد والتابع، بين المهيمِن، والمهيمَن عليه. يتخذ القاضي قراراً مؤثراً على مستوى الحبكة، ويتمثل بأن يعيد الفتاة إلى قبيلتها، فيخوض رحلة شاقة مع عدد من الرجال. هذه الرحلة تحتمل قدراً من الجهد، والمخاطر، والتّهديد بالموت جوعاً وعطشاً، أو قتلاً… تستجلب الرّحلة تحولاً في وعي الإمبراطورية، حيث ترى بأن هذا التّصرف من قبل القاضي ينطوي على خيانة، لمحاولته التّواصل مع الأعداء، فيعتقل القاضي عند عودته، ويتعرض للإهانة، ما يعني نوعاً من المواجهة، بين وعي القاضي الماضوي القائم على خدمة الإمبراطورية، ووعيه القائم على خبرة حقيقية بهؤلاء البرابرة.
لعلّ في الكثير من المقاطع السّردية التي يقوم فيها القاضي بغسل قدمي الفتاة، والعناية بها إشارة إلى ولع «فيشتي» (توثين جسدي)، وكأن القاضي يبدو مجازاً لوعي إمبراطوري ينهض على اشتهاء الآخر الغريب أو المهيمن عليه: «أبدأ بغسلها. ترفع قدميها لي بالتتابع. أدلك وأدعك الأصابع الرخوة بواسطة الصابون اللبني الناعم. سرعان ما تنغلق عيناي، يتخاذل رأسي. إنها نشوة من نوع ما». يحيل عمى الفتاة الجزئي إلى عدم القدرة على رؤية هذا الغازي، أو عدم التواصل معه، هذه الإصابة (العمى) التي نتجت بفعل التّعذيب، قد تبدو نموذجاً لغوياً لقراءة العلاقة الجدلية بين المستعمِر والآخر، ومع ذلك، فإن هذا الاستحواذ الجسدي ليس إلا نوعاً من أنواع الهيمنة، حيث تتحول الفتاة في النهار إلى خادمة لدى القاضي، وعشيقة في الليل، هو امتلاك كلي لفضاء الآخر، وجسده: «قد خلّصتها من عار التّسول، وعينتها خادمة في حجرة غسل الأطباق والأواني. من المطبخ إلى سرير القاضي في ست عشرة درجة سهلة».
هذه العلاقة يتأملها مليا كوتيزي من خلال جسد القاضي العجوز، والفتاة المتوهجة بشبابها، هي إحالة لعلاقة بين النموذج الإمبراطوري المتهالك، مقابل الحيوية والجمال البكر للأرض، المستعمر. إنها لحظة لا يتحقق فيها التواصل بين عالمين، ولكن جسد الفتاة معطوب نتيجة انهدام المركز: «هذان الجسدان، لها ولي، مُسهبان واهيان لا مركز لهما، يدوران في لحظة ما حول دوامة هنا، وعند التالية يتخثران ويثخنان في مكان آخر، ولكنهما في الغالب راكدان وغير مثمرين. لا أعرف ماذا أفعل معها، أكثر مما تعرف سحابة في السماء أن تفعله مع أخرى».. مفردة السّحابة تحيل إلى شيء طارئ، وعابر، لا مكتمل، ربما لا يثمر عن شيء، وما وجود الفتاة إلّا وضع طباقي يتصل بوجود الثعلب الصغير، الذي يحتفظ فيه القاضي بشقته، وفي يوم ما سيتخلص منه، حيث تطلب الفتاة من القاضي أن يطلق الذئب نحو العراء، إلى حيث ينتمي، وهنا يُبدو الذئب معادلاً موضوعياً للفتاة عينها: «سيقول الناس إنني أحتفظ بحيوانين بريين في مسكني، ثعلب وفتاة». يمكن أن نقرأ علاقة القاضي مع الفتاة عبر جسدها، الذي يبدو خاضعاً لهذا الوعي العميق بالامتثال له، وفي بعض الأحيان الرّغبة في التّعذيب، ولكن الجسد في كل الأحوال يبقى عصيّاً، كما هي أرض البرابرة، على الرغم من كل المحاولات، فالجسد كما هي الأرض لا تستجيب رغما عنها لمغتصبها، حيث تبقى قادرة على لفظ المحتل، وتقيّؤه.
تنتهي الرواية بدون أن نلمح أثراً حقيقياً لهذا الوجود المتخيل، لتبقى أزمة الإمبراطورية: «فكرة واحدة تشغل العقل الخفي للإمبراطورية: كيف لا تنتهي، كيف لا تموت، كيف تطيل عمرها.
الأثر الكولونيالي
تحفل الرّواية بالإشارات التي تميط الغموض عن وعي عميق بالنموذج الاستعماري، ومن ذلك علاقة البرابرة بالمكان، فعلى الرّغم من نعتهم بالرّعويين أو البدو، غير أنهم يمتلكون علاقة مع المكان من خلال الآثار التي تدل على وجودهم، حيث تبرز الآثار تبعاً لعملية البحث التي تتخذ طبقات عميقة، وهنا تبدو علاقة الغزاة المستعمرين مع المكان طارئة، وغير حقيقية كما يتضح في (ص 24). إن تلك الأخشاب والأحجار التي يحاول القاضي أن يكتشف دلالتها تبدو إحالات لتاريخ الأرض، وهنا نقرأ نصاً شديد الإدهاش، حيث يُنظر إلى الأرض بوصفها وجوداً كائناً بذاته: «تبعاً للمعتقدات القديمة، وضعت أذني على الأرض، كما علّمني الأطفال، لسماع ما يسمعونه: طرقات وأنين تحت الأرض، والضّرب الخفيف غير المنتظم لطبول، على صفحة خدي، أحسست بدمدمة الرمال تتحرك من لا مكان إلى لا مكان عبر أراض بور». لقد بدا القاضي بداعي معرفته بالبرابرة، رافضاً للمعاملة غير الإنسانية التي تفرضها الإمبراطورية على السّجناء، وقد بدت صورة من صور هذه المعضلة في فهم هذا المكون، حيث يتمنى القاضي أن يزول كل شيء كي ينتهي هذا الظلم لتتأسس الإمبراطورية على قيم العدل والإنسانية.
يرى القاضي أن الحضارة التي جلبتها الامبراطورية، أفسدت فضائل البرابرة، وهذا تصوّر أيديولوجي عميق بنقض القيمة المتوارية، التي يدعيها النموذج الاستعماري لتبرير السّيطرة على الأرض، بل إنّ المكوّن بيئي يتصل بتفسير أثر الإمبراطورية على المكان، حيث يرى القاضي أن الطّبيعة فقدت جزءاً من براءتها، نتيجة هذا الحضور الطارئ للإمبراطورية، حيث تراجعت الظباء والأرانب الوحشية، كما عطاء الحقول، والثمار نتيجة ضغط المستوطنات، التي يرغب السّكان الأصليون، في التّخلص منها، ومن هنا يدرك القاضي بأن هذا الوجود عابر، ولن يبقى، كما يتضح من الحوارات الداخلية التي تستهلك جزءاً كبيراً من المتن.
نستعيد في هذا النص حقيقة مطلقة ضمن أدبيات الاستعمار التي نراها ماثلة في كل نموذج للاحتلال، فالإمبراطروية كي تستمر لا بد لها من خلق مكون للآخر، هو العدو الذي يقف في المقابل من النموذج الحضاري، وهم البرابرة، والبدائيون، والكفرة، والمارقون، والمتوحشون، وإذا لم يكن هنالك من وجود خطر لهذا المكّون، فإنه ينبغي أن يُخترع، وأن يُنمّط في سلسلة من التمثيلات. ولعل الكثير من الحروب التي شنت جاءت نتيجة حاجة استعمارية.. حروب تعمل بوصفها مسوّغات لهذا الوجود، فكم من حروب قامت بها القوى الإمبريالية من أجل الفوز بدروة انتخابية، أو الخروج من مأزق سياسي، هذا التّصور الذي يعكسه كوتيزي بذكاء، عبر تحييد القيمة والاسم، جاء هجاء للوعي الاستعماري عبر بناء تجريدي مطلق، فهو معني هنا بالخطاب، وآلية الممارسة لهذا الفعل، إنه يعرّيه، ويمضي إلى تقويض خصائصه الموضوعية والفكرية، ضمن بناء كنائي، فلا جرم أن يبقى النص مشدوداً إلى جزئية انتظار قدوم البرابرة، بما يحمله من خوف اجتياح هؤلاء السّكان المحليين، مع ما يحاذي هذا من تمثلات للحضور البربري في الوعي الكولونيالي المريض. هكذا تنتهي الرواية بدون أن نلمح أثراً حقيقياً لهذا الوجود المتخيل، لتبقى أزمة الإمبراطورية: «فكرة واحدة تشغل العقل الخفي للإمبراطورية: كيف لا تنتهي، كيف لا تموت، كيف تطيل عمرها. إنها في النهار تلاحق أعداءها، إنها مراوغة وقاسية، ترسل كلاب صيدها لكل مكان».
وختاماً يطرح القاضي مفهوم العدالة، الذي يبدو يحتكم لوجهة نظر واحدة، هي وجهة نظر المسيطر، أو القوي الذي يسنّ القوانين، ويطلب من الجميع احترامها، ولكنه يدرك في أعماقه بأنها أكذوبة فقط.
٭ كاتب أردني فلسطيني