ما الذي يجعل الغرب عبر تاريخه يصنع تلك الإبادات البشعة في حق الإنسانية؟
لقد صارت الإبادة صفة أصيلة في الغرب، وسمة غالبة في سلوكه، وهذا السلوك الإبادي في نمو واطراد مع مرور الوقت، على الرّغم من كل تلك المواثيق التي سنها، والقوانين التي وضعها هو نفسه من أجل القضاء عليه (أي سلوك الإبادة)، أو على الأقل التقليل منه، إلا أنه في كل مرّة هو أول من يطيح بتلك القوانين، وأول من يعتدي عليها، ولا يستطيع أيُّ أحد الاعتراض على ذلك، فمن يا ترى باستطاعته أن يعترض على جبار هذا العالم، ما يجعل الغرب، والحال هذه، بوجهين، وسياسته بمكيالين، وهي، في الأساس، سياسة خاضعة إلى النزوات والأهواء لا إلى القوانين والقيم، ومتحكمة فيها المصالح لا المبادئ، ولعل مأساة غزة هذه الأيام أفضل مثال على ما تقدم ذكره، فإلى ماذا يرجع ذلك؟
ثقافة الغرب
إن ثقافة الغرب تطرق إليها التشويه عبر الزمن، وهي ثقافة شوهاء، حسب تعبير الفيلسوف روجيه غارودي، ولعل المتأمل في تاريخ الغرب يجده قد مرّ بثلاثة انشطارات كبرى، حددت رؤيته إلى نفسه، وإلى الآخر والطبيعة، وساهمت، بصورة أو بأخرى، في صناعة العالم الحديث. يتمثل الانشطار الأول في تلك النظرة التي تأسست بناء على الاعتقاد في الاستثناء الإغريقي والاستثناء اليهودي، وانفصال دراسة الإنسان عن الطبيعة وعن الله، ومن خلال هذا الانشطار بدأ تحييد الله، وتقديس الإنسان والطبيعة. أما الثاني، فيتمثل في نظرة أوروبا المسيحية إلى نفسها باعتبارها الشعب المختار، الذي يمتلك الدين الصحيح، وصاحب الحق الإلهي في إخضاع الشعوب الأخرى، ومحاربتهم. بينما الانشطار الأخير، فيأتي بعد انهيار أوروبا بعد حربين عالميتين، وصعود أمريكا كقوة تُواصل رسالة الغرب النبيلة، وفقاً لعقيدة التفوق، شعب الله المختار، والجنس الآري الأعلى. إن رسالة الغرب النبيلة لم تتغير منذ لحظة التأسيس الأولى، إذ يجب، والحال هذه، إنهاك الأعداء، وإخضاعهم، بمختلف الوسائل والأكاذيب، وعلى هذا الأساس، طُرحت العولمة في العصر الأمريكي، كفكرة ناعمة براقة، بجعل العالم قرية صغيرة، وما هي، في الحقيقة، إلا استمرار لنهج السيطرة والهيمنة على الآخر.
واستناداً إلى ما سبق، فإن هذه الانشطارات الثلاثة، غذت في الغرب ثقافة التفوق والسيطرة، من خلال ثنائية الأنا والآخر، والشعب المختار، والجنس الأعلى، وأن أي رؤية من هذا القبيل ستؤدي، لا محالة، إلى احتقار الآخر، وتجريده من إنسانيته، والنتيجة، في التحليل الأخير، تدميره وإبادته.
حضارة الغرب
إن حضارة الغرب حادثة وطارئة، كما وصفها غارودي، وسبب ذلك يعود، في واقع الأمر، إلى أنها أرادت أن تكون متميزة عن حضارة الشرق، فابتعدت عنها عن طريق الانفصال عنها، منتهجة طريقاً خاصاً بها، فحدثت تلك الانفصالات في تاريخها، الانفصال عن الإله في البداية، ثم عن الطبيعة، وصولا إلى انفصال العالم الإنساني عن الإنسان نفسه، وبالتالي، لم يعد هناك مطلق يسهم في إنتاج القيم والمعنى، ولم يعد الإنسان هو مركز الكون، بعدما أزاحته الطبيعة، وسادت الواحدية بديلا عن الثنائيات، والمتغير بديلا عن الثابت، والسيولة بديلا عن الصلابة، في هذا الصدد يقول عبد الوهاب المسيري: «ويمكن القول إن ما تم إنجازه في الحضارة الغربية الحديثة هو القضاء على الشخصية التقليدية ذات الولاء لمطلق خلقي ثابت يتجاوز عالم المادة والتاريخ (ومن ثم، فهي شخصية تعيش في ثنائيات وتعددية) وحلت محلها الشخصية الحركية المتغيرة والمتقلبة مع حركة المادة، التي لا ولاء عندها لأي ثوابت أو مطلقات، والتي تحررت من أي قيم أو غائية، فهي تعيش في عالم الواحدية المعقم من القيم المتجاوزة».
في ظل هذا الوضع المأساوي، البعيد عن عالم المطلق والقيم، صار الإنسان يعيش في عالم أشبه بغابة، إذ لا شريعة تردعه، ولا قوانين تكبحه، فالقانون الوحيد المعتمد فيها هو قانون القوي، لا مكان فيها للضعفاء، حيث البقاء فيها هو للأصلح، والأصلح بالطبع هو الأقوى، لهذا يصف غارودي لفظ النهضة (النهضة الأوروبية بالطبع) بأنه رفض لكل قيمة مطلقة، وبالتالي لكل نتيجة طبيعية لها، وفرض لحياة الغابة على الإنسان، فأدى كل هذا، حسبه، إلى ظهور المتوحشين.
على صعيد آخر، لقد أدى تحييد الإله من عالم الإنسان، ثم انفصال الإنسان عن العالم الإنساني إلى زوال الإنسانية، إذ تجد تطبيقاته المُرّة في سيطرة السوق وتفرده، وفي حب المال وتقديسه، وفي انقسام العالم عن طريق النهب الاستعماري، فكانت النتيجة، في نهاية التحليل، ظهور عالم التوحش والإبادة.
مسلمات حضارة الغرب
يرى غارودي أن الحضارة الغربية تقوم على ثلاث مسلمات أساسية، هذه المسلمات شوّهت هذه الحضارة، وساهمت، بشكل كبير، في إنتاج العالم الجديد الموبوء بالتوحش والبربرية، وهي كالآتي:
ـ مسلمة آدم سميث حتى توحيد السوق؛ وهذه المسلمة تحدد العلاقات بين الناس على أساس اقتصادي بحت، والعبرة فيها بتحقيق المنفعة الخاصة، التي تؤدي، بصورة أو بأخرى، إلى المنفعة العامة.
-مسلمة ديكارت في العلاقة مع الوجود، ومن خلالها تتحدد العلاقة مع الطبيعة، وذلك بالسيطرة عليها وامتلاكها.
ـ مسلمة فاوست في العلاقات المستقبلية، وبهذه المسلمة استطاع الإنسان أن يتمرد على الإله.
على ضوء هذه المسلمات الثلاث حددت حضارة الغرب علاقتها مع الإله والإنسان والطبيعة، فتمردت في البداية على الله، حيث أزالت القداسة عنه، وحيّدته، وجعلت الإنسان بديلا عنه في تسيير العالم، «أيها الإنسان، تحول بفضل عقلك القوى إلى إله»، ثم أزالت القداسة بعد ذلك عن الطبيعة، بالسيطرة عليها وامتلاكها، إلى أن وصلت إلى تهميش الإنسان، فسوّته بالطبيعة، وردّته إلى عناصره المادية فقط، أي إنسان غير متسامٍ، تتحكم فيه أبعاده المادية من غرائز ورغبات ومتع، في هذا السياق يخلص المسيري إلى أن هذه الحضارة قامت «بتفكيكه وتذويبه تماماً في الطبيعة/المادة، فتلغيه وتبيده ككائن مستقل له قيمة مطلقة عن قوانين الحركة الطبيعة/المادة».
على ضوء ما تقدم، فإن حضارة الغرب بمسلماتها الفلسفية، وبأبعادها الفكرية، كانت تخلق المقدمات، وتهيئ الظروف، التي من شأنها أن تؤدي إلى حدوث الإبادة، فعندما تنزع القداسة عن الله، وتزيحه، ويصبح الإنسان بمحدوديته هو مصدر القيم (الخير والشر)، ثم تهمّش، هذا الأخير، فيصير مساوياً للطبيعة، ناظرة إليه من خلال عناصره المادية فقط، فإن النتيجة، في الأخير، هي الإبادة، وقد تحقق بالفعل التطبيق العملي لها بشكل صريح في التجربة الاستعمارية الغربية، حينما انطلقت جيوش الدول الغربية إلى المناطق البعيدة، حاملة آلات التدمير والإبادة من أسلحة فتاكة، مانحة بذلك الإنسان الغربي الحق في الاستيلاء على العالم، والحق في تحويله، أي العالم، كله إلى مادة استعمالية، فضلا عن تحويل البشر الآخرين إلى أداة توظف من أجل خدمته.
هذه هي ثقافة الغرب التي انتجت للعالم مثل هذه الحضارة، إنها حضارة قاتلة، بارعة في إنتاج التوحش وأدواته، إنها حضارة الإبادة، تتفنن في إنتاج سموم القتل والانتحار، هي حضارة الاستغلال، تتقن صناعة وسائل الإبادة والموت، وهي، باختصار شديد، حضارة ضد الإنسان.
كاتب جزائري