خلافا لأغلب مباحث (Continuit’) إنّ علاقتنا بالتراث هي علاقة ذات باحثة في تراثها وميراثها الحضاري وهي تنتمي إليه. وفي وجه من وجوه هذا التراث تظهر الرحلة بأبعادها الحضارية المختلفة ولأجلها تحمل الرحالة العرب والمسلمون عوائق شتّى كي تكون المسالك مستنيرة للأجيال غاية التفاعل والتواصل الحضاري والتكامل الإنساني. ويبدو أن المنظومة الثقافية العربية الاسلامية قد استوعبت التنوع الثقافي وتعدّد الصيغ الحضارية وأن الحضارات لا يمكنها إلا التفاعل مـــع جـــيرانها، وبذلك اتخذ التراث شكل الآليات الفكرية والمفاهيم الثقافية والمقاييس والقوانين التي نتعامل بواسطتها مع الوجود الإنساني حكما وتقييما، وفهما ونقدا، فالتراث كان حاضرا دائما تحصيلا وتكوينا، تمثيلا وتمثّلا، فهما وإعادة فهم. وتشير الأبحاث الأنثروبولوجية وكتب التاريخ الطبيعي إلى أن الإنسان لم يتوقف عن الحركة والتنقل حتى بعد أن تعلم الزراعة وعرف كيف يستقرّ ويبني ويؤسس المجتمعات، فقد ظل متطلعا إلى الاْفاق البعيدة ولا يكفّ عن التفكير فيما يمكن أن تضمّه من الخلق والموجودات. لذلك نبعت الرحلة في التراث العربي والإسلامي من دوافع ذاتية وموضوعية، عقلية ونفسية وغيبية أيضا ضمن مسعى اكتشاف المجهول. ورغم تنوع الأغراض التي دفعت إنسان الحضارة الإسلامية إلى السفر المدبّر أو الإرادوي فإن السؤال رافق الرحالة المكتشف ضمن تنقله وسفره خاصة والعالم في ما مضى ليس على ما هو الآن من مكتشفات علمية قلّصت المسافات، فالخريطة الجغرافية القديمة كانت شاسعة جدا بالنسبة لعقل الإنسان والمجهولات كثيرة من أقاليم العالم وأماكنه، لذلك اتضحت الحاجة الأكيدة إلى المعاينة واكتشاف الأصقاع. ولعل حركة الترجمة التي نقلت جزءا من أفكار باقي الحضارات والشعوب للعقل الإسلامي في القرنين الهجريين الثاني والثالث تحديدا (بيت الحكمة) كان لها كذلك الدور الكبير في ثقل سؤال المعرفة، ومن هنا استنبطت المنظومة الثقافية العربية الإسلامية أنه ما من سبيل لمعرفة الأحوال واكتشاف الذات والآخر وربط الخصوصية بالكونية والهوية الذاتية بالغيرية الا بالإرتحال. ويمكن إعتبار الجغرافيين والرحالة عموما قد خلّفوا عنصرا قويا في حياة المجتمع الإسلامي في عصوره الزاهرة ، فارتحلوا رغم مختلف الصعوبات إلى اتجاهات مختلفة ومتعددة اتجه بعضهم لطلب العلم وارتحل آخرون في سبيل الاتجار وسعى المسالكيون والجغرافيون إلى تحصيل فكرة عن هيئة الأرض مسالك وأقاليم وخارطة عامة، كما كان التوجه لزيارة مهبط الوحي، إضافة إلى رحلة المغامرين إراديا وجوّابي الآفاق الواجدين في انتقالهم في أصقاع الأرض لذّة خاصّة. هي حينئذ نماذج من الرحلة عرفها العرب والمسلمون، وقد شجّعهم على الاستزادة منها خضوع العالم الإسلامي برقعته الواسعة لدولة واحدة ولمؤسسة سياسية مركزية بادىْ الأمر، فلما ذهبت الوحدة السياسية أواخر الحكم العباسي وبدأت تتضح التجزئة بقيت وحدة الدين ووحدة اللغة باسم رسالة الوحي، ووحدة الأمّة وجدانيا، بل لعل الرحلة كانت أقوى زمن التجزئة السياسية وذلك لاعتياد العالم الإسلامي نوعا من الحياة ولونا من التفكير ضمن منظومة ثقافية تحتّم على أفراده الإتصال والإتجار والتبادل الفكري والتواصل العلمي والأدبـــي ضمن نسق حضاري متكامل. ولعل أهـــمية الرحــــلة والمعاينة والتمكّن في المكان بدت حاجة ملحّة للمسلمين بوصفها البعد الرئيسي في إنتاج مادة ذات طبيعة جغرافية وإنسانية انعكست بصورة أو بأخرى على رؤية كاتبها أو ناقلها وهو حال ‘ابن جزي’ مـــدوّن رحـــلة ‘ابن بطوطة’. لا شك أن تعدد أغراض الرحلة والتنقل ضمن التراث الحضاري يعكس في مجمله سلوكا إنسانيا وحضاريا كان قد بدأ يتجذر في الثــــقافة العربــــية الاسلامية ويؤتي ثماره النافعة على الفرد وعلى المجمــــوعة من خـــــلال ما أفادت به مدونة الرحالة والجغــرافيين والمسالكيين العرب والمسلمين من تسهيل التنقّل وتحصيل مادة هامة من ثقافات الشعوب وطبائعها. ومن الواضح أن ‘ابن بطوطة’ أو ‘ابن فضـــلان’ أو ‘ابن حوقل’ أو ‘المقدسي’ على سبيل المثال وليس الحصر ليسوا الأشخاص أنفسهم بعد الرحلة كما قبلها من جهة الاستفادة والالمام المعرفي ، مثلما أن الوسط الاجتماعي الذي ينطلق منه رحالة ما لن يبقى على ما هو عليه بعد أن يعود إليه بمادته الإكتشافية. لقد ساهم الرصيد الثقافي الكامن في ذهن الرحالة في وصف الآخر ورصد أحواله وقيمه وفق خصوصيات الذات الحضارية وإحساسها بالقوة والتغلب، فلا شكّ في أن مركزية ثقافية ستوضح عن نفسها وهي تتحدث عن الآخر فتعيد صياغته وفقا لمقدمات مسبقة. فالإحساس بالتفوّق الديني والحضاري من جهة، والانتماء إلى دولة قوية من جهة أخرى عناصر جعلت الرحّالين ينتجون خطابا معرفــــيا يعبــــرون فيه عن قــــوة المسلميــــن وتميزهم عن غيرهم ولكن هذا الإيمان بالارتقاء والتفوق الحضاري لم يمنع من الإشادة بمعالم الآخر الايجابية سياسية كانت أو اجتماعية أو فنية، فالرحلة بوصفها ركنا من أركان الكتابة الجغرافية أفادت المعرفة ومدتها بمادة إثنوغرافية هامة حول موقع الإنسان في عديد المجتمعات. وبين الاحتكام الى العقل الكوني وتقبّل الآخر وعدم التأكيد على امتلاك الحقيقة من قبل خطاب الرحالة والجغرافي عموما في مسحه للعالم واكتشاف بلاد الآخرين والالمام بظواهرها الحضارية، ولد مشروع وصفي ومعرفي حقيقي لم يقدّم نفسه خطابا متفوقا يملك الحقيقة المطلقة ولم يكن مسكونا باعتبارات دينية من شأنها أن تأثر في الانتقال والنظر الى الآخر أو بالانتصار ‘للفرقة الناجية’ بشكل من أشكال الدوغمائية بالمفهوم النفسي، أو درس الآخر من منطلق اعتقاد الأنا بأنها صاحبة الحقيقة. فالخطاب الجغرافي عموما لم ير علاقة المسلمين بالآخرين علاقة توتّر ولم ينظر إلى الآخرين باعتبارهم أجناسا وضيعة دون العرب إنسانية أو ذكاء أو قدرة على التفكير فالذات الثقافية العربية الاسلامية أقرت بالتنوع الثقافي وبتعدّد الصيغ الحضارية ضمن العالم الآهل . ولذلك جلبت ‘تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار’ على سبيل المثال اهتمام عديد الدارسين والمترجمين من عرب ومستشرقين أجمعت كلها على أن ابن بطوطة هو أعظم رحالة عصره، وقد نالت هذه الرحلة اهتماما كبيرا من المستشرقين كما لقيت عناية كبيرة في ترجمتها إلى اللغات الأجنبية غربية وشرقية منذ عهد ليس بالقريب. وقد أقر الجميع بمجهود ‘ابن بطوطة’ الجبار في مصنفه النفيس ورأوا أن مدونته أوفى وأصدق ما ألفه العرب والعجم في تقويم البلدان والأمم. ومن يطلع على الرحلة بتأنّ وتمعّن يدرك أن الأخبار عن الأشخاص والمدن في مختلف مجالات الحياة صادرة عن معاينات شخصية قويت فيها الملاحظة واتضح حبّ الاستطلاع ويقظة الحواس لدى صاحبها. ولأهميتها طبعت الرحلة في العالم العربي عدة مرات، وتناولها عدد كبير من الباحثين بالدرس والتحليل لما تضمنته من مادة علمية وقصصية وتاريخية وجغرافية واجتماعية بلغت الغاية من الثراء والحيوية والطرافة. وكيف لا، والرحلات في التراث العربي نهلت من نبعين: نبع السفر والترحال الذي شجعت عليه المنظومة الاسلامية، وتألق مخيلة الجغرافي والرحالة في اكتشافه للآخر وفي اهتمامه بعادات الشعوب التي زارها باعتبارها أهم العناصر الإثنوغرافية التي لفتت أنظار الرحالة وأثرت مدوّناتهم التي كانت في الأغلب نتاجا للتّلاحم الجدلي بين الرحالة والواقع المجتمعي للشعوب الأخرى التي صادفها في دروبه. ومن هنا يتجلى أمامنا فضل الرحلة في التراث العربي والاسلامي في اسهاماتها المنظورة وغير المنظورة التي أثرت البنية الثقافية للمجتمع بما لا يحصره حصر ولا يدركه درس ولا بحث . أستاذ وباحث في الحضارة من تونس