أي نمط من التاريخ يمكن به كتابة الزمن العربي الراهن؟ وكيف نؤرخ للمراحل الانتقالية العربية الحالية على ضوء تجارب عالمية سابقة، خاصة في امريكا الجنوبية بعد تحررها من حكم العسكر، أو في أوروبا الشرقية بعيد سقوط جدار برلين ومسارات الانتقال نحو الديمقراطية؟ وهل يجيب تاريخ الزمن الحاضر أو الميكرو تاريخ عن الأسئلة التي تطرحها حقبة ما بعد التحولات التي احدثتها الثورات العربية؟ ما هي مميزات المراحل الانتقالية في الدول العربية التي شهدت إسقاط أنظمة الحكم السابقة؟ الانتقال السياسي الصعب لا يختلف مسار الانتقال السياسي العربي الحادث منذ سنتين، عن بقية التجارب التي شهدتها دول وسياقات جيوسياسية إبان الحرب الباردة، في تعقيداتها وإشكالياتها وتجاذباتها. ولعل تجربتي تشيلي والأرجنتين في أمريكا الجنوبية، ورومانيا في اوروبا الشرقية، من بين أبرز النماذج الانتقالية التي تطرح الكثير من الجدل واللاحسم في مآلاتها السياسية وحقيقة انتقالها السياسي وطبيعة الثورة المضادة والدولة العميقة فيهم. ويعكس تعقد مسار الفترات الانتقالية في المنطقة العربية، مغربا ثم مشرقا، عدة اشكاليات في المنهج والمقاربة والتصنيف. وتطرح كيفية ومنهج كتابة تاريخ الزمن الآني أو الحاضر عدة مشاكل ومقاربات، وستعتمد مقاربتي لفترات التحول في المنطقة العربية، من خلال مدرسة تاريخ الزمن الحاضر والآني، التي راكمت تراث مدرسة الحوليات الشهيرة التي برزت مع بدايات القرن العشرين، والتي انتقلت بالتحقيب وعلم التاريخ المعاصر من سياق البحث السياسي السلالي العائلي، الى سياقات أعمق وأدق، تتراءى من خلالها الخلفيات الاقتصادية والاجتماعية، بشرائحها وطبقاتها وذاكرتها المتميزة التي تتعارض كليا مع تأريخ البلاط وسلطته. وتهدف هذه المنهجية الى تحقيق عدد من التحديات الراهنة والمستقبلية، ومن أهمها الذاكرة والشهود والمصادر وأهمية الحدث وعلاقته بالتطورات، بالإضافة الى التحقيب التاريخي والقطيعة، في علاقة جدلية بين تاريخ محلي مغرق في التخفي والتواري، وتاريخ رسمي مغرق في تزوير استبداده، وتاريخ اقليمي عالمي مهيمن. عندئذ يصبح استقراء الثورات ‘الانتفاضية’، إعادة قراءة لمسارات الفرد/ المجموعة في كسر عزلتها بالانتفاضة، وعلاقة الريف بالمدينة وعلاقة المدينة بالمدينة في حيز الصراع بين المركز والاطراف، بين الفاعلين الاجتماعيين، والنخب الحاكمة والجماهير الغاضبة. لتصبح المقاربة ميكرو تاريخية والمنهجية سوسيولوجية نفسية تحاول إعادة تعريف العلاقات بين السلطة والمجتمع، على ضوء مسار الثورات العربية في مختلف لحظاته التاريخية. جدل بشأن’الدولة الوطنية’ كان لتفجر الثورات في المشهد العربي هدف رئيسي، رغم اختلاف شعاراتها وعناوينها الايديولوجية والشعبية، فان إسقاط حاجز الخوف ومعه منظومة الاستبداد الحاكمة كان رهانا مفصليا وحاسما. وأدى هذا الحراك الاحتجاجي العارم الى نظم سلطوية احتكرت النفوذ والسلطة المادية والرمزية، لتدخل هذه الدول بعدها مراحل انتقالية جديدة، شهدت ترتيبات سياسية ودستورية خاصة بإقامة النظم الجديدة، على أسس مختلفة، تحقق أهداف تلك الثورات/ الانتفاضات. لكن ما حدث هو أن المخاوف تصاعدت مع طول حقبة الانتقال إلى نظم ديمقراطية فعلية، في ظل قدرة منظومات البيروقراطية والمالية الرأسمالية السلطوية النائمة من العودة عبر التفاوض بشأن مبادلة احتكار الفضاء ببقائها في عمق الدولة – المؤسسة الانتقالية الهشة، أو انتشار الفوضى الامنية، لتصبح أسئلة الانتقال المقلقة والمزمنة حول حقبة ‘ما بعد الثورة’ مهددة في مستقبلها السياسي ومؤسساتها. ولعل السقوط الجزئي لمراحل الانتقال السياسي في عدة فخاخ دستورية، والانتهاء الى مآلات أعادت المراحل الانتقالية، في اتجاه الانتقال من زمن الثورة إلى زمن الدولة المبنية على قاعدة سياسية ديمقراطية مدنية. ولعل ارتباك أداء السلطات الانتقالية، المدنية منها والعسكرية، بالاضافة