في تذكر أشول دينق: تأملات شخصية في المسألة الأخلاقية

حجم الخط
0

في تذكر أشول دينق: تأملات شخصية في المسألة الأخلاقية

د. عبدالوهاب الأفنديفي تذكر أشول دينق: تأملات شخصية في المسألة الأخلاقية أشعر بكثير من تأنيب الضمير لأنني لم أوف الصديق العزيز الراحل السفير الدكتور أشول دينق حقه من إحياء ذكراه، سوي كلمات عابرة في هذا المكان عند رحيله منذ بضع سنوات بعد مرض مفاجئ. فالرجل كان آية في حسن الخلق والمعشر، علاوة علي ما تمتع به من علم ومميزات مهنية، حيث كان عالم قانون ضليعاً ودبلوماسياً مقتدراً، حليماً بطيء الغضب. ولم أشهد له غضبة كان لها ما بعدها سوي مرة واحدة في نهاية التسعينات، حين بلغه نبأ مقتل صديقه الأقرب المحامي مارتن ماجير في سجون الحركة الشعبية. حينها دعا أشول مجموعة كبيرة من السودانيين المقيمين في لندن لحضور مجلس عزاء للفقيد فجر فيه مفاجأته الكبري بتوزيع بيان ينعي فيه مارتن ماجير ويعدد مآثره، ثم يوجه النقد للعقيد جون قرنق زعيم الحركة الشعبية الذي اتهمه مباشرة بقتله لأنه كان يخشي منافسته له في زعامة الحركة.وبحسب أشول فإن مارتن ماجير كان من أوائل من التحق بالحركة الشعبية وكان من أبرز قادتها. ولكنه اعتقل في عام 1984 حين رفض تسلم جثمان ممثل الحركة في لندن بعد مقتل الأخير رمياً بالرصاص في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا بدون شهادة طبية تحدد أسباب الوفاة ومطالبته بالتحقيق في القضية. وكان ممثل الحركة في لندن قد اعتقل وهو في طريقه إلي المطار بعد خلاف مع قرنق ثم قتل في ظروف غامضة. وحين طالب مارتن بالتحقيق في الحادث تم اعتقاله بواسطة المخابرات الإثيوبية. وعندما سقط نظام منغستو في إثيوبيا عام 1991 وأجليت الحركة الشعبية من قواعدها هناك، نقل مارتن وبقية المعتقلين إلي مناطق الحركة الشعبية في جنوب السودان حيث قيل انهم كانوا معتقلين في ظروف غاية في السوء. وقد ظل الرجل معتقلاً هناك حتي تمت تصفيته في ظروف غامضة. وقد ظل قرنق وأنصاره يرفضون لمدة طويلة الكشف عن مصيره، ولكنهم في نهاية المطاف وزعوا رواية تقول بأنه قتل وهو يحاول الهرب. ولكن المعلومات التي كشف عنها أشول كانت تشير إلي أنه صفي ثم وضعت جثته في كيس ألقي في النهر.غضبة أشول لما لحق بصديقه مارتن كانت من جهة موقفاً أخلاقياً من عملية اغتيال بشعة وغير مبررة، ولكنها كانت تعود أيضاً إلي المودة الشخصية بينهما، حيث كانا رفاق طفولة وزملاء دراسة. وفوق ذلك كان أشول يشعر بمسؤولية شخصية عن مصير مارتن، لأنه بحسب روايته فإن الصديقين تقاسما الأدوار، حيث اتجه مارتن إلي العمل السياسي بينما اختار أشول المسار الأكاديمي والقانوني. وكان لهذا يعتبر مارتن بمثابة من ينوب عنه في النشاط السياسي منذ كان نائباً في البرلمان إلي أن التحق بالحركة الشعبية. وقد آلمه بشدة ما لقيه من سوء المعاملة ثم القتل بصورة بشعة وهو في الأسر.وقعت رواية أشول عن مقتل صديقه وانتقاداته المريرة والحادة لقرنق وقع الصاعقة علي الحضور، خاصة الجنوبيين منهم. وقد كان هذا الاستغراب في حد ذاته كاشفاً عن كثير من المسكوت عنه في السياسة السودانية. ففي ظاهر الأمر لم يكن هناك ما يدعو للعجب من توجيه أشول دينق، وهو قبل كل شيء سفير في حكومة السودان التي كان قرنق يشن الحرب ضدها، انتقادات لاذعة لزعيم الحركة الشعبية. ولكن كان هناك تفاهم غير معلن مفاده أن كل الجنوبيين، وخاصة أولئك الذين ينتمون إلي قبيلة الدينكا، يدعمون ضمناً الحركة الشعبية التي تدافع عن تطلعات الجنوبيين. وكان يتوقع من كل هؤلاء علي أقل تقدير الامتناع عن توجيه انتقادات للحركة الشعبية وزعيمها، مهما كانت مواقعهم وانتماءاتهم.ويلاحظ هنا أن أشول قد التزم هذا التوجه حتي بعد اعتقال صديقه مارتن ظلماً كما كان يري، وبقائه في المعتقل أكثر من عشر سنوات، بما في ذلك نقله إلي معتقل غاية في البدائية والوحشية في أدغال الجنوب. ولا بد أن ضبط النفس هذا كان ينطلق من الحرص علي عدم الإضرار بـ القضية . ولكن الكيل فاض بعد أن تعدي الأمر إساءة المعاملة والاعتقال التعسفي لمجرد الخلاف السياسي إلي القتل بدم بارد، فلم يعد السكوت ممكناً.المعضلة التي واجهها أشول دينق تشبه ما يواجهه كثير من المثقفين وهم يعالجون معترك السياسة. ففي السياسة يصعب رسم الخطوط الفاصلة بين الأبيض والأسود. فما ذا يكون موقف الإنسان إذا كانت هناك فئة تتصدي للنضال في قضية عادلة، ولكنها ترتكب الكثير من الأخطاء والخطايا؟ علي سبيل المثال، كيف يجب أن يكون موقف المرء من أنباء الفساد والممارسات الخاطئة في منظمة التحرير الفلسطينية؟ هل يصرح بما يعلم ويفضح المخطئين، مدركاً بأن ذلك قد ينزل برداً وسلاماً علي الصهاينة الغاصبين؟ أم هل يكتم ما يعلم ويواجه خطر أن استمرار الفساد والأخطاء قد يكون أشد علي القضية علي المدي الطويل من نقاط يسجلها العدو مؤقتاً؟هذه الواقعة وما تطرحه من معضلات مهمة في حد ذاتها، ولكنني أوردها هنا لتصحيح الإطار الذي دار ويدور فيه الحوار حول أخطاء وخطايا النظام في السودان. فقد علق البعض علي المراجعات النقدية التي ابتدرها عدد من الإسلاميين، وعلي رأسهم الأخ د. التجاني عبدالقادر بأن مراجعات الإسلاميين هذه تأتي متأخرة وغير كاملة. ولعل من يتابع هذا الطرح يكون معذوراً لو اعتقد أن الصراع في السودان كان بين دكتاتورية الإسلاميين من ناحية، وبين طائفة من الملائكة المقربين تؤمن بالديمقراطية إيمان العجائز، ولا تساوم في مبدأ أو موقف أخلاقي، من جانب آخر.وفي حقيقة الأمر فإن ممارسات معارضي الحكومة لم تكن أقل سوءاً، خاصة فيما يتعلق بالحركة الشعبية، والفئات المسلحة الأخري، مثل حركة عبدالعزيز خالد. فكل هؤلاء مارس القتل والتعذيب والتطهير العرقي. ولعل الملاحظ علي سبيل المثال أن مناطق الحكومة كانت دوماً تزخر بالمعارضين من كل لون، بمن في ذلك أنصار الحركة الشعبية، ولكن مناطق الحركة الشعبية كانت دائماً طاهرة ونظيفة من أي شمالي إلا ما ندر، ناهيك عن مؤيدي الحكومة. ولم نسمع من أي من المثقفين المعارضين فيما قبل اتفاقية السلام أو بعدها أي نقد لتلك الممارسات. وفي حين ظل كثير من الإسلاميين يوجهون النقد لكثير من الممارسات الحكومية منذ وقت مبكر، وتعرض بعضهم للملاحقة والاعتقال بسبب ذلك، فإن الجانب الآخر ظل يسوده صمت القبور، ولم نشهد حتي الآن أي بدايات للمراجعة والنقد الذاتي.ولا يتعلق الأمر هنا فقط بخلو معظم أحزاب المعارضة من الديمقراطية وتجذر الممارسات الفاسدة والاستبدادية في معظمها، بل أيضاً من تحالفات لا أخلاقية مع أنظمة قمعية بالنسبة لها فإن الحكومة السودانية تصنف مع سويسرا والنرويج في ديمقراطيتها. فقد كانت أحزاب المعارضة تجتمع في العاصمة الإريترية أسمرا التي يحكمها نظام الحزب الواحد والشخص الواحد والصحيفة الواحدة ثم يصدرون البيانات التي تهاجم نقص الحريات في الخرطوم! ولقد ظل البعض يصدر الكتب والدوريات والمقالات من قاهرة المعز، حيث يهاجم وينتقد الإسلاميين الذين ينادون بالديمقراطية لمظنة أنهم قد لا يكونون صادقين، بينما لم يفتح الله عليه بكلمة نقد للنظام المصري الذي يمارس القهر والتعذيب والقمع حقيقة لا مظنة، لأنه لو فعل لربما واجه مصيراً مجهولاً.من هذا المنطلق فإن الانتقادات التي نوجهها للنظام السوداني تنطلق من كونه قصر عن مثال كنا نرجوه، وتراجع عن ممارسات سودانية محمودة كانت سابقة له، وليس لأنه أسوأ الأنظمة في المنطقة، وتحديداً لأن البدائل المطروحة في المنطقة ليست هي اليوم بين ديمقراطية علمانية مستنيرة واستبداد إسلامي ظلامي. ذلك أن الأنظمة الاستبدادية العلمانية فشلت حتي الآن في بناء قاعدة شعبية تتيح لها التحرك نحو الديمقراطية، بينما ظلت شعبية الإسلاميين في ازدياد. ولهذا فقد أصبح الأقرب للواقعية أن يتمني المرء لو أن الإسلاميين طوروا نهجاً ديمقراطياً استناداً إلي شعبيتهم، بخلاف خصومهم الذين افتقدوها. ومن هنا جاءت خيبة الأمل لأن البعض استبدل التي هي أدني بالتي هي خير.وللأسف فإن هذا طريق سلكه من كان قبلهم، كما فعل من انقلبوا من قبل علي أنظمة استبدادية إسلامية (في اليمن) أو علمانية (العراق، مصر، سورية، إلخ). فقد جاء هؤلاء بوعد التحرر والحرية. وقد كان لبعضهم (مثل الرئيس الراحل عبدالناصر) من الشعبية والقبول ما يغني عن النزوع إلي الاستبداد، ولكنهم لأمر ما اختاروا ذلك الطريق المغلق. وقد كان في تلك التجارب عظة لمن اعتبر، وكان هذا مناط تحذيرنا المبكر والعلني لحكام السودان الجدد في مطلع أيامهم من الوقوع في ذلك الجب، ولكن إرادة الله غالبة، وإنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء. ولكن يبقي كما أشرنا أن النظام ليس هو كل المشكلة. فالنظام يقف اليوم معزولاً، فاقداً للسند الشعبي، وقد أدبر عنه الإسلاميون ولم يقبل عليه غيرهم. والسؤال القائم الآن وقبل الآن هو: أين المعارضة، ولماذا تعجز الأحزاب المعارضة عن مجرد عقد مؤتمراتها وانتخاب مسؤوليها، ناهيك عن أن تجيش الشارع وتحشد الجموع لمنازلة الحكومة في صراع الديمقراطية؟ إن الديمقراطية ليست منحة تعطي وإنما حق ينتزع، لمن استحقه. وإذا كان هناك شعب محروم من الحرية والديمقراطية فهذا يعود لأنه (أو لنكن دقيقين) القيادات التي تدعي تمثيله، لم يستحق حريته بعد.وإذا كان من حق المعارضين القدامي للنظام (الذي انخرط كثير منهم للأسف تحت عباءته طمعاً) الحق في أن يذكرونا بأن الإسلاميين لم ينتقدوا النظام بما فيه الكفاية، فإن مثل هذا النقد يكون مقبولاً أكثر حين يكون هؤلاء قد أمروا أنفسهم بالمعروف أولاً، ومارسوا النقد الذاتي. فمن قصر النظر أن يفرح هؤلاء بالنقد الذاتي لغيرهم ويعتبرونه نصراً لأنفسهم ومواقفهم علي طريقة اخلع صاحبك ولأثبت صاحبي ، لأن صلاح البلاد لن يتأتي إلا بصلاح كل القوي السياسية فيه وتواضعها علي كلمة سواء من التعايش الديمقراطي. وإلا فإن تخبط نظم الحكم في السودان كان سابقاً للإسلاميين وقد لا ينتهي إذا غابوا من الساحة.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية