لندن ـ ‘القدس العربي’: مع دخول الازمة الليبية حالة من الجمود، تبدو الجهود الدبلوماسية هي المسار الان كي يتم تحقيق انفراج، خاصة ان كل طرف في الصراع يتمترس في مواقعه التي يسيطر عليها. ويبدو ان الطرفين يتجهان نحو قبول العرض التركي، الذي يركز على معابر للاغاثة الانسانية وانسحاب قوات القذافي من المدن التي يسيطر عليها مقاتلو المعارضة واصلاح سياسي شامل يقود الى انتخابات حرة. والخطة التركية التي ستعرض في مؤتمر دولي عن ليبيا يعقد في قطر الاسبوع القادم ستكون محل نقاش. كل هذه الجهود الدبلوماسية جاءت في وقت تقدمت فيه قوات القذافي قريبا من مدينة اجدابيا، وقامت قوات الناتو بقصف المقاتلين فيما يعتقد انه خطأ في التصويب. كما ان المعارضة تعاني من شح في المصادر الاقتصادية حيث تعمل الدول التي اعترفت بالمجلس الانتقالي في بنغازي على اقناع الدول التي جمدت ارصدة الحكومة الليبية على تحويلها للمعارضة او جزء منها. ولكن العملية تبدو معقدة لان قرار العقوبات على ليبيا يحظر تحويل الاموال المجمدة حتى للبنوك في مناطق المعارضة. وتلقت الاخيرة ضربة قوية عندما نصح الجنرال كارتر هام قائد القيادة المركزية لافريقيا الكونغرس بعدم تزويد المعارضة بالاسلحة حتى تتأكد الولايات المتحدة من هي المعارضة، وجاء هذا وسط حديث عن وجود مقاتلين اسلاميين في صفوف المعارضة. لكن الدبلوماسيين الاوروبيين الذين ارسلوا لبنغازي يشككون ويقولون ان المعارضة مكرسة نحو بناء نظام ديمقراطي في البلاد.
وفي تحليل لصحيفة ‘الغارديان’ تحدثت فيه عن انقسام بين المراقبين حول شخصية نجل القذافي، سيف الاسلام الذي يقوم بدور رئيسي في المفاوضات، ويتركز النقاش حول دوافع سيف الاسلام، هل هي اصلاحية ام مصالحه لا تنفصم عن مصالح عائلته. ونقلت الصحيفة عن احمد الهوني – احد مستشاري سيف الاسلام قوله انه في ليلة 19 شباط/فبراير انهى خطابا اعده لسيف الاسلام، ووضع فيه نقاطا اقترح فيها على اهمية الحديث بلغة تصالحية وقد يقوم الاعتذار عن الضحايا الذين قتلوا في بنغازي. واهم من ذلك التأكيد على اصلاح النظام السياسي في ليبيا والذي يتسيده والده منذ اربعة عقود. وقال الهوني ‘كتبت له ما يجب ان يقوله، وانه يجب ان يعتذر لعائلات الضحايا، ولكن عندما ذهب لوالده قام الاخير بتغيير الخطاب’. وعندما ظهر سيف الاسلام على التلفاز بدا وكأنه نسخة اخرى عن والده. وبعد الخطاب ترك الهوني البلاد بعد ان كتب رسالة مفتوحة لسيف الاسلام اتهمه فيها بانه يلبس عباءة والده لوثتها اربعون عاما من الحكم. وكان خطاب سيف الاسلام في حينه مخيبا لكل من عرفوه في الغرب وادى لحملة شرسة عليه في الاعلام وتحقيقات في ماضيه الاكاديمي، ولكن سيف وشقيقه الساعدي برزا الان كلاعبين مهمين في جهود انهاء الازمة الليبية ووقف القتال. وقالت الصحيفة ان شخصية مؤثرة قريبة من العائلة عبر عن اقتناعه من ان سيف يتحدث نيابة عن العائلة ووالده الذين يبحثون كلهم عن مخرج. ويضيف ان هذا امر جيد ان كان هناك مخرج من الازمة (اي القذافي) فيما يرغب الابناء بلعب دور في الحياة السياسية كحزب. وقال ان الابناء يقبلون بحكومة انتقالية او مؤقتة ولكن ما لا يقبلونه هو اجبارهم على ترك البلاد، وهو ما يعمل عليه سيف، اي الجلوس على طاولة واحدة والبحث عن مخرج سياسي للازمة، لا يخرج فيها القذافي من