عبدالرزاق قيراط اعتبرت الثورة التونسيّة نموذجا متفرّدا في جماله وفي إنجازه وفي وحدة الشعب التي لولاها لما تحقّق النصر، لكنّ المشهد الجديد الذي نعيشه اليوم يتّجه إلى خليط من الفوضى التي لا نملك إلاّ أن نراقبها متسائلين عن مسارها والمدى الذي سيتوقّف عنده.
ولعلّ أكثر ما يحزّ في نفوس التونسيّين الذين ثاروا لإسقاط الدكتاتور الأكبر، ما يشاهدونه اليوم من الدكتاتوريّين الصغار الذين انتصبوا ينظّرون باسم الشعب في جلسات مدوّية لم نر منها إلاّ الكثير من المؤشّرات المخيفة.
نرى بعض هؤلاء في المنابر الإعلاميّة التي تدعوهم فنسمعهم يصارحوننا بأنّ خطرا داهما على تونس يهدّد مكاسب التونسيّين وانجازاتهم، الأمر الذي يجب أن يحسب له ألف حساب. ولا يخفي هؤلاء الأوصياء على الشعب التونسيّ أنّهم جاهدوا لدرء تلك المخاطر وسيعملون على محاصرة أعداء الثورة من ‘الظلاميّين ذوي الخطاب المزدوج الذين يريدون العودة بنا إلى القرون الوسطى’. إنّنا لم نعد نسمع إلاّ هذه التحذيرات، نقرأها في الجرائد وتردّدها جميع الإذاعات العامّة والخاصّة وتؤكّدها المنابر التلفزيونيّة التي لا يحضرها في الغالب إلاّ الطرف المهاجم الذي يجد كلّ التأييد والثناء من الصحافيّين المنشّطين أوالصحافيين الضيوف، وكان الأجدر بهم أن يكونوا محايدين محترمين لجميع الأطراف بما فيها الطرف الغائب أوالمغيّب.
الإسلاميّون من جهتهم بعثوا بالكثير من الرسائل المطمئنة مؤكّدين على التزامهم بقواعد اللعبة الديمقراطيّة واحترامهم لمكاسب المجتمع التونسيّ، أو لنقل مكاسب المرأة التونسيّة ومجلّة الأحوال الشخصيّة التي يعتبرونها قراءة اجتهاديّة لبعض أعلام الزيــــتونة الأجلاّء.
غير أنّ الخائفين لا يثقون بهذه التطمينات بدعوى أنّ هؤلاء الإسلاميّين عرفوا بخطابهم المزدوج. فما العمل الآن؟ من ستصدّق أيّها التونسيّ؟ وأين ستضع نفسك وعاصفة الجدل بين الإسلاميّين واليساريّين تشتدّ يوما بعد يوم في ما يسمّى بهيئة حماية الثورة، ومنبرهم الذي تحوّل إلى حضانة فراخ لتدجين ثورتك والعبث بمستقبلها، كما تثبته التقارير التي تعبّر عن الكثير من التحفّظات وتثير العديد من التساؤلات حول الجدل العقيم الذي يدور بين أعضاء الهيئة والترتيبات التي يعملون على صياغتها لإحراج أطراف معيّنة والتشويش عليها.
في مقابل ذلك يشهد الوضع الاقتصادي والاجتماعيّ للبلاد من جنوبها إلى شمالها اضطرابا غير مسبوق، فبالإضافة إلى الاعتصامات والإضرابات والاحتجاجات بشتّى أنواعها تفاجئنا وسائل الإعلام بأخبار سوداء عن ضحايا المعارك التي تغذّيها العصبيّة القبليّة أو’العروشيّة’ التي لم نكن نسمع بها من قبل. والمتأمّل في الصورة سيجد أنّ خلفيّتها انعكاس للسياسات السابقة التي عمّقت التفاوت بين الجهات وعمّقت النعرات الجهويّة والأحقاد المشروعة التي ما كانت لتظهر لو شملت التنمية جميع المدن والقرى، فلا تضامن ولا استقرار ولا رفاه إلاّ بالتوزيع العادل للثروات والعمل على النهوض بجميع الجهات.
من يشاهد الصورة اليوم ويريد فهمها عليه أن لا يهمل خلفيّتها، فما يحدث من اضطرابات ونزاعات وانفلات أمنيّ، هي أيضا انعكاس تلك النزاعات الحزبيّة التي تحبط من يتابعها وتزعزع ثقته بالمستقبل، فتهافت الأحزاب على تحقيق المصالح والمكاسب الضيّقة، يبدو للشعب سلوكا أنانيّا لا ينتج إلاّ أنانيّة مماثلة في المجتمع، الأمر الذي تؤكّده الأحداث المؤسفة التي عرفتها الكثير من الجهات باعتبارها ردود أفعال لحالة التشاؤم التي أنتجها الوضع السياسيّ العقيم. وعليه فإنّ الخروج من هذه الأزمة لا يكون إلاّ بحوار حضاريّ بين جميع الأحزاب وأطراف المجتمع المدنيّ تكون فيه المصلحة العليا لمستقبل الشعب التونسيّ لا مستقبل ذلك الحزب أو تلك الحركة. وعلى الإعلام أن يقوم برسالته في حياد تامّ لأنّ الحياد هو الكفيل باحترام كلّ فئات الشعب وكلّ تياراته الفكريّة، وبذلك فقط نضمن الخروج من دوائر العنف وانزلاقاته الخطيرة، ولتكن البداية بنبذ العنف اللفظيّ الذي تشهده الساحة الحزبيّة وتساهم بعض وسائل الإعلام في تكريسه، لأنّ تنقية الأجواء بين أفراد النخبة قادرة على تنقيتها بين أفراد المجتمع، وبذلك يتطوّر المناخ العامّ نحو الهدوء الذي نحتاجه ليساعدنا على اختيار الطريق التي سنسلكها لتحقيق الغد الأفضل لتونس وشعبها.’ كاتب تونسي