في تجربة الفنان التشكيلي الكويتي سامي محمد: هلامية الأ شكال وثلاثية الأبعاد!

حجم الخط
0

شفيق الزكاريلم يخطر على بالي في يوم من الأيام بأنني سوف ألتقي بالفنان الكويتي الكبير سامي محمد عبر وسيلة الفايس بوك، ولم تتح لي الفرصة قط بأن أتكلم معه وأحاوره وأتساءل معه عن آخر إبداعاته وإنجازاته، لقد كانت فرصة ممتعة واستيعادية لحقبة مبكرة في حياتي كفنان، وكل ما كنت أعرفه عن أعماله هو من خلال بعض المجلات العربية مثل: فنون عربية التي كانت تصدر بلندن وأخرى بالكويت والعراق ومجلة سطور.. وجريدة ‘القدس العربي’ô وغيرها. وبما أنني كنت كذلك أهتم نوعيا بالحركة التشكيلية بالعالم العربي، كان من بين ما أثار انتباهي في فترة مبكرة، أي في أواسط الثمانينات عند انتهائي من الدراسة الفنية بالمدرسة العليا للفنون الجميلة بفرنسا، هو الاهتمام بمجال النحت على مستوى التدوين، فلم أجد تجربة قريبة لنوعية اختياراتي الرصينة، غير تجربة الفنان سامي محمد لأهميتها وتميزها، لأني أحسست بعمق طرحها من الناحية التشكيلية والجمالية أولا، ثم من الناحية الموضوعية ثانيا، لأنها تحمل قلقا إبداعيا على الواجهتين، سواء التقني منها أو التعبيري، نظرا لإتقانها في تطويع المادة المشتغل بها، ونظرا كذلك لاختياراته الهادفة لأشكال معبرة، تتميز عن نمطية المعالجة على مستوى النحت بالعالم العربي، وما تحمله من أسئلة بهمومها الفنية والموضوعية، وقد كنت في اشتغالي قريبا جدا من اهتمامات ونوعية طرح الأسئلة المفتوحة على جميع التأويلات الممكنة، والتي تعكس حقيقة الوضع في العالم العربي. إن تكوين الفنان سامي محمد تكوينا أكاديميا، يتجلى في اهتماماته وبداياته الأولى، خاصة في مجال الرسم والصباغة، ونظرا لاهتمامه بتفاصيل الجسد وتكويناته الدقيقة وما يفرزه من انعكاسات ضوئية بمختلف التقنيات، سوف تنعكس نوعية هذه المعالجة لاحقا على جل إنجازاته النحتية، والمعروف عند عدد كبير من النقاد، هو أن أهم الرسومات التي أنجزت عبر تاريخ الفن، كانت لنحاتين، لأنهم يتقننون ويبدعون في هذا الجنس الرسم dein وعلى سبيل المثال لا الحصر: الفنانون كريسطو، هونري مور، خوليو كونزاليس …وانتقال الفنان سامي محمد من الرسم للنحت هو سفر إبداعي، يبرهن أولا على إمكانياته المتعددة في الانتقال بين الأجناس التعبيرية المرئية التي تدخل نطاق التشكيل بسهولة، ثم رغبته الملحة في البحث عن أساليب متعددة للتعبير عن الفكرة الأساسية والاقتراب من مغزاها إذا لم تتوفر له شروط التعبير عنها في جنس آخر، لذلك كانت تقنيته وأسلوبه في الاشتغال، أسلوبا ممزوجا بأحاسيس نابعة من تجاربه الشخصية وما تحمله من معاناة، ليس بالمفهوم الأدبي المتداول، بل بالمفهوم الإبداعي، وما يحمله من أسئلة مقلقة، ارتباطا أولا بوجوده ككائن، وارتباطا بجذوره وثقافته ومحيطه ثانيا، لذلك كانت منحوتاته تحمل في شكلها آلاما ومعاناة إنسانية بالمفهوم الكوني،على مستوى الشكل والمادة. يقول الله تعالى في كتابه العزيز’ وخلقنا الإنسان من صلصال كالفخار’ انطلاقا من هذه الآية الكريمة، تتضح لنا رؤية واهتمامات الفنان سامي محمد في بدايته بمادة الطين، استنادا لمرجعية ثقافية عربية إسلامية، لا تقوم بمحاكاة الخالق، بقدر ما تقوم بمجاورة قدرته على الخلق، لفهم عظمته وأسرار كونه، و ليبرهن ما قاله عليه الصلاة والسلام: ‘إن الله جميل يحب الجمال’ ليتجاوز بذلك فكرة تحريم الصورة آو النحت، ما دامت الغاية منهما ليس التعبد، بل التعبير والانفتاح على إمكانيات أخرى، لفهم الواقع وما يتيحه من وسائل مخيالية لولوج أسرار الوجود، وقد أشار الكاتب عباس محمود العقاد في كتابه التفكير فريضة إسلامية’ أن القاعدة العامة في الإسلام أنه لا تحريم حيث لاضرر ولا خشية من الضرر، فأما مع المنفعة المحققة فلا تحريم ولا جواز للتحريم، لأنه فوات للمصلحة ونهي عن المباح… ولن نتوغل هنا أكثر في تحليل أو تحريم الصورة، بما أن الموضوع أصبح متجاوزا، بقدر ما سوف نشير إلى فطنة وذكاء الفنان سامي محمد لهذه المسألة في فترة مبكرة من تاريخ التشكيل العربي، أي في سنوات السبعينات، حين كان الفن العربي في بدايته قاطبة، يهتم بالفن التجريدي، انطلاقا من بعض التصورات الدينية آنذاك، إلى جانب بعض المحاولات الفطرية، التي لم تدخل في اعتباراتها عنصر المحاكاة، لأنها أصلا كانت تبالغ في تغيير الأشكال الواقعية تفاديا لمحاكاة الخالق من منظورها، ليبرهن لنا الفنان سامي عن قدرته لمواجهة التيار السائد، وليحقق سبقا رمزيا في تجاوز كل الأنماط المتداولة آنذاك، في سبيل تسجيل تميزه واختلاف نظرته للأشياء، إلى جانب قلة من الفنانين العرب أمثال فاتح المدرس وآدم حنين… هذا الأخير الذي كان ينحت من صخر بينما سامي محمد يغرف من طين، على شاكلة الشاعرين جرير والفرزدق. أعمال الفنان سامي محمد لم تقترن فقط بالدهشة، بل تضعك محط تساؤل، محاولا البحث عن ذاتك وكيانك في العمل، وغالبا ما تدافع وتحلل وتناقش عمل ما، دون أن تدري سر ذلك، لأنه يثيرك عند أول نظرة، ويحيي فيك حواسا مفقودة لدرجة الارتعاش الروحي تجاوبا معه، وهذا ما دفعني لأول مرة اطلعت فيها على تجربة هذا الفنان في بداية الثمانينات، فجعلتني متأملا بتأن في سر الانجذاب إليها والاهتمام بها، محاولا مقارنتها مع تجارب عالمية أخرى، تلتقي بها على مستوى الشعور الجمعي، إما تأثيرا أو تناصا مرجعيا، يختلف في مكوناته وجغرافيته وتاريخه عن بعضه البعض، لكن ما يجمعها هو ذلك الحس الإنساني بمأساوية الوجود، كما في رسومات الفنان اليوغوسلافي فيليكوفيك، أو منحوتات الفرنسيين رودان و لويس لوتز، كلها تقاطعات تخدم فكرة المعاناة باختلاف موادها، بداية بتقنية اعتمدت الرسم والصباغة ببعديهما الطول والعرض، وانتهاء بتقنية اتخذت من النحت ملاذا لها بأبعادها الثلاثة، الطول، العرض والعمق، متنقلة بين مواد الإنجاز من خشب وطين و برونز. إن إدراج هذه المقاربة التناصية في عمل الفنان سامي محمد، ليس معناه التأثير أو المحاكاة لتجارب أخرى، بل هي ضرورة مرجعية وتأريخية لها، على مستوى الحوار والجوار فقط، لتقييمها ووضعها في الخانة المخصصة لها، في سياق تاريخ التشكيل العالمي كذلك، لاختلافها الجذري عن التجارب الأخرى من حيث الموروث الثقافي بقيمه وأهدافه، التي كان ولا زال يسعى لتحقيقها، الفنان الكبير سامي محمد، من وجهة نظر بمرجعياتها المختلفة زمنيا، جغرافيا، تاريخيا، اجتماعيا، وسياسيا… وحتى شعوريا، إذن تبقى تجربة الفنان سامي محمد، مرجعا أساسيا ومدرسة مجددة بصياغتها الحداثية لكل أشكال المفاهيم المتنورة في مجال النحت في العالم العربي، وظاهرة متفردة فرضت وجودها محليا وكونيا، فتحية فنية لنحات كبير في حجم اهتماماته، التي أتحفتنا ولازالت تتحفنا على مدى ثلاثة عقود.نبذة عن حياة الفنان سامي محمد ولد في منطقة شرق بمدينة الكويت عام 1943 منح التفرغ في المرسم الحر عام 1962 عضواً مؤسساً للجمعية الكويتية للفنون التشكيلية عام 1967 حصل على دبلوم تقديري من كان سيرلامير- فرنسا عام 1970 حصل على الميدالية البرونزية من معرض الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية أعوام 1971-1972. كلف من قبل عميد جريدة الرأي العام بعمل تمثال ضخم للمغفور له الشيخ عبدالله السالم الصباح عام 1971وتمثال آخر للشيخ صباح السالم عام 1988. أوفد في بعثة دراسية الى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1973 حصل على جائزة الشراع الذهبي من المعرض الرابع للفنانين التشكيليين العرب اعوام 1975-1977 حصل على الجائزة الأولى في معرض الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية أعوام 1974- 1976-1977 حصل على جائزة الشراع الذهبي من معرض الدول العربية عام 1981 حصل على الميدالية الذهبية من معرض الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية الثاني عشر عام 1981 حاز على الجائزة الأولى في بينالي القاهرة الدولي الأول عام 1984 حصل على الجائزة الأولى للنصب التجميلي لساحة الصفاة عام 1985 حصل على السعفة الذهبية من بينالي مجلس التعاون الخليجي الأول في الرياض عام 1989 حاز على جائزة الدولة التشجيعية لعام 1999 من المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب عام 1999 كلف من قبل المجلس الوطني بتصميم وتنفيذ جائزة الدولة التقديرية والتشجيعية أعوام 1993- 2000 اطلق اسمه على تجمع لفنانين تشكيليين شباب 2007. انتخب رئيسا لمجلس إدارة مجموعة سامي محمد للفنون التشكيلية الكويتية 2007. انتخب رئيسا فخريا لمجموعة سامي محمد للفنون التشكيلية 2008. فنان وناقد من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية