عادل الحامدي
شد انتباهي في الاسابيع القليلة الماضية خبر اثارته صحيفة واشنطن بوست الامريكية عن امكانية تسريح سجناء سجن غوانتانامو سييء الصيت، لكن التقارير الحت بشكل خاص علي مجموعة من الشباب الجزائري ضمن من تبقي في هذا المعتقل، حيث تحدثت عما جوبهت به من رفض بيروقراطي مبطن في الرد علي عرض قدمته الادارة الامريكية كما لو كان هؤلاء المواطنون كمشة من الخرفان السود.
واذا كان مثلي قد تعود علي مثل هذه السلوكيات الصادرة عن بعض الحكومات العربية، فان الامر يبقي جللا اذا ما تذكرنا وزن جزائر هواري بومدين وما قبلها، اذ سجل الشعب الجزائري ملاحم نضالية وجادت جزائر العروبة والاسلام بما يناهز المليوني شهيد حتي ان فرنسا الحرة لا تزال الي اليوم تعتبر الحديث عن مأساة الجزائر من الممنوعات، كما لو ان هؤلاء الشتات الذين ذاقوا الامرين تحولوا الي شتات آدمي ترفضه الام الجزائرية ويطرده البلد المضيف فهو كاصحاب الاعراف.
لقد نجحت الولايات المتحدة الامريكية في استجاشة الصديق وشبه الصديق وتحريكهم ضمن اهدافها العلني منها والخفي لخدمة استراتيجيتها في المنطقة، لكن امريكا اصبحت رهينة لاستراتيجيتها ذاتها التي ولجتها بكبرياء وصلف وهي اليوم تستجيش الاطراف الاقليمية بغية التغلب علي حريق اضحي اكبر من جميع رجال المطافئ، ولم تخرج منها بعد ان مجت المجتمعات الغربية والشرقية، هذا الشعار الذي زاد في اذكاء روح الفتنة والارهاب علي المستوي العالمي، خصوصا بعد ان كشفت الاحداث ان امريكا عاد بها التاريخ الي مزاجها المعكر يوم تيقنت انها مغلوبة في فيتنام لا محالة، فاختلطت بذلك كل اوراق السياسة وتبعثرت مصالح كل الاطراف حتي لم نعد نفرق بين من يجلس جلسة القرفصاء مكرها ومن لا يزال ممسكا بالبندقية. وهكذا احيط باستراتيجية الرئيس بوش ومعها آلته العسكرية التي لم يعد بمقدورها تحمل اخطاء سياسية فاضحة نتيجة النيران الارهابية التي اججتها امريكا طمعا في مغانم ومكاسب سياسية استسهلتها بعد افول نجم السوفييت.
سارعت روسيا التي ما زالت تتلمس الطريق الجديدة التي يجب ان تلحقها وبالسرعة المطلوبة الي مصاف الدول الثماني المصنعة لا بوصفها رقما ولكن بصفتها شريكا كان بالامس القريب الجناح الشمالي لسفينة العالم الدولية، والذي كان الغرب الليبرالي يعتبره الشريك الذي لا يفتي في امر من امور السياسة الدولية دون الرجوع اليه لاقتسام صنع القرار. وان نسيت فلا انسي تفاصيل الازمة الامريكية ـ الروسية مطلع الستينات بشأن الصواريخ الباليستية السوفييتية في جزيرة كوبا التي اكتشفتها طائرات التجسس الامريكية يومذاك ورأت فيها تهديدا مباشرا لمصالح امريكا التي لا تفصل بينها وبين كوبا الا مسافة قصيرة لا تتجاوز التسعين ميلا.
وقد تواضع الرئيس السوفييتي يومها خروتشوف بحكمة المتبصر الي صفقة مع الرئيس الامريكي كينيدي سحب بمقتضاها الصواريخ السوفييتية من كوبا مقابل تعهد الولايات المتحدة الامريكية بعدم غزو كوبا والتخلص من صواريخها الباليستية في تركيا، وهو ما انجزه خروتشوف الذي رفض الاستجابة لطلب من الزعيم الكوبي فيديل كاسترو للهجوم النووي علي الولايات المتحدة الامريكية… كان ذلك في مطلع ستينات القرن الماضي، غير ان طبائع التاريخ متقلبة فبعد انتهاء الحرب الباردة، وانخراط العالم في الحرب الكونية علي الارهاب، وبروز الولايات المتحدة الامريكية التي استهدف بكارة اراضيها لاول مرة نخبة من الشباب المثقف دون سابق انذار خريف عام 2001، بدت يومها الخارطة الدولية مغايرة، والقوي الفاعلة في الساحة السياسية علي غير ما كانت في القرن الماضي، واظهرت احداث نيويورك وواشنطن اللعينة كما لو ان خطر الارهاب يتهدد الولايات المتحدة الامريكية ومن خلالها امن واستقرار العالم كله علي خلفية الامتداد الامريكي الدولي، وتحول العالم بفعل اعلان تلك الحرب الي شبه اجماع دولي علي التصدي يدا واحدة الي هذا الوافد الغريب كما لو كان طاعونا يتهدد كل الدول. هذا الاجماع الدولي لم يترك حتي حق الاختلاف المقدس علي حرب ضد عدو مشترك في الظاهر لكن لا احد يعلم معالمه وتضاريسه الحقيقية غير الامريكيين. وبسرعة فائقة اكمل صقور البيت الابيض دراساتهم الامنية المستعجلة، وقدموا رؤاهم في عجل من امرهم مدفوعين برغبة في الثأر لكبرياء مخدوش في احد ابرز الاماكن امنا، ولا اعني بذلك غير استهداف الخماسي الحربي نفسه، وتم ارسال القوافل العسكرية الي قلب آسيا الوسطي مستفيدة من التعاون الروسي الكامل، لتطيح بحركة طالبان في افغانستان، قبل ان تعلن عن انسحابها من معاهدة آي ـ بي ـ ام، او معاهدة الحد من الاسلحة الاستراتيجية والاعلان عن اطلاق مشروع الدفاع الوطني او ما يسمي بالدرع الصاروخي الواقي، علي نحو اثارت به حفيظة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي قاد معركة طويلة ليتخلص من قيود الديون الخارجية، وينجح في التحول بروسيا من الاشتراكية الي الاقتصاد الحر لتنشأ من علي تخوم هذا التحول خارطة اقتصادية جديدة انجبت رجال اعمال كبار امكنهم رفد الاقتصاد الروسي في فترة زمنية قياسية ومده بعوامل القوة والمنافسة… لم تدم فترة الوفاق الدولي بين الدولتين الاعظم نوويا طويلا، اذ سرعان ما اطل منطق الحرب الباردة براسه من جديد وذلك باعلان روسيا رفضها للقرار الامريكي وردت عليه بتعليق تطبيق معاهدة القوات التقليدية في اوروبا، وهو قرار برره الرئيس الروسي بان موسكو كانت ملتزمة بالمعاهدة حتي بعد تعديلها، لكن شركاءها فشلوا في ذلك وتصرفوا بشكل غير قانوني. واشار فلاديمير بوتين بالاصبع الواضح الي عدم قانونية نشر الصواريخ الذي اعتبره تدشينا لمرحلة جديدة من سباق التسلح المفروض.
وعلي هامش معارك الارهاب التي تدور معظمها علي اراض اسلامية والحد من امتداداته، حيث استغلت الولايات المتحدة الامريكية الشغف الروسي بانهاء حالات التمرد والتململ والرغبة في الانعتاق من السيطرة الروسية التي بدت لدي بعض الجمهوريات الاسلامية ومنها الشيشان، وهي تخفي لعابا سائلا وراء مخزون البترول في روسيا التي تعتبر ثاني اكبر مخزون للنفط في العالم، ومن بعد في ترجمة رغبة نائب الرئيس الامريكي المحافظ ديك تشيني في السيطرة علي بحر قزوين يطبخ علي نار هادئة، فقد برزت روسيا كثاني اكبر منتج للنفط في العالم، وكان من المتوقع ان يجري بناء خط انابيب يمتد من حقول النفط الغنية في غرب سيبيريا الي ميرمانسك بتركيا، حيث يمكن شحن البترول بعد ذلك بسهولة الي الولايات المتحدة، لكن بوتين سرعان ما افاق واعتبر هذا الانبوب مؤامرة امريكية، تعزز الخلاف بشأنها مع قرار الولايات المتحدة الامريكية غزو العراق بالضد عن الاعتراض الروسي وعلي الرغم من عدم اخذ الموافقة من الامم المتحدة… ولم تصدق حكومات تابعة للولايات المتحدة الامريكية لا تكاد تعقد امرا ولا تعين وزيرا دون الاستئناس برايها، لم تكد تصدق ان الاخ الاكبر فشل في حملته الديمقراطية التبشيرية التي حمل لواءها عدد كبير من النخب الامريكية والعربية علي السواء، والتي فتحت شهية الجوعي حتي انها ذكرتنا بالنظريات الماركسية البائسة والبائدة، والتي كانت تبشر عمال العالم بفيض من الخبز والحرية… قلت لم تكد تصدق هذه الانظمة انشغال الولايات المتحدة الامريكية بحربها العالمية علي الارهاب، حتي انقلبت علي نفسها وعادت الي ما تعودت عليه من ممارسات سياسية خاطئة تلغي كل امل وتطفئ جذوة الروح لدي جماهير ظلت مقموعة لعقود من الزمن… واصبح لدينا نكوصيون عرب… وبعد ان تنفس الصبح العراقي نسمات البارود الذي لف القطر العراقي بادخنة ظاهرها نصر عسكري تحرزه قوات التحالف علي حساب حملة السلاح في وجه الآلة العسكرية الامريكية التي تسجل التراجع تلو الآخر، وهو ما يؤرق ما اصطلح علي تسميته بمحور الدول العربية المعتدلة كالسعودية ومصر والاردن التي فشل الجندي الامريكي في اقناع شعوب هذه الدول التي اصبحت تكن عداء شبه فطري لكل ما هو امريكي، وهو ما يضع هذه الانظمة المتحالفة مع الادارة الامريكية في احرج الاوضاع. فضعف الاداء عي ارض المعركة يترجم آليا في ضعف الحكومات الموالية ويجرئ عليها كل متنمر وكل راغب في التغيير، وما اكثرهم.
واذا كان النكوصيون الامريكيون قد ظاهروا ما عرفت به السياسة الامريكية من وسطية، فان القوم عندنا قد ظاهروا كل اصلاح بشر به العلوج يوم غزو بغداد، فنقضوا غزلهم من بعد انكاث، وخبا كل صوت كان بالامس القريب ينادي بالانفتاح والتعددية بل وفتح حتي بعض السجون العربية علي يد ريتشارد… وتحت وقع الاخوانوفوبيا اقدمت الحكومة المصرية في اكبر حزمة من التعديلات الدستورية علي الغاء العمل بقانون الطوارئ واستبداله بقانون مكافحة الارهاب، والسن بنص الدستور لا قانونية الاحزاب ذات المرجعية الاسلامية ايا كان منشؤها، ومنع السلطة القضائية نهائيا من الاشراف علي اي عملية انتخابية، ومنح الرئيس سلطات واسعة علي الرغم من تقييدها ببعض الشكليات التشريعية التي ظلت ضبابية ومن دون تحديد… ومع ان مصر قد عرفت انتخابات تشريعية تعددية شارك فيها حتي قيادات من الاخوان المسلمين تحت يافطة المستقلين ودخلوا الي المؤسسة التشريعية بنسبة عشرين في المائة، فان التجربة سرعان ما انتكست وعادت علي اعقابها بعد ان انبري الجميع في محاصرة ارهاب لا يجمع بين اطرافه الا انهم يعارضون الرئيس وجهاز الدولة الحاكم وسيناريوهات نقل السلطة الي نجل الرئيس من خلف الكواليس في تكرار للتجربة السورية التي فشل احفاد الامويين فيها في طي صفحة دموية من تاريخهم لمواجهة تحديات وجودية بعد ان طوقهم الاعداء من كل جانب، وغدا تحركهم اشبه ما يكون بالسباحة ضمن جزيرة معزولة لا يربطها بالعالم الخارجي الا الهواء الطلق… وصوت السوريون بفتور لم يسبق له مثيل علي قوائم انتخابية تم تشكيلها وفقا لقوانين تعتبر حزب البعث قائد الدولة والمجتمع، وتحكم علي كل منتسب او موال لجماعة الاخوان المسلمين بالاعدام السياسي علي الاقل. لم استغرب والحال هذه ان تأسر السلطات البلجيكية علي مرأي العالم ومسمعه وزير الشباب والرياضة الفلسطيني في طائرته وتمنعه حتي من التقاط انفاسه في السماء الاوروبية، لانه معزول بموجب الرغبة الدولية، وتأمره بالعودة علي اعقابه من حيث اتي، اذ انها تعتبره ارهابيا مع تاجيل الاعتراف بكل ما تشتم منه رائحة الاسلام حتي لكأن المرادف اللغوي لكلمة ارهاب اصبح اسلام.
ہ إعلامي تونسي يقيم في بريطانياہكاتب واعلامي تونسي يقيم في بريطانيا8