السلطة مهانا، اي تركه وتجريده من السلطة وهو ما يعمل على تحقيقه سيف الاسلام كما يقول المصدر. ويقول هذا ان هذه هي الرسالة نفسها التي حملها معه محمد اسماعيل احد مقربي سيف للندن الشهر الماضي حيث التقى بمسؤولين في الحكومة. ولكن الاخيرة مع حكومات غربية والمعارضة رفضوا الخطة جملة وتفصيلا. وتتساءل الصحيفة ان كان سيف المتعلم في بريطانيا هو ان كان ابن الديكتاتور يريد المواجهة كوالده ام اصلاحي او بين بين. ويقول الهوني ان سيف الاسلام كان مخلصا جدا في الاصلاح قبل ان يتبنى خط والده المتشدد. مما ادى الى تعقيد الوضع الان، لان ايا في ليبيا لن يستمع لما يقوله سيف الان. واضاف ان لا احد سيقبل ما سيعرضه لانه قضى خمسة اعوام يحاول الاصلاح لكن والده لم يقبل ‘فربما يريد التحدث عن المفاوضات لكن هذا غير ممكن’. وتشير الى رسالة الهوني المفتوحة التي اتهم فيها سيف بالخيانة على الرغم من انه كان الى جانبه مدة عقد من الزمان، ‘ثم جاءت تلك الليلة المشؤومة التي هددت فيها الشعب الليبي بحرب اهلية بخطابك، وخراب الصناعة النفطية، واستخدام القوة لحسم المعركة’. وتشير الصحيفة الى ان رغبة سيف في الاصلاح التي يتحدث عنها الهوني تدعمها تقارير الدبلوماسيين الامريكيين، خاصة السفير جين كيرتز، التي سربتها ويكيليكس. ويرى الهوني ان الوالد ليس وحده هو من وقف عثرة امام طموحات سيف الاصلاحية لكن مع عدد من ابنائه. ففي الوقت الذي يدعم الساعدي طموحات سيف الاصلاحية لكن هنيبعل وخميس الذي يقود القوات الخاصة ـ والمعتصم – مستشار الامن الوطني يعترضان على خططه. فالاخير كان في تنافس شديد مع سيف في الكثير من الامور منها اقامة علاقات مع المسؤولين الامريكيين. ومع ان الهوني، اقتنع بصدق نوايا سيف الاصلاحية الا ان اخرين، شكوا منذ البداية في اجندة الاصلاح. وتنقل عن عمر عاشور الذي يدرس في جامعة اكستر، حيث زار طرابلس والقى كلمة في مؤتمر هناك عن التصالح مع القوى المعارضة خاصة الاسلاميين. ويقول عاشور ان خطاب سيف وان تركز على التصالح الا ان عناصر من الحرس القديم وقوى داخل النظام عبرت بشكل مفتوح عن معارضتها لجهوده حيث قالوا ان ‘الشعب هو العدو’. وتوصل الباحث بعد زيارته العام الماضي الى ان سيف كان عنصرا مهما في استراتيجية وقف اطلاق النار مع الغرب وانهاء المواجهة معه. واضاف ان كل حديث سيف عن الاصلاح لم يكن سوى استراتيجية للحفاظ على النظام وعلى رأسه عائلته. واضاف ان سيف كان قادرا على الحديث على الاصلاح لانه حصل على دعم عناصر مهمة في الامن، منهم عبدالله السنوسي، مدير الاستخبارات العسكرية. وهنا تتساءل ان كانت وعود سيف الاسلام بالاصلاح والتي عطلتها بقية القوى داخل النظام كانت وراء الانتفاضة. فقد وعد سيف الاسلام عام 2003 بدستور يتم التوصل اليه في عام 2008 و 21 قانون كي يتم تحويل البلاد واصلاحها لكن ايا من هذه الوعود لم تتحقق. وحتى وقت قريب كان سيف يتحدث عن انتخابات حرة كهولندا. ولكنه في حوار مع مجلة ‘تايم’ اشار الى امر اخر يميزه عن موقف والده واخوته والحرس القديم الذي يعارض افكاره. في حديثه لم يكن راغبا بالحديث عن مستقبل ليبيا ولكن احساسه بالخيانة من المتشددين، وخيانة حلفائه من الاصلاحيين الذين هربوا وانضموا للمعارضة. وتختم بالقول ان سيف لم يكن قادرا على فصل مستقبل عائلته عن مستقبل ليبيا.
