في بينالي ألبياك في إسبانيا غورنيكا عراقية: سماء مرصعة بالطائرات ومدن ذاهبة الي غيابها!

حجم الخط
0

في بينالي ألبياك في إسبانيا غورنيكا عراقية: سماء مرصعة بالطائرات ومدن ذاهبة الي غيابها!

علي رشيدفي بينالي ألبياك في إسبانيا غورنيكا عراقية: سماء مرصعة بالطائرات ومدن ذاهبة الي غيابها!حدث (أسود وأبيض) افتتح هذا العام وللفترة من 10 ـ 7 ـ 2006 ولغاية 15 ـ 9 ـ 2006 بينالي ألبياك الاسباني وسط قرية رودالكيلار الساحرة والتي اختيرت كمكان لفعالية هذا الحدث الفني، ومن خلال مشاركتي، تم ترشيحي من قبل السيد مدير البينالي لتنفيذ عمل يدعي (أكشن) بالأسود والأبيض وبمساحة كبيرة وفي الفضاء الخارجي أي خارج قاعات العرض، تاركا لي حرية الاختيار في تنفيذ العمل أو المواد المستخدمة.ترددت في البدء من فكرة تنفيذ هذا العمل، خصوصا وأن اليوم المحدد له سيكون يوم 8 ـ 8 أي بعد مايقارب الشهر من موعد بدء البينالي، ثم ماذا سيضيف هذا العمل لفاعلية اليوم الاول حيث الافتتاح الكبير والحضور الفاعل والاهتمام الاعلامي، خصوصا وأن أي عمل سينفذ بعد مرور شهر علي افتتاح هذا المعرض سيكون مرهونا بسكون المكان وتمثله لما احتوته قاعاته وساحاته من أعمال فنية لفنانين معروفين، فنانين متميزين بتأصيل واقع حداثي، وبتجارب فاعلة في تكثيف اللغة البصرية وتعميم مفاهيم جديدة للفن بعيدا عن اغواء الطرح المباشر والكسول لمفهوم فن المتعة. كانت أغلب الأعمال المشاركة في البينالي هي تمثيل لفن اللحظة بكل عنفها ودلالتها وبساطة خامتها، بل كانت الخامة السائدة في أغلب الأعمال هي الخامة المبذولة من مخلفات الاستخدام الحياتي، أوراق وعلب كارتون وصفائح وحجارة كونت أشكالا هندسية وبناءات هرمية تنجز حياتها الغامضة، أكياس شاي مستخدمة (ليبتون) خلقت كائنها الهش واقتنصت عزلته، آثار عجلات سيارة علي الاسفلت وهي تخلف كائنات مدهوسة، كانت هناك أعمال تركيبية وأنستليشن وشاشات عرض كبيرة، وحركة متداخلة وأصوات وظلال لأشخاص وأماكن مرشحة من اضاءات مكثفة. لقد نسجت الأعمال الفنية منطوقها البصري وسردها الدلالي من خلال البوح بأن أي عمل فني هو مكيدة تتشكل عبر تجريدها للواقع وتحريفها للأشكال وتأويلها للفكرة وتحريرها للمخيلة واباحتها للمطلق. لذلك اعتمد النص البصري علي سحر وطاقة الشفرة التي تستدرج الآخر الي مرموزاتها. لم تكن مهمة الأعمال طرح الأسئلة أو اختصار الوجود بأجوبة عقيمة، بينما كانت قراءة مغايرة تبوح بمشاكستها للمتناقضات الحياتية التي افرزتها التحولات الاجتماعية والفكرية لعولمة تمد لسانها للكائن المندغم في غياب المجاهيل، هذا الكائن اللاهث خلف صخرته التي انهكت سيزيفها. تجسدت خبرة المشاركين في القدرة علي تسخير الفضاء لينضم الي عناصر العمل ومقارباته التي تبث وتستعصي، تشير وتوهم، تغري وتجافي، مقاربات تقف علي الضد مما تجسده الصورة العاكسة التي تختصر أبصارنا وتلقنها الرؤية. لهذا كانت الأعمال