الى المصاعب الاقتصادية والأمنية جعل إرث ‘الدولة الوطنية’ ومستقبلها نفسه في ميزان هذه التغييرات. صراع الشرعيات ونحن نقارب الانتقال العربي لا بد من استحضار الثورات والتحولات الكبرى في القرن العشرين، حيث استمرت المرحلة الانتقالية لسنوات في روسيا مطلع القرن، وكذلك في ايران التي لا يزال الجدل فيها محتدما بشأن طبيعة الدولة في التباساتها العميقة بالدين. أوروبا نفسها عرفت هذه التحولات الصعبة، في اسبانيا واليونان والبرتغال، انتقالا طويلا وصعبا من الدكتاتوريات السياسية والعسكرية الى الديمقراطية المتدرجة، بحكم الصراعات السياسية الجذرية والحاسمة في مصير نمط التوجه السياسي والاقتصادي الاجتماعي المتبع. ومع تجاوز الصراع حول إقامة نظام ديمقراطي جديد محل نظام استبدادي قديم، إلى صراعات أجنحة داخل السلطة الانتقالية في ظل سعي جميع الفاعلين السياسيين إلى التموقع السياسي من خلال آليات التحول القائمة على المنافسة السياسية، عندئذ تصبح العودة للشارع والحشد السياسي العنيف أحيانا، في غياب التوافق، وهو ما قد يؤدي الى إجهاض المسار الانتقالي الثوري، سواء من خلال أطراف داخلية أو خارجية أو بتحالف الطرفين، لتغدو العلاقات بين الثورة والتحول الديمقراطي، أي العلاقة بين الشرعية الثورية، والشرعية الديمقراطية ملتبسة وتتجه لبناء حقل صراعي جديد، ما بين نخبة عسكرية ومدنية ودينية. لقد أفضت الثورات العربية إلى فترات انتقالية متقاربة لكنها ليست ذات طبيعة واحدة، الأمر الذي لا يلغي وجود قواسم مشتركة، في ظل تعثرها في تحقيق أهدافها بإقامة نظام تعددي تكرس بموجبها قيم الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية. فالمصالحة الوطنية تتطلب الانتقال إلى مرحلة تحقيق العدالة المتدرجة او الانتقالية. ويتجه الانتقال الديمقراطي التقليدي إلى تقديم وصفة لعملية الانتقال تركز على جوانب فنية وإجرائية وإهمال الأبعاد الجوهرية للصراع الاجتماعي والسياسي المرتبط بانهيار الأنظمة السلطوية. يتعقد الأمر أكثر عندما يتأسس الانتقال الديمقراطي على الثورة، التي بطبيعتها تفتح المجال للقوى الاجتماعية لتعيد التموقع. وهو ما يتحدى عمليا نظريات الهندسة السياسية من أعلى وما تقترن به من خرائط طريق مقترحة لإجراءات الانتقال، مهما كانت تلك الأخيرة متقنة شكليا ومدروسة منطقيا. صراع ضار بين قوى طبقية وسياسية أطلقتها الثورة بعد انهيار السلطوية القديمة، ومن ثم فإنه من العبث حصر أفق الفكر في سلامة الإجراءات، من دون البحث في طبيعة الصراع الجوهري الدائر وكيفية تحقيق النصر فيه للقوى الديمقراطية. أفق سياسي ملتبس من الصعب قراءة وتحليل مشهد سياسي يتشكل ويرتكز على مفهوم بلا نظام ولا دولة لما يزيد عن أربعة عقود. وقد عبرت ليبيا، على سبيل المثال، عبر مراحل تحول استراتيجية عن هشاشة جيوسياسية موروثة من نظام العقيد القذافي، وهو ما نراه من تعثر واضح في بناء مؤسسات سياسية جديدة رغم التقدم السياسي. أما في تونس فان عملية الانتقال لم تحسم بعد اشكالياتها الرئيسية رغم تقدمها، ليبقى حول مصير الانتقال نسبيا رهين التجاذبات الداخلية. وهكذا، فإن المشكلة واضحة، فمراحل ما بعد الثورات تأتي بمطلبية شعبية عاجلة وواسعة تستدعي إجراء تغييرات جذرية في توزيع القوة والثروة داخل المجتمع. ولكن تحقيق مثل هذا التغيير الشامل يواجه بعقبات متعددة، فالمؤسسات البيروقراطية تقاوم التغييرات المستجدة لإعادة لملمة اوراقها في المسار الجديد. وتلعب طريقة إدارة المرحلة الانتقالية والقوى المتحكمة فيها دورا محوريا في تحديد نجاح أو فشل الثورات في تحقيق أهدافها. فقد يؤدي غياب الرؤية الواضحة والمتفق عليها إلى الاخفاق، كما قد تنجح قوى سياسية أو اجتماعية في توظيف مسار المرحلة الانتقالية لصالحها أو إعاقة مجمل التحولات، وهو ما يمدد في مرحلة التحول وقد يجعلها تنقلب رأسا على عقب، لتصبح نواظم الصراع فيها وحولها غير محسومة.