ريما شري تعود السياسيون في بلدي العزيز لبنان على إستغلال أي كارثة بشرية أو سياسية أو حتى طبيعية لإلقاء اللوم على خصومهم من الطرف السياسي المعاكس’وتحميلهم’مسؤولية ما يجرى من خلل ومآسي يعاني منها دائماً، الشعب البناني المسكين. ذكرتني حادثة الأشرفية التي شهدت إنهيار مبنى بكامله على سكانه وتسببت بوقوع’27 قتيلا و12 جريحا، فيما لا يزال هناك حوالي 13 مفقوداً، بهذه’النظرية مجدداً.
ففور وقوع الكارثة، بدأت قنوات المعارضة اللبنانية أمثال الـMTV وتلفزيون المستقبل المتمثل بقوى’ 14 اذار، بالسخرية من إهمال ‘الدولة’ التي يقودها الآن ‘الحزب المعادي’ بحسب تصورهم، أي حزب 8 اذار المتمثل بقوى حزب الله وكتل الوفاء للمقاومة. هذه الدولة التي تهاجمها وسائل إعلام المعارضة بشكل شرس، لم يتم إعلانها منذ أشهر أو اعوام. والمسؤولون فيها لم’يأتوا إلى الحكم ‘قبل وقوع الكارثة بأيام، نحن هنا نتكلم عن دولة، نتكلم عن بلد’له تاريخ طويل، وليس’عن دويلات تفصلها حدود’الـ8 وألـ” اذار.’ولذلك فإن’من مصلحة قوى المعارضة ووسائل اعلامها أن لا تتبع هذا الإسلوب في التعاطي مع’هذه الكارثة، لأن تاريخ لبنان الطويل قد يفتح صفحات من دفاتر قديمة كتبتها هذه القوى نفسها حين كانت تترأس زمام الأمور في ‘الدولة’.”ثم أن هذه الدولة ‘هي الدولة نفسها التي شهدت توتراً سياسيا خطيراً’بعد إغتيال رئيس وزراء لبنان الراحل الرئيس رفيق الحريري، والتصعيد الإعلامي الذي شنته آنذاك القوى الحاكمة أي قوى 14 اذار’والذي كان له الدافع الأكبر في تأزم الوضع الداخلي للبلاد والتوتر بين أبناء شعبه. وهذه هي الدولة نفسها التي شهدت في الفترة نفسها مشاكل في المعيشة، وأنتشار في الفساد، وعجز في الميزانية’وفرص العمل وانعدام الكهرباء في بعض الأحياء،’إلخ.. لقد كان لموقع الـMTV فضل كبير في إجباري على الضحك وكان السبب الأساسي لكتابتي هذه السطور. فقد’قرأت تعليقاً من مصدرهم الإخباري’كان عنوانه ‘التدارك قبل الانهيارات’ وجاء في أحد فقراته:’لنا كل الحق في أن ننظر بعين الريبة، ما دام وزير الداخلية، نجم هذه الحكومة، يطلق اربعة مواقف حول الامن القومي وحول الملف نفسه، الاول يقول انه لا يوجد تنظيم للقاعدة في لبنان، والاخير يؤكد فيه انه اقتنع برأي وزير الدفاع حول دخول التنظيم الى لبنان من سوريا (حيناً) وكرر معلوماته بأن التنظيم يدخل الى سوريا من لبنان. وبين موقفي وزير الداخلية المتناقضين، موقفان آخران اكثر همايونية مما يمكن تخيله’.’عجزت في الحقيقة عن ربط علاقة مضمون هذه الفقرة بالكارثة التي حلت في الأشرفية كما أني فشلت في محاولاتي الأولية’كلها’بإيجاد مناسبة جيدة’لهذه النظرية الخطيرة!’ولكني أدركت في النهاية أن تحليل سبب’المناسبة هو سبب مستمر وقائم’لأي مناسبة وأي كارثة تحصل في لبنان يتم قراءتها ضمناً للتوتر السياسي الداخلي.
كما وجدت رسماً كاريكاتورياً في الموقع الإلكتروني لجريدة المستقبل التابع أيضاً لقوى 14 اذار رسم فيه الفنان قطع من البناء المنهار وأعطى إسماً لكل منها. فكتب على واحدة منها ‘المحكمة’ وعلى أخرى ‘السلاح’.’لم يكن من الصعب تحليل المقصود من هذا الرسم’فالسبب واضح وضرورة الإلتزام”بموضوع الكارثة ليس من الأولويات كما في الـMTV! لا بل يجب أن يستغل أكبروقت ممكن ‘للشماتة”في’الخصم،’وفي’الوقت نفسه ‘تسويق’ كلمات تلميحية نعرفها كلنا جيداً.”أنا بالطبع لا أحاول أن أدافع عن من يتولى الحكم في لبنان الآن ولا أحاول أن أبرئ المسؤولين عنه، ولكن من الضرورة أن ندرك ونعي أهمية وحدة الدولة وقواها السياسية أمام المصائب والكوارث التي تحل بها وليس استغلالها لإثبات أخطاء جهات معينة والتبروز بالمثاليات.
هذه الكارثة بالتأكيد كشفت الفوضى العمرانية وبينت إهمال الدولة في ضرورة’إجراء كشوفات على كل الأبنية المشكوك بسلامتها خاصة أن لبنان يحتوي على الكثير من الأبنية القديمة التي لا يعاد ترميمها’وفقاً’لصعوبة وحساسية قانون الإيجار القديم.
وبالرغم من تدارك القوى السياسية خطورة الكارثة وتكليفها الهيئة العليا للاغاثة بالتعويض على المتضررين واهالي الضحايا وإيجاد المساكن البديلة لهم، والمطالبة بإجراء’تحقيق فوري’لتحديد المسؤولين عن الخلل العمراني والإهمال في تدارك الأبنية المهددة بالإنهيار، جاء هذا كله متأخراً بعض الشيء، فالقوانين الجديدة لن تعيد النبض في قلب’هؤلاء المساكين الذين لقوا مصرعهم’جراء هذا الإهمال، كما أن تعويض أهلهم وأقاربهم بمبلغ 30 مليون ليرة لبنانية لن يشتري حياة جديدة لآن ماري عبد الكريم’التي’توفيت وهي في الخامسة عشرة من عمرها.
للأسف، يأتي الإصلاح دائماً’بعد الكارثة في لبنان، فتفقّد رئيس بلدية بيروت المكان وإصراره على’ضرورة’سن قانون حول كل الابنية القديمة للكشف عليها من قبل فرق مختصة،’وأسف وزير الأشغال العامة والنقل غازي العريضي على الكارثة وإعلانه’مرسوما جديدا للسلامة العامة للمنشآت والأبنية في كل قطاعات البناء، أصاب البعض بإحباط وغضب أكبر.’فالكثير يتساءل: لماذا لم تسن هذه القوانين والإجراءات من قبل؟ فإن كانت تسن الآن فهذا يعني أنها ضرورية وأساسية’للغاية ولا تحتمل المخاطرة بمثيل كي يتم تدارك أهميتها. ولكن للأسف، يجب أن يدفع اللبنانيون ثمن إهمال الدولة’والقوى السياسية الغير متماسكة’والتي لا هم لها سوى’السيطرة على الحكم والمحافظة على لونها السياسي في الساحة اللبنانية. ””’ صحافية لبنانية تقيم في لندن