يلوح الواقع العربي اليوم خليطا عجيبا من»سيرّايليست»[ فوق ـ واقعيّ] و»سورّايليست» [ دون الواقعي]. ولكنّ أدبنا يكاد يقف مدفوعا مصدودا إزاء هذا الواقع حيث تضرب الفوضى، ويستحكم الشكّ. واقع لو قُيِّض له كاتب مثل أستورياس أو ماركيز أو كاواباتا أو إلياس خوري وواسيني الأعرج الذين ننتظر جديدهما بعد هذا «الربيع العربي»؛ لكانت جائزة نوبل من نصيب هذا الأدب ذي التاريخ العريق.
واقع يخرج باللغة عن مألوف مداراتها، ويقف بها على أرض لم تُوطّأْ، ولا قامت معالمها؛ و»عربيّة» اليوم «عربيّات» إذ هي تراوح بين شمال وجنوب، بين لسان حضارة ولسان منفى. واقع يشرخ وحدة العالم المدرك حيث الكتابة وحدها تجلو هذا التّقطّع وتجسّمه وتوضّحه، وهي تضفي عليه بعدا فضائيّا مرئيّا يسمح بإخضاعه لترتيبات وتنسيقات فنّيّة. والكتابة تطوير لهذه السّيرورة ـ أو هذا ما نتوقّعه منها ـ أي هذا «التّصوّر الرّمزي» مقابل التّصوّر “الأيقوني» الجامد. إنّ سلطان الفنّ مثير حقّا، فالكتابة الأدبيّة مثلا لا تغيّر ما نراه ونسمعه، وما نحلم به وننساه؛ ولا هي تتشرّب ذلك فحسب، وإنّما هي تراقب أيضا الفضاء وتتحكّم فيه بقدر ما تتحكّم في مخيّلتنا ورؤانا؛ فحيال السّطور التي نضّدها الكلام وقد تقيّد وتحوّل إلى مرئيّ، ينضبط النّظر ويتخلّى عن حرّيته. والكتابة ـ من هذا المنظورـ كابح ورقيب إذ تعقل النّظر؛ ولكنّها توسّعه من منظور آخر (إبداعيّ) وتحفظ له حقّه في أن يلمح الاتّساق في “بابل الفوضى”، والأبد من ثنايا الزّمن؛ بل ربّما جعلت همّه أن يحوز الأشياء ويبسط سلطانه عليها.
وقد يقع في ظنّ القارئ المنتصر للشعر أنّني أميل إلى النثر أو أنّني أفضّل الرواية على الشعر. وقد تكون حجّته ما دأب عليه أسلافنا، وربّما كثير منّا؛ من اعتبار الشّعر ديوان العرب الأبقى، وسجلّ مآثرهم وبائد عوالمهم، و“نصّهم” الذي له من قوّة الأمر المقضيّ ـ وقد تنزّل منهم في الجاهليّة منزلة الدّين حتّى أنّهم كانوا لا ينشدونه إلاّ على وضوء كما يذكرابن سينا ـ ما جعله على تعاقب العصور يتخطّى الانقلابات الحاصلة في هيئة الشّعر زمانا ومكانا؛ ليبني هذا الحضور الزّمنيّ الكلّيّ، فيثبّت زائلا ويحوّل عابرا أو غابرا إلى حاضر أو ديمومة. والحقّ أنّ القدماء لم يكونوا كلّهم على هذا الرأي، بل نحن نقف عندهم على ما يناقضه ويباينه بالجملة. من ذلك قول أبي علي المرزوقي ـ وهو أحد واضعي نظريّة الشعر عند العرب ـ في سياق المفاضلة بين الشّعر والنّثر: «اعلم أنّ تأخّر الشّعراء عن رتبة البلغاء، موجبه تأخّر المنظوم عن رتبة المنثور عند العرب لأمرين: أحدهما أنّ ملوكهم قبل الإسلام وبعده كانوا يتبجّحون بالخطابة والافتنان فيها، ويعدّونها أكمل أسباب الرّياسة…وكانوا يأنفون من الاشتهار بقرض الشّعر ويعدّه ملوكهم دناءة.» ويذهب ابن الأثير إلى أنّ النّثر يحتاج إلى تحصيل أدوات مخصوصة، فيما يستطيع قول الشّعر من لا يعرف أدواته قطّ؛ كالسّوقة والعامّة من أرباب الحرف والصّنائع. على أنّ هذا الموقف «الطبقي» وهو ليس منزّها عن التعصّب، ولا هو بمجرّد من الهوى؛ إنّما يُدرك في سياق المكانة التي حازها النثر، منذ أن زحزح القرآن الشعرَ عن مكانته، وبدأت «الدولة الإسلاميّة» الأولى (وهي ليست داعش تأكيدا) تضع أسسها ودعائمها؛ فكانت حاجتها إلى النثر أكثر من حاجتها إلى الشعر. والمقصود بالنثرالرسائل الديوانيّة والخطب والقصص. وكان معاوية هو الذي عيّن أوّل قاصّ رسميّ له هوالقاضي سليم التجيبي، في محاولة منه لضبط عمل القصّاصين بما يلائم مصلحة الحاكم. وهذا يحتاج إلى وقفة غير هذه؛ فهناك خلفيّة «دينيّة» عميقة الغور، دفعت في هذا الاتجاه. ولعلّ أساسها اعتبار «المحاكاة» تشويها للحقيقة المثاليّة. ومن هذا الجانب كان الفنّ التّمثيليّ (الرّسم والنّحت والشّعر الدّراميّ) مستنقَصَ القيمةِ بالنّسبة إلى الحقيقة. أمّا الرواية، فيمكن القول إنّ كلّ ما فيها صحيح ما خلا الرواية كلّها. ولعلّ هذا ما يجعلها «تُعَرّف». أمّا الشعر فيُعْرَف ولا يُعَرّف.
منصف الوهايبي