وتحدث تقرير للوس انجليس تايمز عن الشكاوى التي يبثها راديو المعارضة من بنغازي ‘صوت ليبيا الحرة’ والذي يشتكي فيه الناس من تراكم النفايات في الشوارع ومسارعة الجميع للجبهة تاركين القاذورات تملأ الساحات، وان لم يشكُ الناس من النفايات فهم يشتكون من اطلاق الشباب النار طوال الليل. وقال التقرير ان الراديو الذي يبلغ عمره 7 اسابيع يعتبر عصب الاعلام والدعاية للمعارضة ويبث اغاني ثورية وموسيقى واغاني بوب واشعارا ثورية، ويفتح خطوطا مع السكان الذين يشتكون من الفوضى التي احدثتها الانتفاضة، وتقارير عن اخر المعارك وتقديرا باعداد الضحايا، وعن المفقودين وعن جنازات الشهداء. ويقول محمد فنوش مدير اعلام المعارضة، الاذاعات، وتلفزيون وصحيفة، انها صوت المعارضة ولكنها في الوقت نفسه فتحت نقاشا عاما لم يكن متاحا في ظل القذافي. ويقول ان اي شخص تحت سن الخمسين لا يعرف شيئا عن بلده لان القذافي سيطر على الاعلام منذ 1969. مشيرا ان صحف النظام متشابهة. وتعلق الصحيفة، انه ربما اذا استمعت الى اذاعات ووسائل المعارضة الاعلامية فانك قد تكون استمعت لها جميعا لانها تتشارك في نفس التيمة: البطولة والشباب وطهارة الثورة وشرعيتها، وصورة القذافي الشيطانية، وعليه فاعلام المعارضة ليس متوازنا وحياديا كما يشير التقرير. وهو ما يؤكده فنوش ان هناك اربع قواعد يجب على الوسائل الاعلامية التمسك بها: الامتناع عن تقديم تقارير وتعليقات مؤيدة للقذافي، والامتناع عن ذكر عبارة حرب اهلية، وعدم مناقشة القبائل والقبلية، وعدم الحديث عن القاعدة والتطرف الاسلامي. ولكن ما يميز الوضع في شرق ليبيا هو ان الصحافيين يتجولون بحرية وتتم مغازلتهم من قبل متحدثين بلغات اجنبية من المعارضة فيما يضيق على حركة الصحافيين في مناطق القذافي. وعندما تم التشويش على تلفزيون المعارضة قامت قطر بالمساعدة في تقديم محطة بث مؤقتة. ولاحظت الصحيفة ان صوت الشباب – صحيفة مكونة من 6 صفحات توزع مجانا، وتحمل صور مقاتلين في طريقهم للمعارك فيما يقوم التلفاز باصدار اعلانات ‘من فضلكم لا تكشفوا عن مواقع القواعد العسكرية او اماكن التلفاز والراديو’. فيما يطالب مواطنون بمحو الدهان والشعارات الجدارية التي تشوه معظم المباني لكن المقاتلين يقولون لا لانها صوت الشعب. والشعارات متنوعة منها ما هو موجه للخارج وما هو موجه للداخل ‘كل العالم يراقبنا تصرفوا جيدا’. ومن المظاهر الاخرى استفادة الباعة من بيع علم المعارضة ـ الحكم السنوسي الذي يزين الازرار والملصقات، فيما يبيع اخرون العلم الفرنسي. وهناك صور بشعة للقذافي واخرى تصور نجمة داوود حيث تعكس ما يشاع ويعتقده المقاتلون ان ام القذافي يهودية. وناقش المعلق جون هاري في ‘اندبندنت’ قائلا ان قطاعا كبيرا من الرأي العام البريطاني لديه شعور بان الحكومة لم تقل له الحقيقة حول الذهاب للحرب في ليبيا. وقال ان رد فعل ديفيد كاميرون الفعلي على الثورات العربية هو ركوب الطائرة والقيام بجولة في المنطقة وزيارة قصور الديكتاتوريين، وعرض صفقات بيع اسلحة متقدمة لاستخدامها في قمع شعوبهم، وبنفس السياق تصرف ساركوزي بشكل فطري وعرض الدعم على زين العابدين بن علي كي يقمع شعبه.
اما باراك اوباما فقد رد على الربيع العربي برفضه قطع المعونة المالية بالمليارات لنظام حسني مبارك، حيث قال نائبه جوزيف بايدن ‘ لن اشير له كديكتاتور’. وقال انه بعيدا عن اللغة الخطابية لاوباما التي امن بها الكاتب مرة، الا ان النظرة القريبة للحربين اللتين تخوضهما حكومة بريطانيا ـ افغانستان وليبيا- تيبن ان الحديث عن البعد الانساني مضل، لانه لو اريد فرض حظر جوي على ليبيا وغيرها فانه يجب ان يفرض على الدول الغربية التي تبيع اسلحة لحكومات تقتل ابناءها، مشيرا الى باكستان وسياسة الهجمات الجوية على مواقع القاعدة في الباكستان التي زادت وتيرتها في عهد اوباما. ويرى الكاتب ان سياسة استهداف الجهاديين في الباكستان وافغانستان غير ناجعة لان الصاروخ ليست لديه القدرة على التفريق بين الجهادي والانسان العادي، مشيرا الى ان الناتو حقق مع شخص قال انه قائد من طالبان كي يظهر بعد ذلك انه رجل بقال عادي من باكستان. وحتى عندما تكون المعلومات الامنية فانه مع قتل كل جهادي يقتل 50 من الابرياء وذلك بحسب اعتراف مسؤول عسكري امريكي بارز، مما يزيد من مشاعر الغضب بين السكان ويزود الجهاديين بمتطوعين جدد حسب عالم نووي هو برويز هودبوهي. وينقل عن فاطمة بوتو قولها ان باكستانيين يضحكون عندما يسمعون كلمات اوباما الخطابية عن ليبيا، فاوباما ان كان صادقا في حديثه عن وقف قتل المدنيين هناك فعليه ان يتوقف عن قتل المدنيين ‘في بلدي’ تقول بوتو. ويشير الى نفاق الغرب في الحروب الاخرى مثل الحرب في الكونغو التي تعتبر من افظع الحروب في التاريخ منذ هتلر والتي لم يتحرك العالم لفعل شيء من اجلها. وظل صامتا على المذابح ولكنه صحا عندما قامت حكومة الكونغو بتأميم مناجم الماس. ويعلق ‘تستطيع قتل 5 ملايين شخص، وتشيح بنظرك بأدب عنهم، ولكن عندما تأخذ بضاعة ثمينة من الاغنياء فان حالة من الغضب تعترينا. ويتساءل ان كان هذا الوضع يصلح لليبيا. ويقول ان الاعلام يوميا يدفع الناس بحديثه عن فظائع الطرف الاخر التفكير بماذا عساه فعله. ويرى ان مشاعر الناس لحماية اخوانهم يتم التلاعب بها. ويرى ان النقاش حول حماية المدنيين ووقف مذبحة كانت في الطريق في بنغازي امر مقدر وهو نفس المبرر الذي تم استخدامه في العراق ولكن انظر ما حدث في العراق مع ان الكاتب ناقش عام 2003 ان جورج بوش لديهم نوايا خبيثة هناك. ويتساءل عن السبب الذي يدعو بريطانيا لقصف ليبيا، ويقول انه لن نعرف حتى يتم الافراج عن الوثائق السرية، لكن وزير النفط الامريكي السابق بيل ريتشاردسون يبدو محقا عندما قال ان ‘هناك مصلحة اخرى، وهي النفط لان ليبيا تعتبر من بين عشر دول منتجة للنفط، وتستطيع القول ان ارتفاع اسعار الغاز في امريكا حدث بسبب توقف انتاج النفط الليبي’. ويختم بالقول انه، منذ 60 عاما يتعرض احتكار الدول الغربية لمناطق النفط لضربة بسبب ثورات عربية خارجة عن سيطرتها. والطريقة الوحيدة لحرف التغييرات لمصلحة الغرب هو فعل ما تفعله الان في ليبيا. و’اذا زلت تعتقد ان حكومتنا تحركت بدافع انساني، فانا مستعد لتوفير بطاقة طائرة تنقلك الى ركام باكستان ودمار الكونغو وعندها فانك تجد هناك اناسا يحبون الاستماع لجدلك’.