تخلخل مكامن الخيبة في عالمنا الشرس وحضارته الصادمة و تسخر من منطوقه الغرائبي، كانت تحلق بعيدا عن اسطبل الفن الناسخ و المزخرف وألوانه الضاجة الناشزة . كانت الأعمال أحجية تساجل دون فهارس أو غواية لمعني مباح أو لفكرة، لهذا اشارت لفن يرتب أبجدية لا تشرح بل تقود الي بئر من يقين يناقض الرؤية وثباتها، يقين يحتم علي الفن أن يذهب بالمقدس (المتهالك) الي الجحيم، وبالمركز (المتعالي) الي هامشه، وبالاشارة (المرسومة) الي اللامكان.كانت الأعمال تفتعل خصومتها مع المكان، وسعة وبراءة الطبيعة التي تحتويه، حيث سلسلة من جبال تحرس بهجته وتبرز ملامحه. كان المكان توحد لأندلس بحشد من نخيل وحرارة شمس تفرط في وهجها لتوقظ حماسة الزمن وربما لتستعيد تاريخه المنكفئ.هنا وهناكبين بوح الأعمال وسحر المكان، كنت منقادا لتوحدي مع غياب كرس صيفي القائظ بالهزائم هذا العام، بدأ بالفجيعة التي أثقلت كاهلي بكل مساحة السواد التي رسمت المشهد هناك، حيث لا مناص من أن يربك كيانك (المشهد) كلما تناهشته غيوم تتكاثف كمتاهات فوق سماواته، غيوم ترسم حدثها (ها) في جسد ه المحاصر بأحبار الأمم التي أفضت لشرط بقائه الهش. كانت الحرب تعصف بمكاني الآخر هناك، حيث بغداد منقادة لموتها اليومي و المبرمج وبوتيرة باذخة. موت مفخخ يناصبها العداء، فيبعثر صباحها الضاج بالانفجارات وينثر أجساد أبنائها الفقراء المتطــــلعين لضفة أخري قد تتسع لأحلامهم، وكانت بيروت تنجز رثاء مكررا لضحاياها، بينما كنت أتلمس اختلال المشـــهد بين المكان الذي احتويه والمكان الذي يحتـويني، بين سحر المشهد هنا وسعة البحر وسلسلة الجبال وضحكات الناس ومرحهم وسعادتهم، وبين عتامة الصورة هناك وهمجية الخراب ومشاعة الموت. كان عليّ يوم 8 ـ 8 تنفيذ العمل الذي رشحني لتنفيذه مدير البينالي وعند حضوري الي المكان اكتشفت أن الفكرة أكثر سعة من تنفيذ عمل، كان المكان يعج بالناس ممن حضروا لتدوين فاعلية اليوم وحماسة الحدث (الأكشن)، كانت الصحافة حاضرة والتلفزيون، مصورون وفنانون ومسؤولون وطلبة أكاديمة الفنون. انه يوم مفرط بالمراسيم، حتي احسست بثقل وحجم المهمة، بل وبالتحدي المشوب بالقلق، خصوصا وانني والي لحظة وصولي الي المكان للبدء بالعمل لم يكن في الذهن أي تصور أو مخطط وطريقة للتنفيذ. ثم لم يكن بامكان أي مساحة أن تختزل كم الألم الذي ينهش يومي، لأن متابعتي لأخبارالحرب وحتي ساعات متأخرة من الليل لم تترك لي مجالا للتفكير في رسم صورة مغايرة لما ترسمها الشاشة في مخيلتي وهي تستعرض بخيانة مهذبة معاناة الناس هناك من علي فضائيات عدة تبث موتا مبرمجا وتنقله لمشاهديها الأعزاء بالصوت والصورة، كانت تتباري لتنقل للمشاهد فظاعة المشهد ودمويته (الضاحية الجنوبية لبيروت أو أحياء الفقراء في بغداد) لا لتنقل الحقيقة أو لتدين الفعل، بل لتنجز السبق وتكرس الحدث. كان عدد من طلبة الأكاديمية يتهيأون لتعليق خمس قطع من القماش (الكنفاس) ستكون مجتمعة بطول 12 مترا تقريبا وعرض مترين علي جدار أخرس ودون ملامح، لكنني كنت مشغولا عنهم في البحث عن المكان الذي يمكنني التشبث بخرائطه التي ستفتح لي حدود الشكل الذي سيجاري النص الذي سينجزه السواد، لم يكن عليّ أن ألبي شروط المكان، بل كنت أبحث عن مكان يلبي شروط المراثي الذي استحضرتها وأنا اتلمس سطح البياض النهم للقماشة التي ستتشرب مراسيم الغواية وبيانها. كان هناك جدار متهدم لبناية قديمة وأمامه مساحة من الأرض الحجرية المتربة، حينها تناص المشهد المتخيل هنا مع المشهد الذي تنجزه الحرب هناك. هل سيكرس السواد هنا الصراخ والرعب والموت هناك؟ وهل ستنقل صداه (الاكريلكي) الجبال التي تحيط بالمشهد (الضاج بالحياة) هنا؟فرشت القماش فوق الأرض المتربة وأحجارها، ثم بدأت العمل من حيث لا حدود تتسع لمكنونه ،من نقطة لم أعينها رسمت حدود البلاد وأوزارها، رسمت حروب الله وقياماته، رسمت رماد الحضارة وتعاليمها المبتلة بالرصاصہہ، رسمت السماوات وهي موشحة بالطائرات، رسمت المدن مسحوبة لغيابها الفج، رسمت بغداد وبيروت وغزة وكربلاء، رسمت الأمهات وهن ملتفعات بسواد الوقار والموت، رسمت الطفولة نثارا يهزأ من حكمة الخلق، رسمت الصراخ الذي يختلج في نفسي علي كل هذه الفقدانات… الوطن، الأهل، والأخوة الضحايا، وفقداني الأكثر وجعا …….. هل حقا دونت كل هذا، وبالأسود وحده ؟جورنيكاتلم يكن لي ملاذ سوي أن أتعاطي مع الموت هناك أو هنا فوق القماشة، كنت أرسم وأدون وأفصح وأواري، كنت أقرأ العزلة التي يؤثثها الموت بتاريخنا، كنت منغمسا في استعادة حشد الجورنيكات وقداسها الذي لم ينته بعد، وأنا استرجع تاريخ المصطلح الذي فهرس خطيئة أن تسكب الأسود وتسترسل في سحبه نحو حافة البياض ليصرخ أحدهم جورنيكا مغايرة.كتبت الصحافية الاسبانية أندريا مارتينس ويستلي في صحيفة صوت الميريه بتاريخ 9 آب (أغسطس) 2006 ان العمل الذي نفذه الفنان علي رشيد في بينالي ألبياك هو جورنيكا عراقية، قبلها وفي عام 2003 عرضت جدارية لي أسميتها (الغياب) وبطول عشرة أمتار علي قاعة الأكاديمية الحرة في دنهاخ، وكان العمل صرخة أطلقتها ضد تدمير البلاد من قبل المحتل وبحجة الطاغية والذي لم يكن ليساوي هو ونظامه وأزلامه قطرة دم تهرق من جسد طفل، كان العمل نبوءة بحجم الكارثة التي سيشيعها الاحتلال والتي ستكمل دورة الرعب والكوارث والجرائم التي أشاعها الطاغية، كتب حينها صحافي هولندي وفي مجلة (بولخري ستوديو) ان الفنان رسم جورنيكاه كإدانة للدمار الذي عصف ببلاده، كان الدماروالخراب الذي أفرزته الحرب ،والموت المفرط والحرائق التي سكبتها سماواتها علي المدن العراقية كافية كي تخدش الفرح (سقوط الطاغية) الذي طالما انتظرناه، بل وتواريه. عام 1977، وحين عرضت مجموعة من التخطيطات التي نفذت زمن الحرب الأولي من حروب الدكتاتور المشبوهة الأعداد والمسميات، كتب في دليل المعرض أنها جورنيكا مغايرة، وأنها بانوراما للبشاعة التي ترتكب هناك. يا الهي بيكاسو بعظمته لم يرسم سوي جورنيكا واحدة، وهاهم أحفادها أناس يمتثلون لشرط الحياة بزهوها وسعادتها والفتها وسلامها وأمانها ،فالأطفال يلعبون بمأمن من الرصاص أو الشظايا، والنساء يمارسن الغنج ويحتفلن بطقس أنوثتهن بعيدا عن الاختطـــــــاف، والرجال يتقافزون بفرح الصبية وهم يركضون ببهجة نحو البحر دون خوف من سكين ملثم يحز رقابهم، بينما نحـن نؤرشف لجورنيكات متلاحقة، جورنيكا للطغاة ودمويتهم، جورنيكا للاحتلال ودماره، جورنيكا للارهاب وجرائمه، وهمجيته البهيمية والعدوانية، جورنيكا شاسعة الخراب أحزانها تحرق احلامنا وتدك مصائبها أجسادنا المباحة للنثر من بغداد الي بيروت. كم جورنيكا مقبلة علينا انتظارفجيعتها النهمة، ثم علينا ان نحملها معنا لمشاركات قادمة ؟دع الرفات تسترحكانت ظهيرة ذلك النهار ساخنة، وبعد حوالي ساعتين ونصف، كان الحدث (الأكشن) بالأسود والأبيض يبدو كأثر يرقد فيه عالم من الصراخ والوجع والأجساد، والذكريات، والاسماء، والدمي، والكلمات، كان البياض قد استنفذ شرط العمل وهو يتشرب السواد المتناص مع سواد آخر أكثر عتمة وفجيعة. احتفل الجميع بنهاية هذه المشاكسة التي أوجعت المكان وثلمت سكينته وألفته، وعـــند دعوة الغذاء التي أقامتها ادارة البينالي رفع الجمــــيع أنخابهم، اقترب مني السيـــــد مدير البينالي ليؤكد شكره لي وليبدي سعادته ورضاه عن هذا اليوم، وعن النجــــاح الذي تحقق، لكنه باغتني بالســــؤال عن تصوري للطريقة المثلي التي سيعلق فيها العمل الذي أنجزته، وعن الكيفية التي يمكنني فيها استرجاعه أو اعطاء البينالي حق الاحتفاظ بالعمل، لكنني فاجأته بطلبي، بأن يترك العمل بمكانه، وأن لا يرفعه أو يحركه، لندعه يتوغل في سكون المكان، وبعد صمت همست له لندع الرفات تسترح. عند الساعة السابعة من مساء ذلك اليوم كنت آخر من غادر المكان بعد أن تبادلت مع الجميع كلمات المجاملة والتحايا والعناوين، وحينما بدأت السيارة تتهادي في سكينة آخر النهار، وهي تسير بحركة لولبية في الطريق الصاعد بين الجبال، تاركا قرية روداليكلار (البينالية) خلفي، كنت أنظر الي هذا الجمال الخارق حولي، والي وداعة القرية التي كانت تبدو أكثردلالة وهي تفترش هذا السكون البهيج، لم أكن قد ابتعدت كثيرا حين أوقفت محرك السيارة، ونزلت لألقي نظرة أخيرة من هذا العلو علي المكان الذي أودعته السيرة التي ستصدع بلاغة الحدث، حينها وقع بصري علي القماش المسجي كأثر نهم يبوح بملامح من رسمتهم الصورة المخاتلة علي شاشات الفضائيات حيث هدير المكائن وعربدات القاذفات تنهش أجساد الضحايا بحثا عن نصر غامض وبيان أملس يحرر القاتل من دم ضحيته، بيما كانت الأجساد المرسومة هنا تتناص مع وداعة المكان ورضاه.حينها رددت شبهة الكلام… دع الرفات تسترح. فنان تشكيلي من العراقمبتلة بالرصاص ـ من نص شعري للشاعر الراحل الصديق صاحب الشاهر 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية