في تاريخ المغرب… عندما ينسج «الماء» تفاصيل «الحرب»

«تجنبوا اثنين لا تقاتلوا فيهما العدو: الشتاء وضفاف الأودية»
وصية أحد القادة العسكريين في المشرق الإسلامي لجنوده
«فتح نوافذ جديدة لرؤية الحدث أو الواقعة التاريخية من زوايا تم إغفالها، في ما سبق، هي الغاية التي يسعى إليها كل باحث في التاريخ، وذلك لأسباب وجيهة منها المساهمة في إتمام تشكيل صورة الحدث كما وقع، وإغناء البحث التاريخي بمواضيع لم تتم دراستها من قبل». بهذا النص تفتح الباحثة لوبنى زبير كتابها الموسوم بـ«الماء والحرب بالمغرب زمن السعديين (916-1069هـ/1510-1659م)»، الصادر عن دار الأمان، الرباط، 2016، والذي يعد ـ حسب تقديرنا ـ أحد أهم الأعمال التي قاربت موضع الماء في علاقته بالحرب، محاولة بذلك الإجابة عن إشكالية أساس هي: كيف ساهم المكون الطبيعي (الماء) في نسج تفاصيل الحدث العسكري (الحرب).

زمن البحث ومصادره

اختارت الباحثة الفترة السعدية (1510-1659م) كوعاء زمني للموضوع، وهو اختيار يعزى، حسب الباحثة، إلى أهمية هذه الفترة في تاريخ المغرب، وما شهدته من تطورات سياسية واقتصادية واجتماعية، منبهة في الوقت نفسه من خلال تقديمها للموضوع، إلى أن مبحث الماء في علاقته بالحرب، مبحث يدخل في إطار ما هو بنيوي لا ظرفيا، والماء، كان دائما حاضرا في كل تفاصيل الحياة السياسية وامتداداتها العسكرية، وبالتالي فإن دراسة هذا الموضوع في زمن ضيق، يعتبر تحديا حقيقيا، لكونه يقتضي دراسة مجهرية صعبة في ظل العوز الوثائقي، وندرة الإشارات التاريخية المرتبطة بالموضوع، التي حاولت الباحثة التنقيب عنها، واستخلاص ما يمكن أن تجود به خدمة لإشكاليتها البحثية. لقد فرضت طبيعة الموضوع من جهة، وشح المادة المصدرية من جهة ثانية، على الباحثة الاستعانة بمختلف الشواهد الممكنة، عبر توسيع دائرة البحث، والانفتاح على مختلف المتون المصدرية من كتب التاريخ والنوازل والمناقب والدراسات الأركيولوجية، في سعي حثيث لاقتفاء أثر الماء وتجلياته في الحرب. ولعل ذلك ما يفسر الغنى التوثيقي الذي ميز الكتاب، إذ يحتوي على 563 إحالة، الكثير منها ينطوي على تدقيقات وشروحات وإضافات غنية، كما يضم جداول إحصائية وخرائط ورسومات تعكس المجهود الذي بذلته الباحثة، أما العناوين المعتمدة في هذه الدراسة، من مصادر ومراجع باللغة العربية واللغات الأجنبية، فقد بلغت في مجموعها 178 عنوانا.

تنبه الباحثة إلى أهمية الماء كعنصر طبيعي شكل مظهرا من مظاهر الامتداد السياسي للسلطة الحاكمة، بحيث اعتبرت الأودية خلال الفترة السعدية معالم طبيعية للحدود السياسية لدولتهم، منطلقة في ذلك من نماذج تاريخية

الحدث المناخي والتحول السياسي

هل يمكن اعتبار الأزمات المناخية التي شهدها المغرب عبر تاريخه عاملا من عوامل الانتقال والتحول السياسي؟ تحاول الباحثة لوبنى الزبير الإجابة عن هذه الإشكالية، انطلاقا من نموذج الدولة السعدية، إذ شد انتباه المؤرخة تزامن فترات التحول السياسي في المغرب، مع فترات الاضطرابات المناخية من جفاف وقحط، وما رافق ذلك من مجاعات وأوبئة وانهيارات ديموغرافية. لقد أدى ضعف وقع الأزمة المناخية التي شهدها المغرب خلال سنة 1520- 1524، في ما يعرف بـ»المجاعة الكبرى»، على مناطق نفوذ الدولة السعدية الناشئة حينها في الجنوب المغربي، مقارنة بمنافسيها السياسيين، خصوصا الدولة الوطاسية في مناطق شمال المغرب، عاملا من عوامل إضعاف هذه الأخيرة في مقابل تقوية الدولة السعدية؛ فالهدر الديموغرافي والكساد الاقتصادي الناتج عن هذه الأزمة المائية الكبرى، أدى الى تراجع أسس وركائز الدولة الوطاسية، الخصم السياسي الأول للدولة السعدية، وفي التالي تقوية السلطة السعدية وتسريع عملية وصولها إلى الحكم.

الأودية معالم طبيعية للحدود السياسية

تنبه الباحثة إلى أهمية الماء كعنصر طبيعي شكل مظهرا من مظاهر الامتداد السياسي للسلطة الحاكمة، بحيث اعتبرت الأودية خلال الفترة السعدية معالم طبيعية للحدود السياسية لدولتهم، منطلقة في ذلك من نماذج تاريخية، سواء تلك المتعلقة بالحدود الداخلية؛ كواد أم الربيع، الذي اعتبر حدا فاصلا بين السعديين والوطاسيين في بداية نشأة الدولة سنة 940هـ/ 1533م، أو تلك المتعقلة بالحدود الخارجية لسلطة السعدية، كما هو الشأن بالنسبة لواد ملوية وواد شلف باعتبارهما حدَّين مع أتراك الجزائر من الجهة الشرقية، وأيضا واد نون ثم واد النيجر وواد السنغال كحدود جنوبية للدولة السعدية.

الماء وتنظيم المجال الحربي

تؤكد المؤرخة لوبنى الزبير على أن الماء كان حاضرا بشكل كبير في تنظيم المجال الحربي، فقد لاحظت أن الجيش النظامي غالبا ما كان يتفادى خوض المعارك والمواجهات العسكرية خلال فصل الشتاء، في ما يعرف بـ»الهدنة الشتوية»، بسبب صعوبة التقلبات المناخية الرطبة من ثلوج وارتفاع منسوب مياه الأنهار والأودية، وما يرافق ذلك من انسداد المسالك والقناطر. من جهة أخرى يفيدنا الكتاب بمعطيات مهمة حول البعد الاستراتيجي لنقاط الماء في مسار الجيش واتجاهه نحو ساحة المعركة، ما جعل ضفاف الأودية ومنابع المياه مسرحا للمواجهات العسكرية، مقدمة أمثلة عديدة لمعارك وحروب انطبعت بمسميات أودية وأنهار، كمعركة واد المخازن الشهيرة 1578.

الماء والعمارة الحربية

توضح الباحثة في هذه النقطة دور الماء في اختيار موضوع تشييد الحصون، بالإضافة إلى الاهتمام بتوفير المياه الضرورية للحاميات العسكرية، سواء في بناء خزانات الماء داخل القلاع والحصون، أو من خلال التحكم في مصادر المياه والدفاع عنها، علاوة على توظيف المجاري المائية كآلية للدفاع عن الحصون لزيادة صعوبة اختراقها عبر إحاطتها بخنادق مملوءة بالماء. إلى جانب ذلك، وقفت الباحثة على صنف آخر من العمارة الحربية والمرتبطة أساسا بالبحر، منبهة إلى الضعف التي اتسمت به الدولة السعدية في هذا الباب، وعدم اهتمامها بتشكيل أسطول حربي بحري، كان ليؤهلها لأدوار مهمة على المستوى الدولي، خاصة أن الحقبة تزامنت وفترة الكشوفات الجغرافية.

٭ باحث في التاريخ / المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية