في ‘تحية للاسطورة’ صباح: ليلتان رائعتان في مهرجانات بيت الدين اللبنانية

حجم الخط
0

بيروت – من زهرة مرعي: ‘تحية للأسطورة’ كان عنواناً لليلتين رائعتين شكلتا افتتاحاً لمهرجانات بيت الدين اللبنانية، وحظيتا بإقبال شعبي كبير جاء جميعه ليعيش ردحاً من حياة صباح الفنية الحافلة، الخصبة والغنية. ففي تاريخ صباح أكثر من 4000 آلاف أغنية، وحوالى 75 فيلماً سينمائياً أكثرها في مصر، إضافة إلى عدد كبير من المسرحيات الغنائية الاستعراضية. صباح الأسطورة اسم يجذب كل الأجيال بما فيها الشابة، ورويدا عطية الفنانة التي وقع على عاتقها تكريم صباح وتقديم التحية لها، كانت خير اختيار، وأنجح صوت يحاكي قدرات صباح الخارقة، إنما ضمن شخصيتها، خصوصيتها وفرادتها في آن. بحضور الصبوحة وممثلة رئيس الجمهورية زوجته وفاء سليمان ووزراء ونواب وسياسيين، انطلق حفل ‘تحية للأسطورة’. وفي هذا الحفل الذي قلدت فيه سليمان الصبوحة وباسم رئيس الجمهورية ‘وسام الأرز من رتبة ضابط’، أدت الصبوحة موالاً أهدته لرئيس الجمهورية ميشال سليمان الغائب بداعي السفر، فنالت تصفيقاً كبيراً من الحضور.

امتد الحفل لساعة ونصف الساعة متواصلة من دون استراحة بدت بطلة التكريم رويدا عطية التي توجهت الأنظار نحوها لقياس مدى نجاحها في دور ذي حدين، متألقة، منسابة، لطيفة الوقع على نفوس الحاضرين. أخذت رويدا عطية الحضور إلى بعض من تاريخ الصبوحة الحافل، ومشت بدقة على خيط رفيع مكنها من تأكيد هويتها وصوتها، وقدم المُكرّمة بأبهى حللها. سبع لوحات توالت على المسرح وجمعت 27 أغنية من أجمل ما غنته الصبوحة. تمّ تقسيم اللوحات إلى حقبات بدأت مع الستينيات، السبعينيات، وصولاً إلى الحقبة التي غنت فيها صباح اللون الطربي مع الراحل بليغ حمدي، وجمال سلامة. وأغنيات هذه الحقبة تمثلت على المسرح بـ’زي العسل، عدّا علّي وسلم، يانا يانا، وساعات ساعات’. وهذه الأخيرة والأثيرة على قلب الصبوحة شكلت فاتحة للوحة فنية بدأت بدخول رويدا عطية جالسة على البيانو بثوب أبيض تناسق مع لون البيانو الأسود. فيما كان المايسترو إحسان المنذر عازفاً. هذا الشكل الذي تمّ اختياره لأغنية ساعات زادها تألقاً وجمالاً، كما أتاح لرويدا عطية أن تشغل المكان بصوتها في قراراته وجواباته. والمايسترو إحسان المنذر عزف من القلب. يذكر أن هذه الأغنية التي تعتبر من روائع الغناء العربي هي من كلمات الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي، وألحان جمال سلامة، وقد غنتها صباح في فيلم ‘ليلة بكى فيها القمر’. زمن كل من اللوحات كان عشر دقائق، والبداية انطلقت بموال تراثي، تلته أغنية ‘يا بيت الدين يا دار العاليّ’ من كلمات وألحان الأخوين رحباني، ثم أغنية ‘مسيناكم’ التي تعتبرها صباح من روائع ألحان الراحل وليد غلمية. وفي هذه اللوحة قالت رويدا بكل بساطة لجمهور جاء يكرم الصبوحة أنها تغني صباح بصوتها، وأنها من مدرسة صباح، وليست مقلدة لها.

اللوحات السبع ترافقت مع فرقة راقصة قدمت الدبكة في الملابس التقليدية التراثية، وظهرت حيناً آخر برقصات اعتمدت الإيقاع المعاصر حركة وزياً. ففي أغنية ‘جيب المجوز يا عبود’ رقصت الصبايا بملابس تذكر بستينيات القرن الماضي، وحركة حرة إلى حد كبير. ومن الإنصاف أن نذكر أن مصمم الرقص سامي خوري قدم في حفل التحية للأسطورة مشهدية راقصة شغلت حيزاً جميلاً من المسرح، وتضافرت مع حضور رويدا وصوتها للوصول إلى حصيلة بأن ما نشاهده هو جزء لا يتجزأ من تاريخ الصبوحة. رويدا بدورها تأثرت بحركة الراقصين وشاركتهم الدبكة وحركة الجسد. صباح حالة إنسانية وفنية مرحة، ظريفة، تضج بالحياة كانت هي نفسها ترفرف فوق خشبة المسرح، فكل ما جاء في هذا العرض المشغول بدقة على كامل تفاصيله جعل الجمهور يقول شكراً لكل من ساهم بتكريم صباح. تكريم الصبوحة أتى بحجم حياتها الحافلة، وبحجم تاريخها الراسخ في الأغنية اللبنانية والمصرية معاً. ففي تاريخها لم تترك صباح موضوعاً يعتب عليها من دون أن تجسده بصوتها. فهي كانت مجتهدة جداً في البحث عن كل جديد جميل تغنيه كلاسيكياً، أو شعبياً أو حتى طربياً. لكن الغالب لدينا هو الأغنية الشعبية التي غنتها صباح وجسدتها بشيء من الشقاوة المحببة في صوتها وحضورها وضحكتها المجلجلة. فصباح مدرسة قائمة بذاتها، ومسيرة تستحق أكثر من تحية. ومن دون شك كانت الساعة ونصف الساعة التي كُرمت بها في بيت الدين كفيلة بأن تزرع الفرح في نفسها هي المتعبة بحمل السنوات التي فاقت الـ87 والتي يصح فيها ما غنته في ساعات ‘ثقيلة خطوة الزمن… ثقيلة دقة الساعات’. في الفنانة رويدا عطية قرأنا بعضاً من الصبوحة التي كانت تتحول إلى كتلة فرح على خشبة المسرح. وهي تميزت في أغنيات ‘يا رب تشتي عرسان، قم تنلعب باصرة، مرحبتين ومرحبتين’ وغيرها وكانت في أحيان تطير كفراشة. وهي كانت متمكنة من كل الألوان الغنائية التي حفل بها تاريخ صباح الفني الذي تصعب الإحاطة بكل تفاصيله. رويدا كانت جديرة بمهمتها، ولم تترك لوناً لصباح لم تقاربه، حتى أنها حاولت الاقتراب من إعجاز صباح الخاص والحصري في التلوين والتطويل في الأوف والميجانا. في رويدا قرأنا الصبوحة بأناقتها التي شكلت احدى ميزاتها حتى آخر ظهور لها في بيت الدين. زهير مراد المصمم اللبناني الشهير ألبس رويدا كامل أثوابها وفي إطلالاتها السبع، كانت في أزياء التراث المعصرن، والليدي، والشيك مودرن، وكانت الصبية الأنيقة. كانت ملكة الأناقة كما صباح في حياتها كلها.

بين اللوحات الغنائية والاستعراضية كان الجمهور يتابع فواصل من فيلم اختصر بعضاً من سيرة صباح الفنية خاصة في السينما والمسرح. وفي كل مرة كان ينتهي فيه الفاصل كانت عاصفة تصفيق ترافقه، وهذا خير دليل على منزلة صباح الرفيعة في قلوب الناس. كما أن هذا الفيلم المعد جيداً ذكّر الحضور بالزمن الجميل في الفن. وبالمناسبة نظّم داخل قصر بيت الدين معرض ضم بعضاً من أجمل فساتين الصبوحة، وصوراً تجمعها بكبار الفنانين والشخصيات، إلى جانب عدد من أفيشات أفلامها.

تحية للأسطورة كان من إعداد وإخراج جيرار أفيديسيان.

تصميم الرقص سامي خوري.

الفرقة الموسيقية بقيادة إحسان المنذر.

سينوغرافيا فادي يني تورك.

شارك في العروض الراقصة 40 راقصاً وراقصة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية