في اوسكار 2012 :’هوغو’ و’الفنان’ احتفاء بالفيلم الصامت.. نوستالجيا وشوق للبراءة

حجم الخط
0

ابراهيم درويش

في احتفال اوسكار هذا العام (ليلة امس) فيلمان حازا على ترشيحات كثيرة، ومن المؤكد انهما حازا على جوائز، بعد توقعات كبيرة لهما بتسيد الحفل الكبير، وكل منهما يحتفي على طريقته بالسينما في عصرها الذهبي، وكل منهما يعود بنا الى الجذور مع خروج الصورة المتحركة وما احدثته على خيالنا.

الفيلم الاول ‘هوغو’ للمخرج الامريكي المعروف مارتن سكورسيزي، والثاني ‘الفنان’ للمخرج الفرنسي ميشيل هازانافيكوس، وكلا الفيلمين حصدا العديد من الجوائز في مهرجانات ‘كان’ و’غلوب’ و’بافتا’ البريطانية ونالا ترشيحات مجموعها 23 ترشيحا مما جعلهما في مركز الضوء في احتفالات ليلة امس. وقصة كل من الفيلمين بسيطة لكنها تثير الحنين للماضي والزمن الجميل، طفل صغير يدمن على حب الافلام الصامتة، ويعيش في محطة قطار وفي عالم باريس السحري، حيث انطلقت منها اول صورة سحرية عندما صورها الاخوان لوميير، اما ‘الفنان’ فيعيدنا الى زمن السينما الصامتة بين 1927 الى 1932، عن الشهرة والاضواء والسقوط والحزن واهم من ذلك فهو عن التحول من الفيلم الصامت الى الناطق، ومحاولة جورج فيلنتين (جين دورجادين) مصارعة الزمن ومنع تقدمه، حيث ينتهي صريع معاندته، يخسرـ ويحرق ويحاول الانتحار ثم يعود راقصا على انغام الموسيقى مع رفيقته بيبي ميللر (بيرنسي بيجو)، كي يمضي الفيلم في طريقه ‘ناطقا’ بعد عقود من الصمت. تحية للطفولة ‘هوغو’ هو اول فيلم يقدم صورة مختلفة واكثر حميمية عن سكورسيزي بعيدة عن العنف والعصابات وعالم القسوة والدم، فهوجو هو عنه وعن ذكريات طفولته، عندما كان يعود من المدرسة للبيت ولا يجد الا الافلام كي يتابعها ويجد نفسه منجذبا للافلام ولسحرها، ويمكن اعتبار ‘هوغو’ جزءا من محاولات سكورسيزي لاعادة كتابة تاريخ السينما والعودة بنا الى ايامها الاولى، فهو احتفاء بأعمال المخرج الفرنسي جورج ميلييس (1861 -1938 ) الذي يقوم بن كنسغلي بدوره. وميلييه هو صانع الحيل السينمائية وساحر السينما في مراحلها الاولى، حيث اخرج ما يقرب عن خمسمئة فيلم تتراوح من دقيقة الى 40 دقيقة واهمها ‘رحلة للقمر’ والرحلة المستحيلة’. واهم ما يثيره الفيلمان هو انهما يعيدان طرح الاسئلة حول ماهية السينما، فهي في شكلها الاول في نهاية القرن التاسع عشر كانت تعبيرا عن الحلم، هذا الحلم الذي شق ضوؤه الازرق الجدار، كأنه جن او شبح اسطوري خرج للتو من قمقمه، وبقدر ما ابهرت الناس الصورة المتحركة بقدر ما تجادلوا في هويتها، فقد وصفها الشاعر الروسي ماندلشتام بانها ‘لعبة رخيصة’، لا يدخلها الا السذج ومتوسطو الثقافة والتعليم، اما النخبة المتعلمة فلم تجد فيها ما يرى، واعتقدت انها مجرد فقاعة ثم تنفجر. لم يكن شابلن قد ظهر بعد، كل شيء كان في الزمن القادم، تاريخ طويل قطعته السينما، شائكا كان، ومحفوفا بالخطر والنجاح والفشل، كثيرون احبوها فحرقتهم بحبها، وجورج ميلييه الشخصية الحاضرة الغائبة في ‘هوغو’ هو مثال عن الرجل الذي حرقته السينما وحطمته لانه احبها، ومن هنا نلحظ ان كلا الفيلمين فيهما حرق وتدمير للاشرطة وتدمير للماضي القديم وكانه محاولة للتخلص من الماضي وتجاوز التاريخ. ومهما حاولنا التخلص من الماضي فاننا نعود ونبحث عنه ونحاول استرجاعه، والسينما هي ذاكرة القرن العشرين وذاكرتنا، فبالصور كتب التاريخ، وبالحكاية- الاسود والابيض والملونة سجل التاريخ واحواله، واعيد خلق الماضي في رحلة من الدهشة التي تتجاو حدود الجغرافيا والزمن. رحلة شاقة اذا قطعتها السينما وهي تعيد تشكيل الواقع وبعد رحلات من الخطأ والتجربة والنجاح والفشل، من الايرادات الضعيفة والخسائر المدمرة، تحول الابتكار الذي ظهر عام 1895 الى ‘فن القرن العشرين’. السر ظل الكثيرون يتساءلون عن سحر الفيلم وتعلقنا به والقارئ لتاريخه يعثر على تعليقات كثيرة، فمن قال ان هذا الفن جامع للفنون ومستوعب لكل اجناسه ‘فن تكاملي’، ومن قال ان السينما فن يتصل بالمستقبل اكثر من غيره من الفنون لا يسبقه في هذا الا فن صناعة الاسلحة التي هي ام الفنون، وهناك من قال ان السينما هي فن الواقع ويعبر عن الواقع بالواقع نفسه. والسينما ولانها ‘جامعة’ للفنون فهي دائما تغزو ليس فقط تاريخها، لكن المدى الكامل لحضارتنا. فالسينما هي الفن الذي يأخذ شيئا من الكل وشيئا للكل، وفي الوقت الذي نعلن فيه احيانا عن جهلنا مثلا بالرقص او المسرح لكننا عندما نتحدث عن الفيلم لا احد منا يدعي الجهل، لان اتهام اي شخص منا بالجهل بالفيلم يعني اتهامه بالجهل بالحياة الحديثة. كل شخص يعرف بعض الاشياء عن السينما مهما كانت حدود الذكاء والتبصر التي يحشدها للحصول على تلك المعرفة. خلف المتعة في كل من ‘هوغو’ و’الفنان’ يكمن تاريخ معقد من العلاقة بين الحقيقة والخيال، فتاريخ الفيلم يكتب عادة منذ بدايته على انه تضاد بين الحقيقة والخيال- الخداع، اي بين رؤية لوميير وميلييه، الذي ارتبط اسمه بالفنتازيا والحيل والبحث عن الدهشة والخداع، لكن القصة ليست على ما تبدو في ظاهرها، فميلييه يعبر ومن خلف الفنتازيا عن رؤية للواقع، هذا ما يراه فنان الموجة الجديدة، جون لوك غودارد الذي اعاد تغيير الادوار عندما قال عام 1967 ‘يقولون ان لوميير صنع احداث الواقع وصنع افلاما وثائقية، وميلييه فعل الامر نفسه، وهو الذي قيل انه صنع افلاما روائية وخيالية، كان يحلم ان يصور الفنتازيا، اعتقد انه عكس هذا’، اي صنع افلاما واقعية، وهذا يعني ايضا ان لوميير صنع افلاما خيالية صامتة فيما قدم ميلييه افلاما عن الحقيقة. بدأ ميلييه ساحرا ثم انتهى يصنع افلاما عن الواقع برؤية الساحر. رفض ميلييه العمل في مصنع الاحذية الذي كانت تملكه العائلة، وظل يحمل في قلبه حب الفن، حينما رفض والده تحقيق طموحه الدراسة في مدرسة الفن بباريس، وارسله بدلا من ذلك للتدرب عند عائلة صديقة في بريطانيا، ولم تنجح رحلة لندن الا في تعزيز حب ميلييه للفن، وعندما تقاعد والده عن العمل عام 1888، باع حصته لاخوته واشترى مسرح روبير ـ هودين في باريس، حيث اخذ يقدم عليه عروضه السحرية، وكان مديرا وممثلا ومخرجا واخرج عروضه، وصمم الديكور والازياء وحدد الضوء وكل شيء. ثم جاءت لحظة لوميير في ‘غراند كافيه’ في باريس حيث شاهد الحضور تلك اللحظة السحرية وقطار المترو وهو يتقدم وكأنه يريد اختراق الشاشة مما اثار فزع الحضور وعندها عرف الناس ان الامر مجرد خدعة، وعرف ميلييه قيمة الاختراع الجديد فعرض على الاخوين لوميير 10 الاف فرانك لشراء واحدة من كاميرتهما لكنهما رفضا، ولان ميلييه عرف ان الاختراع الجديد وجد ليبقى سافر الى لندن واشترى عددا من الافلام وبروجيكتر، وبدأ ميلييه بعرض افلامه في مسرحه عام 1896 وكانت الاولى منها تعكس رؤيته المسرحية والاستعراضية، وفي نفس الوقت بدأ ببناء استوديو في بناء مسرحه، وظل يعمل ويخرج حتى اخرجته المهنة منها لانه رفض ان يتطور معها، وانتهى به الامر بائعا للحلوى والحلويات في مترو الانفاق، ولم يتم الاعتراف به الا متأخرا مثلما حدث مع بن كينغسلي الذي انتهى، كما اختار له سكورسيزي، في محل لتصليح الادوات والاجهزة، والساعات واللعب وما الى ذلك، يعيش حرقة الايام المجيدة ويسكنه الحنين للزمن الماضي، وهذه حكاية السينما التي تحرق في صعودها للاعلى ابطالها ثم تعود وتتذكرهم لاحقا. في تاريخها الطويل، حيث كان النجوم فيها ‘آلهة’ من الاساطير القديمة حسب الامريكي باركر تايلر، والذي اعتبر ايضا رواد الفيلم حجاجا يؤدون شعائر دينية في دار العرض. وهذا المفهوم ينبع من ان السينما هي ‘شبح’ و’ ومعجزة’ قادرة على احياء ‘الموتى’ والماضي واعادة التجربة السابقة، عن الفشل والخيبة كما حاول بيلي ويلدر في ‘غروب الشمس على الجادة’ (1950)، وهو الفيلم الذي حاول استعادة حياة ابطال الافلام الصامتة في بداية القرن الماضي وكانوا ما زالوا احياء في الاربعينات من القرن نفسه يعيشون في دور السينما، حياتهم جزء من حياته لكنه لم يكن يعرف كيف عاشوا في الاضواء وكيف كانوا في مركز الاعلام واخبار الصحف، والان اي في زمنه اصبحوا بدون عمل، وتجاوزتهم الصناعة، وفي الفيلم مثل سكورسيزي تحية للزمن الماضي وللفن القديم الذي بات يتهدد دوره منافس اخر وهو التلفاز، فعندما افلت الشمس على دور العرض والافلام الصامتة دخل الابطال كتاب الموتى وفقدوا السحر.

الساحر والمخرج لكن الفيلم كان دائما عن صناعة السحر، فكل المخرجين مثل اورسون ويلز تعاملوا مع فنهم على انه نوع من السحر وان بطريقة مختلفة، ومثل ميلييه كانت لدى ويلز تجربة واسعة في مسرح الاستعراض السحري. وهناك من نظر الى صناعة الفيلم كصناعة وصفة سحرية. وعليه فإن اختراع الاخوين لوميير كان من اجل ‘تحويل الفنتازيا’ الى فعل آلي، وقد حاول سكورسيزي في فيلمه ‘ذي الابعاد الثلاثة’ الامساك بحس التجربة السحرية عند ميلييه، فكل شيء في افلامه يتخلق وينبعث من جديد، كل الاشياء، الفضاءات في حالة تدفق، الوحوش تتحول الى ازهار، والبنايات تخرج من الارض. وكما في ‘هوغو’ فميلييه واسكتشات افلامه تظهر انه عمل وبجهد كبير على تلوينها باليد، كل لوحة وكل شيء وهو امر يحتاج لوقت وجهد ودقة. فسكورسيزي يقارنها بالمخطوطات المضيئة، وفي قلب هوغو صورة من فيلم ميلييه ‘رحلة الى القمر’، حيث يظهر الانسان وقد اخترقت وجهه المدمر على شكل القمر سفينة فضاء. وما يميز هذا السحر الالي هو انه يظهر الاشياء في اطار فنتازي، كما في ‘قصر الف وليلة وليلة’ (1905) الذي انتجه ميلييه وحيث بدا القصر والسيدة على العرش العالي والاعمدة السحرية والرجال وهم يقدمون الولاء وسط هياكل عظمية تتحرك وتحمل الامراء، والبيوت التي تخرج من الارض مثل المصاعد الكهربائية، ثم يقودنا هذا الى واحة نخيل اشجارها نائمة تصحو الواحدة بعد الاخرى مكونة قوسا يقود لاخر، ترقص امامها القردة ورجال يحملون بأيديهم مهفات من جريد النخل، يبدو الفيلم كساحة جنون، وفنتازيا شعرية جعلت الشاعر الفرنسي يقارب بين اعماله وافلام ميلييه حيث كتب ‘انا وميلييه نعمل في نفس المهنة لاننا نعطي الاشياء القبيحة بعدا سحريا’. وليس غريبا ان يجذب ميلييه السورياليين الذين اكتشفوه في الثلاثينات من القرن الماضي عندما غاب عن المسرح واكتشف وهو يبيع الحلوى في محطة مونبرناس حيث منح متأخرا وسام الفنون والادب. ومع ان سكورسيزي حاول تقديم مرحلة الغياب في حياة ميلييه الا انه تجنب الحديث عن البعد الاقتصادي في تراجع اعماله لانه لم يكن قادرا على منافسة رأس المال الجديد والشركات.

المتعة ما يهم في تجربة هوغوـ سكورسيزي الصغير هي المتعة التي منحتها شخصية المخرج له كي يعيد خلق عالمه السحري، الاستديو الزجاجي ومكان تصوير فيلمه ‘ارض الحوريات: مملكة الحوريات'(1903). وكما اشرنا فان السينما هي حولت المشعوذ الى فنان وهي التي انهت احلامه، فكما في عالم اليوم فان كل من لديه كاميرا، ديجيتال او غير ذلك قادر على صناعة فيلمه واختراع المؤثرات الصوتية والبصرية، فاختراع الكاميرا كان بمثابة ضربة قاضية لفناني الشعوذة، حيث انقلب السحر على الساحر، وفقدت حيلهم القها وسحرها، ومع انهم في ازمنة قادمة حاولوا استخدام الالة لكن المشاهدين كانوا يضحكون ويعبرون عن خوفهم وهم يعرفون ان ما يعرض امامهم ليس الا مجرد خدع واهية. ومع ذلك فأهمية ميلييه تكمن كما يقول جو هوبيرمان في ‘غارديان’ السبت 25-2- 2011 تكمن في ان صنعته ليس كصانع افلام بل كساحر ومشعوذ وهي التي احلته مركزا مهما في زمن الديجيتال الذي حل محل التصوير كأساس لصناعة الفيلم خاصة ان تكنولوجيا الديجيتال تمكن في بناء عالم فنتازي يبدو طبيعيا مثل العالم الذي قدمه ميلييه، ولهذا نفهم المرحلة الاحيائية لاعماله واستعادة صوره وحياته، وهو ما حاول سكورسيزي استعادته وبناءه في فيلم جميل حيث قرأ وبطريقة نوستالجية التحول هذا من الكاميرا الى عالم الابعاد الثلاثة والديجيتال. وليس غريبا ان يأتي الفيلم في العام الذي اعلنت فيه شركة كوداك ايستمان الافلاس حيث كانت ضحية اختراعها تماما كما كان ميلييه ضحية لنجاحه.

نوستالجيا انها النوستالجيا والحنين لماضي السينما، هو ما يجمع بين ‘هوغو’ و’الفنان’ الذي يعتبر اول فيلم يرشح لاوسكار افضل فيلم صامت منذ عام 1931 عندما فاز فيلم ‘تابو’ لاف دابليو مورنو بالجائزة. ولو انتج ‘الفنان’ في زمن تحولات السينما في ثلاثينيات القرن الماضي لكان سيعتبر حنينا لا محل له للماضي القريب، وتنبع اهميته وشعبيته اليوم وفي سياق القرن الحادي والعشرين في كونه رحلة وشوقا للبحث عن الاصالة، وان كان عن فالنتين المحافظ والرافض لتغيير الزمن. والايام الماضية وان ظلت محلا للحنين لكنها ايضا وهذا هو المهم عن البراءة، قبل ان ‘تتلوث’ بالثورة التكنولوجية. في ‘هوغو’ و’الفنان’ محاولة لاصلاح الماضي باصلاح مواده ونفخ الحياة فيها فان تعطل القطار وتوقفت ساعة السينما فهناك من يستطيع اصلاحها وهنا تبرز اهمية ورمزية استخدام الساعة التي ينفتح عليها الفيلم ورمزية حياة هوغو بين القطارات التي تحاول مرارا ان تسحقه وتدمر ساعته بدون نجاح لانه كان لازما ان تعود للسينما الحياة، وتدور عقارب الساعة ويتحرك قطارها بين المحطات. ومثل الحقيقة التي يحاول ‘الفنان’ اعادتها للحياة ـ يقوم سكورسيزي وهازانافيكوس بتجميع ملامح ذلك الزمن واعادة تركيبه قطعة قطعة وهنا يكمن سحرهما وسحر السينما نفسها. ومقارنة مع الافلام الاخرى المرشحة للجوائز لم يحقق الفيلمان الكثير في شبابيك التذاكر مقارنة مع الافلام الاخرى مثل ‘المرأة الحديدية’ و’الاحفاد’ وغير ذلك. وما جذب المشاهدين لهما انهما محاولة للاحتفاء بالسينما، وفي حالة سكورسيزي فهو يبحث عن الزمن البريء والطفولة البريئة، وهنا نتذكر فيلم غويسبي توراناتوري، وتذكر سالفاتوري لزمن السينما في ايطاليا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية