في انتظار نصر بيرس: غسل اليدين من العراق

حجم الخط
0

في انتظار نصر بيرس: غسل اليدين من العراق

د. عبد الوهاب الأفندي في انتظار نصر بيرس: غسل اليدين من العراققبل حوالي أسبوع التقيت صديقاً عراقياً يختلف عن معظم أصدقائي ومعارفي العراقيين الآخرين. أولاً لأنه لا ينتمي إلي طبقة المثقفين أو السياسيين المحترفين، فهو عامل بسيط يكسب رزقه من عمل يده علي سنة النبي داوود عليه السلام. وثانياً لأنه لا ينتمي إلي أي تنظيم سياسي. وكنت دائماً أستمع إلي تعليقاته باهتمام، لأنها تشكل عندي بوصلة تكشف عن تطور الأمور هناك. وبالنسبة لمن لا يستطيع زيارة العراق، فإن التوصل إلي رأي من اصطلحنا علي تسميته رجل الشارع (أي المواطن العادي النموذجي) يصبح غاية في الصعوبة، وبالتالي فإن كل المعلومات عن العراق تأتينا عبر أكثرمن مصفاة وتحمل في طياتها تفسيرات مسبقة، يتعب المحلل لكي يفصل فيها بين الحقيقة والرواية.سألت صاحبي كالعادة: كيف أخبار الأهل في العراق؟أجاب بمرارة: الأحوال جعلتنا نترحم علي أيام صدام.قبل أن يضيف: اسمع مني هذه النصيحة. اغسل يديك من العراق.هناك أمل أن تعود فلسطين، أما العراق فاقطع منه الأمل. لقد انتهي إلي غير رجعة.هذه كانت تعليقات مستغربة من شخص أعلم أنه فر من العراق أيام صدام بعد أن أعدم شقيقه وابن عمه. صحيح أنه أخبرني في وقت سابق أن تسعة وعشرين من أقربائه قتلوا في أحداث العنف التي عمت العراق بعد رحيل نظام صدام. ولكنه لم يكن في أي وقت متشائماً بهذاالقدر. فكان لا بد أن أتوقف لأتساءل عن هذه التغير المفاجئ في نظرته.أبلغني أنه فقد الثقة الآن في كل القيادات، قائلاً: لقد كان هناك صدام واحد ظننا أننا تخلصنا منه، الآن هناك أكثر من ألف صدام، فكيف نتخلص منهم؟وأخذ يشرح باستفاضة كيف أن آثار الثراء بدأت تظهر علي أسر الطبقة الحاكمة الجديدة (ومعظمهم حرص علي ابقاء الاسرة في أمان المنفي اللندني الذي عجزوا عن توفيره لبقية العراقيين)، وكيف عم الفساد وانتشر. وبالمقابل، فإن بقية أفراد أسرته، ومنهم شقيقه الأصغر وشقيقته وأفراد أسرتها، اضطروا للفرار من موطنهم في ديالي بسبب تدهور الأوضاع الأمنية هناك، ولكنهم يفتقدون المأوي في النجف حيث اختاروا اللجوء بسبب التمايز الطائفي المفروض علي الجميع. أما الزعماء المتحصنون في قصورهم فكلما فعلوه هو أنهم أرسلوا من يوزع الأغطية للمهجرين.قبل ذلك بفترة كنت التقيت بأكاديمية عراقية تعيش وتعمل في بريطانيا. وكالعادة تطرق الحديث إلي العراق وشأنه وأخبار الأهل. أخبرتني أن شقيقها الوحيد الباقي في بغداد هو بصدد الهجرة إلي الخارج، وأن ما يعوقه فقط هو إجراءات بيع منزل الأسرة، وانتظار اكتمال الإجراءات القانونية لذلك، وخاصة التوكيلات من بقية الأشقاء المقيمين في المهجر. وكانت هذه إشارة أخري إلي الاتجاه لـ غسل اليدين من العراق. فحين تقوم الأسر ببيع منازلها وهي تستعد إلي الهجرة، فهذا يعني أنها بالفعل تقطع كل صلة لها بالبلد وتنوي الهجرة إلي غير رجعة، وهو ما لم يكن يحدث بحسب علمي علي هذا النطاق حتي في أحلك أيام صدام.ولعل انعقاد مؤتمر دولي الأسبوع الماضي خصص لبحث مساعدة اللاجئين العراقيين يشكل علامة أخري علي عمق المحنة العراقية. فالعراق كان حتي قبيل كارثة غزو الكويت بلداً يستقبل المهاجرين، حيث كان ملايين العرب يقصدونه للعمل. العراق كان أيضاً مكتفياً ذاتياً، يقدم المساعدات للآخرين. ولكنه منذ بدء الحصار تحول إلي بلد يعيش معظم سكانه علي المعونات، بينما هجره الملايين. وخلال تلك الحقبة شهدنا آلاف العراقيين يشحنون في قوارب الموت في المحيط الهادي أو البحر المتوسط ليتخلصوا من محنتهم المصطنعة، بعد أن أصبحوا يصارعون الجوع والمرض في واحد من أغني البلدان العربية.بعد الغزو الأمريكي، استبشر كثيرون بأن العراق سيعود شيئاً من سيرته الأولي بعد رفع الحصار وسقوط نظام القمع والوعود الأمريكية والدولية والعربية بدعم سخي لجهود إعادة الإعمار. ولكن ما نراه اليوم هوالعكس من ذلك تماماً. فبينما كان هم العراقيين في أيام الحصار الحصول علي لقمة الخبز والأمن من القمع والقصف، فإن همهم الآن هو ضمان التنفس، بعد أن أصبح العراقي محاصراً بالموت من كل مكان. أما الرخاء الموعود في بلد نفطي غني، فأصبح قصاري الأماني فيه هو الحصول علي بضع ساعات من الإمداد الكهربائي، وعمل يرتزق منه ملايين العاطلين.يلقي الكثيرون باللائمة علي الاحتلال في هذه الكارثة التي وقعت بالعراق والعراقيين. ولا شك أن مسؤولية الاحتلال والمحتلين عن هذه المحنة لا جدال فيها. ولكن مسؤولية القيادات العراقية من معظم الأطياف السياسية لا تقل عن مسؤولية الاحتلال. فلو أن الاحتلال ذهب اليوم كما يطالب البعض، فإن ما سيبقي من العراق لن يختلف كثيراً عن الصومال. الاحتلال موجود في العراق بطلب وتعاون وتواطؤ أطراف عراقية راهنت عليه، ورأت أن التعاون مع المحتل خيار أفضل من التصالح مع الخصوم من أبناء الوطن. وبحسب هذا الرهان فإن قوات الاحتلال ستقوم نيابة عن هذه الأطراف بضرب الخصوم السياسيين وتطويعهم حتي يركعوا ويقبلوا بما يفرض عليهم. وهذا يغني هذه الأطراف عن الدخول في حوار سياسي مع هؤلاء الخصوم يقوم علي الاعتراف المتبادل والأخذ والعطاء.هذا الموقف كان خاطئاً لأكثر من سبب. أولها أنه يقوم علي وهم أن الولايات المتحدة كقوة عظمي سترضي بدور الخادم المطيع لقوي سياسية محلية تقوم نيابة عنها بقمع وتطويع خصومها ثم تسلمها العراق غنيمة باردة تصنع بها ما تشاء. وثانياً أنه قام علي الاستهانة بقوة الخصوم، والغطرسة التي أدت إلي استعداء طوائف واسعة من الشعب العراقي بدون مبرر. وثالثاً لأن هذا الموقف الذي يراهن علي الحسم العسكري يكرر خطأ النظام العراقي السابق الذي اختار القمع والقوة للتعامل مع خصومه فكان أن حصد ما زرع. ولكن المؤسف أن البعض يسمي هذا التعامل الوحشي المتغطرس مع الخصوم ديمقراطية ويتباهي بها.الأطراف العراقية كلها ضربت عرض الحائط بكل الأعراف والاعتبارات الأخلاقية والإنسانية والدينية، وأصبحت لا تراعي في مؤمن حرمة ولا ذمة. وسقطت عند هذه الأطراف حرمات المساجد وأماكن العبادة، ومنازل الآمنين، والدماء التي حرم الله. لقد أصبح العراق اليوم غابة تمارس فيها أبشع صور البربرية، مما لا يشرف أي طرف، بما في ذلك كثير ممن يسمون أنفسهم بالمقاومة. وهذا يصدق تحليل صديقي بأن العراق قد أصبح ميئوساً منه بغض النظر عمن انتصر في هذه المنازلة.هناك تعبير إنكليزي يمكن ترجمته بـ نصر كنصر بيرس ، نسبة إلي الملك بيرس، حاكم مملكة إيبيرس في اليونان، الذي هب لنجدة مستعمرة تارنتم الإغريقية في إيطاليا حين هاجمها الرومان. وقد هزم بيرس الرومان في موقعتين، الأولي في هيرقلية، عام 280 قبل الميلاد، والثانية في أسكيولم العام التالي. ولكنه بعد أن هنئ علي الانتصار رد قائلاً: إذا حققنا انتصاراً آخر من هذا النوع فستكون فيه نهايتنا ! فقد خسر الملك في تلك المعركة معظم جنوده وقادة جيشه وكل أصدقائه المقربين. فأصبح نصره يضرب مثلاً لكل انتصار يكاد المنتصر يستوي فيه مع المهزوم في عظم الكارثة التي حلت به.بعد ما حل بالعراق والعراقيين من كوارث متتابعة أتت علي الأخضر واليابس، فإن أي انتصار فيه لأي طرف لن يختلف عن نصر بيرس الكارثي. وفي حقيقة فإن ما تكشفت عنه الأفعال من استهتار متعمد بحياة العراقيين الأبرياء هو هزيمة أخلاقية بكل المقاييس. فمن كانت هذه حاله لا يستحق أن يؤتمن علي العراق (ولا علي أي مكان آخر، ولو كان قرية صغيرة) لحظة من الزمن. قد نفهم استهتار المحتلين الأجانب بأرواح وممتلكات العراقيين، وإن كان لا عذر لهم ولا لغيرهم في ذلك. ولكن العدو الأجنبي الغازي لا ينتظر منه أن يكون أحرص علي حياة العراقيين من أنفسهم. وهناك مشهد ذو مغزي في خريف عام 2004 (الذي صادف شهر رمضان المعظم) هو تزامن اجتياح الفلوجة وعدد آخر من المدن العراقية مع اجتياح شارون لغزة، بحيث لم يكن المشاهد لمناظر القصف والاجتياح التي كانت تبثها وسائل الإعلام يفرق بين محنة غزة ومحنة الفلوجة. كان واضحاً أن الاستراتيجية واحدة في الحالين، وأن الحقد واحد، وأن الحرب كانت موجهة ضد كل السكان وليس فقط ضد الإرهابيين . وعلي كل حال فلم يكن الفرق مهماً من كان يقود الحرب. وها نحن اليوم نري استراتيجية بناء الجدار العازل حتي داخل المدن، مما يذكرنا مجدداً بأن العقل المخطط في الحالين هو واحد.هذه الاستراتيجية من الحرب الشاملة التي تسعي إلي كسر إرادة الشعوب لم تحقق قط نجاحاً في أي مكان في العالم. فهي لم تنجح في فيتنام، ولا الجزائر، ولا كوسوفو، ولا الشيشان، ولا الصومال، ولا إريتريا، كما لم تنجح في معسكرات الاعتقال النازية والسوفيتية. ولكنها نجحت في كل مكان في تربية أحقاد توارثتها الأجيال. لقد كانت أمام القيادات السياسية في العراق فرصة قد يكون فات أوانها للترفع فوق أحقاد الماضي والطموحات الصغيرة والرؤيا الضيقة. ولكن للأسف فإن البعض اختار الطريق الذي يورث الأحقاد ويدمر البلاد، ويدمر معها الطموحات الصغيرة والمصالح الضيقة، ويضيف إلي أحقاد الماضي أحقاداً تدوم. ولكن البعض اختار بدلاً من ذلك السياسة التي وصفها حاكم عربي عقب احتلال الكويت بسياسة التحالف مع الشيطان كبديل لحسم الخلافات بالحوار مع الأشقاء. ومعروف أن الشيطان يأخذ من يتحالف معه إلي سواء الجحيم، وهو تحديداً ما يشعر به كثير من العراقيين الذين تحول بلدهم إلي جحيم.مهما يكن فإننا نأمل أن يتوب من قادوا العراق إلي هذه المحنة من تحالفاتهم الشيطانية، وأعمالهم التي هي رجس من عمله، وأن يختاروا التعاون والتفاهم فيما بينهم، عسي ولعل ألا نحتاج إلي اتباع نصيحة الصديق ونغسل أيدينا نهائياً من العراق.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية