في تداعيات أزمة الرسومات الدنماركية
عاطف أبو سيففي تداعيات أزمة الرسومات الدنماركية لم يتوقع أحد من قبل أن تنفجر العلاقة المستقرة والهادئة نسبياً بين أوروبا والعالمين العربي والإسلامي وتتوتر خطوط الحوار بينهما بالطريقة التي تسارعت فيها قضية نشر إحدي الصحف الدنماركية لمجموعة من رسومات الكاريكاتور التي تسيء للنبي الكريم ولمشاعر كل مسلم علي بقاع هذه الأرض. أوروبا وفي حقبة ما بعد تفكيك المستعمرات نجحت ولو بتدرج في رسم علاقة مستقرة وفي الكثير من الأحيان إيجابية مع جيرانها العرب والمسلمين للدرجة التي باتت باريس وبرلين أشد من عارض غزو العراق وللدرجة ذاتها التي صار الاتحاد الاوروبي ليس الممول الأول للشعب الفلسطيني بل واكثر من يدفع باتجاه اقرار الحقوق السياسية والوطنية الفلسطينية في الاجندة الدولية. لكن يبدو أن القشة تلك (رسوم الكاريكاتور) نجحت في قصم ظهر هذه العلاقة. المتبصر في أصداء الأزمة يدرك أن الغضب العفوي العربي والإسلامي وإن قادته بعض النخب وردة فعل النخب الأوروبية بالمقابل يعيد إلي الأصداء جوهر التنميط في علاقة الغرب بالشرق. هناك افتراض وتعميم سطحي وأجوف في الطرفين حول طبيعة الآخر. مما لا شك فيه أن الرسومات بما تشكله من إهانة لشخص سيد الخلق ولمشاعرنا كمسلمين تشكل اقترافاً اخلاقياً ودينياً وسلوكياً بحق الحضارتين العربية والإسلامية لم يكن من السهل السكوت عنه، لكن مما لا شك فيه ايضاً وبذات القدر أن أوروبا كلها بدولها وشعوبها وحكوماتها ليست مسؤولة بالكامل عن مثل هذا الاقتراف. هذا الاندفاع نحو التعميم، ولا بد ان نقر بذلك، فاقم الازمة وساعد علي توتير خطوط الحوار لحلها، بالقدر ذاته قاد إلي تجاهل المواقف الأوروبية والغربية التي أبدت تفهماً وأشهرت معارضتها لمثل هذه الرسومات. بالطبع ليس بمقدرونا نزع استنكار الفاتيكان لمثل هذه الرسومات وقوله بأن حرية التعبير لا يجب أن تمس المقدس عن اعتباره دفاعاً مشروعاً عن امكانية مس المقدس المسيحي، لكن هل لنا أن نقلل من قيمة هذا الموقف الديني. بالقدر ذاته كان دفاع بعض النخب العلمانية في الكثير من البلدان الاوروبية يحمل قدراً عالياً من المسؤولية الحضارية التي لا بد لنا من استثمارها والعمل معها. علينا ان نعترف بأن اندفاع الرد العربي والإسلامي كان قاسياً. من يفهم لماذا يقوم الغاضبون بحرق مباني بعض السفارات الاوروبية في دمشق. ومن يستطيع ان يوضح لأي عاقل أي فائدة سيجنيها الشعب الفلسطيني من اقتحام المركز الثقافي الألماني ومقر المفوضية الأوروبية بغزة وتهديد الرعايا الأجانب. ثمة حقيقة تضيع دائماً وسط الضجيج والصراخ ووسط الحماسة وردة الفعل. فقط علينا الانتباه ان هؤلاء الرعايا الأجانب والموظفين الدوليين العاملين في غزة من طوع انفسهم اختاروا مساعدة الشعب الفلسطيني والعمل له في ظروف خطرة وقاسية تحت الحصار والقصف الإسرائيليين، وأنهم بذلك ربطوا الكثير من مصيرهم مع مصير الشعب الفلسطيني. هل نتذكر ريتشل كوري كيف استشهدت دفاعاً عن هذا الشعب؟ هل نتذكر الصحافي البريطاني هندل الذي وقف في وجه البلدوزر الإسرائيلي؟ إن الخطر الكامن في ردة الفعل غير المنظمة هي ان نخسر احتياطي الدعم الأوروبي لقضيتنا، وأنا استعير من حسن البطل حديثه حول احتياطي الرفض في موضع آخر. هذا الاحتياطي الهام للشعب الفلسطيني نضيعه ببعض اعمال آخر شيء يمكن أن توصف به بانها تعبير سليم عن الغضب المشروع والحقيقي الناجم عن نشر هذه الرسومات المشينة. إن الصداقات القوية والمتينة التي نجح الشعب الفلسطيني بتجسيدها ورسمها مع الشعوب الاوروبية، وهي ما كانت لتتحقق لولا الحوار الخصب ودبلوماسية المواجهة التي قادتها منظمة التحرير الفلسطينية، وحققتها جالياتنا عبر نضالاتها الحضارية في تلك البلدان لضمان الدعم الشعبي العالمي لنصرة قضيتنا، هذه الصداقات مهددة بالضياع جراء مثل هذه التصرفات. بالطبع كان لا بد من الاحتجاج والتظاهر ضد تجسيد الرسول الكريم وضد محاولة تشويه صورة سيد الخلق، لكن هل لم يكن بالإمكان التعبير عن الغضب بغير هذه الصورة، بغير مهاجمة المكاتب وتهديد الرعايا الاجانب؟ هناك ألف طريقة وطريقة لقول لا، والثائر الجيد ليس الذي يقول لا، بل الذي يعرف كيف يجعل لا ذات مفعول. ربما وحده هنتغتون الآن يبتسم ويقول توقعت ذلك، لكن الحقيقة تكمن في مكان آخر وهي بعيدة كل البعد عن تصورات هنتغتون أو تنظيراته لحرب قادمة بين الحضارات. المحقق بأن ما حدث لم يكن أكثر من صعود فيروس قديم علي السطح، إنه سوء الفهم والتنميط السائد بين ضفتي المتوسط من قبل طرف عن حضارة طرف آخر. لا أحد يعرف ما الذي ستؤول إليه الامور ولا كيف ستنتهي الحادثة ولكن ما بدا واضحاً ان هناك مهمة جسيمة تنتظر الطرفين خلف أبواب الأزمة. عربياً وإسلامياً لا بد من القيام بحملة توضيح لصورة الإسلام النبيل ولصورة الرسول الكريم. بغض النظر عن فحوي هذه الرسومات فهي تعبر عن سوء فهم عميق للإسلام وتعبر أكثر عن فشل النخب العربية والإسلامية في تقديم صورة صائبة عن معتقد يدين به أكثر من سدس سكان هذا الكوكب. ولما كانت الامور تقاس بعواقبها فإن مثل هذه الصور تقول بوضوح بأن الشرخ الذي يحكم علاقة العالم بالإسلام ناجم عن جهل كامل بهذا الدين. وإذا كان يمكن رد الكثير من هذا الجهل وهذا التنميط إلي مواقف مسبقة ذات عمق تاريخي فإنه لا يمكن فهم الكثير الآخر منها دون النظر في المرآة والقول بصراحة نحن مقصرون. ربما ساهم التوتر الذي ساد العلاقات الدولية وعلاقة العالم الغربي تحديداً مع العالمين العربي والإسلامي عقب أحداث الحادي عشر من ايلول/سبتمبر وتفجيرات مدريد ولندن والتهديدات بتفجيرات أخري (وهذه أفعال مشينة ولاقت استنكاراً كبيراً في العالمين العربي والإسلامي) في تعميق مثل هذا التنميط، إلا ان الحقيقة تبقي في المقابل بأن النخب ورأس المال الثقافي العربي لم تفعل شيئاً لمحاربة هذا التنميط عبر الفعاليات الثقافية والحضارية التي تساهم في اضاءة جوانب هامة وحيوية في التاريخ والفكر والمعتقد الإسلامي، وترك الأمر لوسائل الإعلام الغربية ولبعض النخب اليمينية تصوغ خطابها عن العالم الإسلامي وتروج له بكل حرية. في المقابل لا بد أن تعيد أوروبا رسم علاقتها مع جيرانها العرب والمسلمين. إذا كان ثمة ما تقترحه هذه الأحداث هو تعثر مشروع الشراكة الاورمتوسطي الذي بادر إليه الإتحاد الاوروبي لترسيخ علاقته مع دول الجوار المتوسطي وكلها عربية باستثناء اسرائيل وتركيا. هذه الشراكة رغم نجاحاتها القليلة فشلت في ترسيخ حوار جدي حول القيم والثقافة والدين، وهي أولت القليل من الاهتمام لمثل هذه القضايا مركزة علي الدعم النخبوي للمجتمع المدني العربي الذي كثيره يعيش في أبراج عاجية في محاولة لتسريع عمليات التحول الديمقراطي واللبرلة في المجتمعات والكيانات السياسية العربية. النتيجة واضحة بعد ان احتفلت الشراكة الأرومتوسطية العام الماضي بعيد ميلادها العاشر: نجاح قليل، مال كثير. ما علينا، ليست هذه بالقضية الآن، ما نرمي إليه هنا وجوب أن يتم تعميق الحوار الجدي ليس بين النخب العاجية بل بين التشكيلات والتمظهرات المجتمعية والمحلية المختلفة في اوروبا وفي العالم العربي حول اسئلة تسعي لتعميق فهم كل طرف للآخر سعياً نحو تعزيز التقبل الحضاري للآخر وقيمه ومعتقداته ومقدسه. بدا الأمر وكأن اوروبا كلها تستعدي العالم الإسلامي، او كأن الرسومات تلك ما كانت لتنشر لولا الدعم الحكومي الذي تحظي به. كان المطلب الإسلامي والعربي هو أن تقدم حكومات هذه الدول اعتذاراً عن الرسومات أو تتخذ اجراءات عقابية وتأديبية بحق ناشريها. الحكومات الاوروبية والتي ابدت حرصاً علي علاقتها بالعالم الإسلامي وباتت قلقة من تفاقم الأزمة اوضحت انه ليس بمقدورها تكتيم افواه الصحافة نظراً لطبيعة المجتمع الأوروبي. وهنا تدحرجت كرة الثلج وتفاقمت الأزمة بتضامن الكثير من الصحف الأوروبية مع مبدأ حرية الصحافة ، بنشرها لذات الرسومات لتزداد جبهات المواجهة لتشمل ألمانيا وفرنسا وغيرها. بالطبع لا توجد حرية مطلقة، ولو كان الامر كذلك لما كانت هناك حاجة لقوانين تنظم علاقات البشر وعلاقات الدول والمجتمعات بعضها ببعض. وديدن العلاقات بين البشر هو مبدأ الاحترام القائم علي تقبل الآخر. من هنا فإن جنوح بعض النخب الصحافية والفكرية الأوروبية لتغليف الأمر بسترة حرية الصحافة ليس إلا انتهاكاً وإخلالاً لمبادئ كثيرة تحكم علاقات البشر. لأن السخرية السياسية شيء والسخرية من المقدس شيء آخر. أنا لا اعتقد بأن كائناً من كان في أوروبا يستطيع ان يسخر من معتقدات اليهود لأسباب ذات علاقة بالمعاداة للسامية. إن الخطر الذي تنذر به تبعات هذه الازمة هو ان تتحول معاداة السامية إلي معاداة الإسلام وهو ما ساهمت به للأسف الكثير من التصرفات غير المقبولة للبعض مثل تفجيرات ايلول/سبتمبر ومدريد ولندن. أنا اعتقد بوجوب فتح حوار عميق وبناء مع النخب الاوروبية حول ذلك، لأن أوروبا أكثر من غيرها تعرف مخاطر أن ينزلق البشر نحو كره أعمي للأعراق والمعتقدات، وهي أكثر من غيرها دفعت ثمناً باهظاً لذلك. لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتم استبدال الفوبيا بفوبيا أخري. إن افضل طريقة للتعامل البشري هي الحوار والتفاهم. إن الحوار الحضاري وحده كفيل بأن يطـــــرق مثل هذه المناطق الساخنة في العلاقة بــــــين ثقافتين صبغتا الكثير من التاريخ الفكري بألوانهما المختــــلفة. فقط وحده الصراع يجعل الطــــريق أكثر ظلاماً، والصارخون في الضوضاء أيضاً لا يسمعون بعضهم بعضاً. ہ كاتب من فلسطين يقيم في ايطاليا8