في انتظار البرابرة .. الثمن الفادح للمعرفة والتطهر

حجم الخط
0

في انتظار البرابرة .. الثمن الفادح للمعرفة والتطهر

مني سليمانفي انتظار البرابرة .. الثمن الفادح للمعرفة والتطهر عندما أنظر اليه أتساءل كيف أحس للوهلة الأولي، هل ارتجف ولو قليلا…. وجدت نفسي أتساءل أيضا فيما اذا كانت لديه طقوس خاصة للتطهر، ينفذها خلف الأبواب المغلقة، ليتمكن من العودة وأكل الخبز مع الآخرين، هل يغسل يديه بحرص؟ أو يغير جميع ملابسه؟ أم هل خلق المكتب الثالث رجالا يستطيعون أن يعيشوا دون القلق الكامن بين الطاهر والنجس؟ لو أنني مكانه ستؤلمني يداي حتي أنهما ستخنقانني .بهذه البراءة يصوغ كويتزي علي لسان بطل روايته البديعة في انتظار البرابرة وهو ينظر لأحد ضباط المكتب الثالث والذي كان يقوم بتعذيب المقبوض عليهم ليعترفوا بأشياء لم يسمعوا بها عن البرابرة القادمين، يصوغ أسئلة لطالما طردتها من رأسي معتبرة اياها من بقايا سذاجة ورومانتيكية فشلت في التخلص منها في رحلتي من سنوات المراهقة الي الثلاثين، ولا أتذكر عدد المرات التي كان عليَّ فيها أن أطارد هذا الخاطر، كانت صورة ليندي انغلاند المجندة الأمريكية المتورطة في فضيحة أبو غريب واحدة من أقسي هذه المرات، ولا أعني احدي صورها التي باتت شهيرة وهي تمارس ساديتها مبتسمة للكاميرات، ولكن صورتها الأخري، صورتها مع حبيبها الذي كانت تحمل طفله في أحشائها وصورتها وهي تمضي الي المحاكمة منتفخة البطن بوعد الأمومة القادم، محاطة بتصريحات أسرتها المتعاطفة. منبع القسوة هنا كان محاولتي التوحد معها للحظات، أن أتخليلها وهي تبتسم لحبيبها في وله ربما، أو هي تمر بمخاض مؤلم ثم تحمل طفلها وتضمه الي صدرها وربما تمنحه حليب الأمومة، فشعرت أن الأمر يتطلب قدرا كبيرا من الحب، كيف يمكن لامرأة بهذه القسوة أن تمنحه، تذكرت أول مرة خطر لي فيها سؤال كهذا، تذكرت شعوري تجاه زميل أيام الجامعة عرفت أنه يزيد من دخله ونفوذه عن طريق كتابة تقارير عن زملائه في الجامعة (حتي ذلك الوقت كنت أظن الأمر تاريخا تقدمه أفلام مثل الكرنك لتستشهد به صحافتنا الحرة). وتذكرت دهشتي الممزوجة بالاستياء عندما علمت أن زميلي هذا يعيش قصة حب كللت بالزواج مع زميلة رقيقة مرهفة المشاعر، له أن يتزوج لكن ليس له أن يحب، لكن بما أن الأمر ليس في بساطة أفلام الأبيض والأسود حيث يرتدي الأشرار ألوانا داكنة وتميزهم نظرات قاسية، أو مسلسلات مصاصي الدماء والكائنات الشريرة التي تعج بها الفضائيات، والتي تجعل المظهر البريء قناعا يسقط عند أول استثارة لتظهر الأنياب والمخالب، كان عليّ أن أدين أسئلة كهذه واعتبرها علامة نضج ناقص علي أن أخفيه فالناس ليس لهم وجه واحد أليس كذلك؟حتي وجدت كويتزي يشاركني، أو بالأحري أنا التي أشاركه أسئلته الطفولية للبحث عن أصل البربرية وكيف وجدت، هذا الخوف من أن نصبح علي وفاق معها وأن تولد أجيال أفسدتها مشاهدة القسوة فلنصل لهم كي لا يقلدوا ألعاب الكبار، أو سيكون هناك كارثة في الغد من الأجساد الصغيرة المتدلية من الأشجار .فكيف يمكنك ألا تتساءل عن القدرات الخارقة التي تجعل رجلا يعذب أبناء الآخرين ثم يعود ليلا ليحكم الغطاء علي أبنائه وينصحهم بالابتعاد عن رفاق السوء؟ أو الذي يهتك عرض فتاة في الطريق ويمزق ملابسها أمام الناس و يسبها بأقذع الألفاظ لأنها تجرأت وتجاوزت ذاتها لتصبح جزءا من حلم الآخرين، ثم يعود ليحتضن ابنته المراهقة أو يسترخي أمام التلفزيون مع زوجته ليشاهدا فيلما رومانسيا أو مسلسلا مملا أو حتي يستجيب لشجارها حول مصروف البيت؟ هل يمكن أن يتحول الأمر الي روتين، طبيعة عمل، تنفيذ للأوامر؟ هل يمكن أن يشبه الأمر في الاعتياد ما يحدث مثلا لطلاب الطب عند دخولهم المشرحة للمرة الأولي، بعضهم يغشي عليه أو يصاب بالغثيان، ثم لا يلبث الأمر أن يتحول الي روتين يمكنهم من تناول شطائر الكبدة والسجق بيد وتقطيع اللحم البشري بالأخري؟ أم أن الأمر يتطلب قدرات خاصة وبشراً من نوع مختلف يستطيعون أن يعيشوا دون القلق الكامن بين الطاهر والنجس، عندما كان بطل رواية كويتزي يصف الضابط … رجل بخصر صبي، وذراعين عضليتين لمصارع شوارع محشور في البذلة الليلكية الزرقاء التي خصصها المكتب الثالث له، مغرور متعطش للمديح، ملتهم للنساء، لا يَشبع ولا يُشبع، أدخلوا في رأسه أن المرء لا يصل الي القمة الا بتسلقه هرما من الأجساد، وهو يحلم أنه سيضع قدمه علي حلقي ويضغط كانت الصورة التي أطلت في رأسي هي صورة أحمد زكي في الشخصية أداها باقتدار والتي رسمها رؤوف توفيق ومحمد خان في فيلم زوجة رجل مهم، قاس ومرير، يكفي اقترابه من امرأة شابة حتي يحول ربيعها الي صحراء و يقتل ينابيع الحياة والشغف في قلبها بمجرد الملامسة، هكذا تصبح الصورة أكثر اتساقا. كانت الشارة تشي أنه ضابط مفوض في المكتب الثالث، ماذا يعني ذلك؟ اذا ما فكر المرء سيجد أن ذلك يعني خمس سنوات من ضرب الناس ورفسها، والاحتقار للبوليس النظامي، وبالتالي للقانون، والكراهية لحديث نبيل مثل حديثي .لم يكن بطل رواية كويتزي معنيا بالبطولة، فكل ما كان يبتغيه هو أن يمضي أيامه في سكينة في عالم مألوف، وأن يموت في فراشه ويتبعه الأصدقاء الي قبره، لكنه عرف بحكم وظيفته، لو أنني ذهبت في رحلة صيد لعدة أيام دون أن اقرأ التقرير، أو أنني تصفحته بعين لا مبالية، ووضعت خاتمي عليه دون أن أسأل ماذا تعني كلمة (تحقيق)، لكنني ياللأسي، نبهت أذني للضجيج القادم من الكوخ، ثم في الليل أخذت القنديل وذهبت للتأكد بنفسي ولحظة أن أصبحت المعرفة واقعا بات السكوت مستحيلا، أراد الرجل أن يثبت أن البربرية ليست هي عادات الطعام المختلفة، أو الأشكال غير المهذبة، وان يترك رسالة للأجيال القادمة مفادها أنه عندما سادت قيم البربرية ومارستها الامبراطورية بزعم محاربة أعدائها وتثبيت أركانها، فانه كان ثمة رجل عاش ولم يكن بربريا في قلبه، برغم الثمن الفادح الذي كان عليه أن يدفعه، فقد عمل رجال المكتب الثالث علي أن يفقد منصبه وشرفه، بل رفضوا حتي أن يمنحوه موتا بطوليا، لكنه أدرك أنه كان عليه أن يختبر الألم حتي يكفر عن خطيئة المعرفة والتواطؤ، فلم تكن محاولاته المستميتة في ترميم جسد الفتاة التي تركها رجال المكتب الثالث حطاما بعدما عذبوها أمام والدها وأذلوه أمامها كافية للتطهر، أو الطعام الذي قدمه في الخفاء للصبي الذي اعتقلوه مع عمه وهو في طريقه للطبيب وأجبروه علي الاعتراف بتفاصيل مؤامراة وشيكة تبرر غزوة أمنية قادمة، فكان عليه أن يمارس أقصي درجات العلنية ليزيح القناع عن بربرية الامبراطورية الذي تخفت وراءه بزعم حماية البسطاء من البرابرة القادمين في حين تكفلت هي بزراعة البربرية في أرواحهم. بقي أن نعرف أن بطل هذه الرواية في انتظار البرابرة للكاتب الجنوب افريقي ج. م. كويتزي والذي لم يستطع ضميره أن يتحمل أن يعرف ويمضي في طريقه متذرعا أنه فعل ما بوسعه، واختار أن يحارب قيم البرابرة، مهما كان الثمن، كان يعمل قاضيا، وانه بعد أن فقد سلطته وعزل من منصبه وتعرض للتعذيب ظل الناس ينادونه بـ حضرة القاضي .كاتبة مصرية0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية