منحت دائرة الاستيطان عشرات القروض من أجل إقامة وتطوير بؤر استيطانية، ومزارع وكروم غير قانونية في أرجاء الضفة الغربية ـ هذا ما يتبين من تحقيق لـ «هآرتس». الوثائق الموجودة لدى هآرتس ترسم طريقة العمل التي حسبها أنشأوا مزارع وبؤرًا استيطانية غير قانونية على مدى العشرين سنة الأخيرة، وقاموا بتمويل معدات زراعية أو قطعان لصالح قروض من دائرة الاستيطان، التي يمولها دافع الضرائب في إسرائيل. دائرة الاستيطان رفضت الرد على نتائج التحقيق.
بشكل عام، ليس بالإمكان الحصول على قرض من البنك لغرض إقامة بؤر استيطانية، لأن الأمر يتعلق بعمل غير قانوني. مع ذلك، أحيانًا حصل من أنشأوا البؤر الاستيطانية على قروض حتى من البنوك. على الأقل في حالة واحدة، القرض أعطي بعد أن حولت الدائرة للبنوك وثائق شهدت فيها أن أراضي معينة تعود لطالبي القرض السكني، حتى ولو كانت الأرض ليست بملكيته.
يرتكز التحقيق على عشرات وثائق القروض السكنية لـ 26 بؤرة استيطانية في الضفة الغربية. ومن هذه البؤر التي من أقاموها حصلوا على قروض من الدائرة، وهي بؤر كبيرة مثل «عمونة» التي أخليت في الوقت الحالي.
وثمة بيوت أو مبان غير قانونية داخل مستوطنات كذلك، وأغلبها قانوني، مثل يتسهار، وكذلك مزارع وكروم معزولة مثل مزارع جبل سيناء، و«عينوت كيدم» و«حفوت شكديم». إن مطابقة خرائط الإدارة المدنية مع أسماء الحاصلين على القروض، وأماكن سكنهم، والسنوات التي حصلوا فيها على القروض، ونوع الممتلكات التي تم تمويلها، كل ذلك يظهر أن دائرة الاستيطان أعطت في مرات كثيرة قروضًا لمن أقاموا البؤر الاستيطانية في الفترة التي أقيمت فيها. في معظم الحالات فإن تلك الضمانات التي قدمت مقابل القروض هي ممتلكات تتعلق بأرض البؤرة الاستيطانية التي أقيمت، مثل قطيع أغنام، وبيوت دجاج، ومعدات زراعية.
القروض التي عثر عليها كانت قد منحتها دائرة الاستيطان في منتصف التسعينيات. الأكثر بروزًا من بينها أعطيت لـ أفري ران، وهو نشيط يميني معروف أقام عدة بؤر استيطانية على تلال متقاربة في منطقة «ايتمار». حسب العقد الأول معه، فقد مول بيتًا للدجاج البياض مقابل الحصول على قرض. كما أقام ران عقارًا سمي «مزرعة ايتمار» لصالح بنك لئومي في منتصف التسعينيات. في «تلال العالم»، وبؤر ران الاستيطانية، يوجد هناك حقًا مزرعة للدجاج البياض ومزرعة للنباتات. الموقع كله غير قانوني. وحسب خرائط الإدارة المدنية، وفي المكان، صدر على الأقل 12 أمر هدم. جزء من البؤرة الاستيطانية يوجد على أراضي دولة، وجزء آخر خارج «الخط الأزرق»، أي على أراض ليست بملكية الدولة.
إعطاء القروض لمؤسسي البؤر الاستيطانية غير القانونية من أموال دافع الضرائب استمر خلال سنوات الألفين، ولا يزال في السنوات الأخيرة. هكذا على سبيل المثال، منحت دائرة الاستيطان قرضًا لمنشأة لطحن الحبوب في «يتسهار» في 2014. حسب الصور الجوية لـ«يتسهار»، في منطقة المستوطنة التي توجد فيها مطحنة، تم إصدار ثلاثة أوامر هدم.
130 رأسا من الأغنام
دائرة الاستيطان جسم غير عادي، لا تخضع مباشرة للحكومة، ومن ناحية تنظيمية هي ذراع للهستدروت الصهيونية العالمية، وتمويلها يصل من دافع الضرائب الإسرائيلي. مهمتها بصورة رسمية إنشاء مستوطنات قروية في إسرائيل. وتعمل في الجليل والنقب والمناطق. في عام 2015 تم تجميد نشاط الدائرة في أعقاب رأي قانوني لدينا زلبرغ، نائبة المستشار القانوني للحكومة، الذي نص على أن الدائرة عملت كجسم مقرر للسياسات وليس فقط مقاول تنفيذ خارجي للحكومة. «هذا الوضع خلق فشلاجوهريًا في قدرة أداء الحكومة، حيث تضررت قدرتها الفعلية على التقرير بنفسها سياستها في مجال الاستيطان»، قالت زلبرغ. بعد نحو سنة وقع اتفاق بين الدولة ودائرة الاستيطان كان من شأنه أن يسمح بالإشراف الناجع المطلوب، وهكذا عادت الدائرة إلى العمل.
كل قرض منحته الدائرة في حينه والآن أيضًا، أعطي من أموال دافع الضرائب. وحسب الوثائق الموجودة لدى «هآرتس»، فقد أعطت الدائرة في العشرين سنة الأخيرة عشرات القروض لمن يقيمون البؤر الاستيطانية غير القانونية من خلال الحصول على ضمانات تتمثل بممتلكات على الأرض. على سبيل المثال، منحت دائرة الاستيطان قرضًا لمؤسسي «حفات شكديم» التي أقيمت بدون مخطط وخلافًا للقانون، وبالمقابل، حصلت على 130 رأسًا من الأغنام. داليا هار سيناي، امرأة من مزرعة هار سيناي، منحتها الدائرة قرضًا في 2005 مقابل إنشاء مطحنة للقمح ومبرد وجهاز تعبئة ومضخة هواء ومعدات زراعية أخرى. المزرعة غير القانونية توجد داخل الخط الأزرق، أي على أراضي دولة، وجزء منها خارج الخط. في الموقع تم إصدار ثلاثة أوامر هدم من الإدارة المدنية. في نهاية التسعينيات منحت الدائرة قرضًا لمؤسس مزرعة «حفات طاليا» لتمويل قطيع أغنام ومولد وعريشة وجدار. هذه المزرعة أيضًا غير قانونية أقيمت على أراضي دولة، وصدر ضدها سبعة أوامر هدم.
مؤسس مزارع «سكالي» حصل على قرض من الدائرة في 2001، وأقام بالمقابل حظيرة أغنام تحوي 100 رأس من الأغنام. الموقع غير قانوني بكامله، وصدر ضده 24 أمر هدم. ومؤسس البؤرة الاستيطانية «حفات مور» حصل من الدائرة على قرض في 1999 وفي 2002، وكان القرض لإنشاء حظيرة للماعز وتمويل شراء 50 جديًا و60 خروفًا، وأقيمت المزرعة على أراضي الدولة خلافًا للقانون وصدر ضدها 8 أوامر هدم. مؤسس تلة الطيار في «ايتمار» حصل على قرض في بداية سنوات الألفين، لغرض تمويل بيت للدجاج وصهاريج للعلف. في الموقع غير القانوني مزرعة غير قانونية ومهبط طيران يشغل فيه المؤسس يديديا مشولمي نوعًا من المطار المرتجل غير القانوني. ومنحت الدائرة أيضًا قرضًا لأحد سكان «عمونة» في 2003 لغرض تمويل الأرض التي أقيم عليها البيت. الأرض نفسها في هذه الحالة لم تكن في أي يوم بملكية من جلب التمويل لها، ومنح القرض خلافًا للقانون.
مقاول تنفيذ
لدى مسجل القروض تواريخ الممتلكات وتفاصيلها. مبالغ القروض بقيت سرية بهدف الدفاع عن خصوصية المقترضين.
حسب أقوال درور اتكاس، من الجمعية اليسارية «كيرم نبوت»، فإن هذه الحالات تظهر طريقة عمل واسعة لضخ أموال للمستوطنات غير القانونية. منذ سنوات طويلة من الواضح أن دائرة الاستيطان تبنت نماذج عمل مخالفة للقانون، بعد أن أخذت على مسؤوليتها العمل كمقاول تنفيذ لأعمال قذرة، تحاول سلطات الدولة إبعاد نفسها عن التورط فيها بشكل مباشر. تبرهن الوثائق أن الأمر يتعلق بنشاطات مخالفة للقانون منهجية ومتواصلة استهدفت دعم الجهات المتطرفة والأكثر عنفًا من بين المستوطنين، والمسؤولين عن طرد وسلب التجمعات الفلسطينية من مناطق واسعة في الضفة الغربية.
ويتبين من الوثائق أن جزءًا من البؤر الاستيطانية حصل على قروض من البنوك الخاصة. في عدد من الحالات يتم تمويل معدات زراعية أو عربات، وفي عدد آخر ـ مثل «متسبيه كرميم» التي نشرت في الصحيفة ـ أعطي القرض من أجل تمويل الأرض نفسها، رغم أنها ليست بملكية مؤسسي البؤر الاستيطانية الذين حصلوا على التمويل. مصدران للتمويل في بنكين مختلفين قالا للصحيفة في الأسابيع الأخيرة إن الطريقة كانت على النحو التالي: البنك، عندما تلقى طلبًا لمنح قرض للبؤر الاستيطانية كان يتوجه إلى دائرة الاستيطان ويطلب مصادقتها. كانت الدائرة تصادق على أن طالب القرض هو صاحب الأرض أو أنه يعمل فيها بشكل قانوني. بعد ذلك كانت تصادق على القرض. فعليًا، في بعض الحالات منح القرض رغم أن الأرض التي أقيمت عليها البؤرة الاستيطانية لم تكن بتاتًا بملكية من قام برهنها. أحد المصدرين قال إن العلاقة مع دائرة الاستيطان كانت مثل «دائرة أراضي إسرائيل في المناطق».
إدارة أراضي إسرائيل في الحقيقة لا تعمل في المناطق، لكن دائرة الاستيطان ليست بديلاعنها. من أجل اكتشاف ملكية شخص للأرض، يجب التوجه إلى سجل الأراضي ـ السري بشكل عام ـ في الإدارة المدنية. دائرة الاستيطان لا تملك سجلاكهذا، وهي ليست جهة حكومية، بل هي جسم يعمل بتمويل حكومي كمقاول خارجي للحكومة.
هذه ليست المرة الأولى التي تكشف فيها «هآرتس» أن دائرة الاستيطان تعمل من أجل ضخ الأموال العامة لإقامة بؤر استيطانية غير قانونية في المناطق. ففي الشهر الماضي نشر أن الدائرة نقلت للمستوطنين في بؤرة «متسبيه كرميم» حقوقًا على الأراضي بعد شهرين من اكتشاف الدولة بأن الأمر ربما يكون متعلقًا بأراض فلسطينية خاصة، خصصت للدائرة بالخطأ. في السنة الماضية نشر أن الدائرة استولت على 50 دونمًا من الأراضي الفلسطينية الخاصة، وخصصتها لبؤرة «معاليه رحبعام» بغرض «الغرس»، رغم أنه لم يكن لديها أي حقوق على الأرض. في تقرير من عام 2017 تم الإبلاغ أنه في عدد من الحالات ـ منها عوفرا، وعمونة، وبيت حورون ـ خصصت دائرة الاستيطان أراضي لمستوطنين لإقامة مستوطنات، رغم أنه لم يكن لها أي حقوق على هذه الأراضي.
يوتم بيرغر
هآرتس 22/10/2018