في حب فلورنسا… مدينة بحجم الجنة

ليس دانتي وحده من يحب فلورنسا لكن هناك ليوناردو فينتشي أو مايكل أنجلو، هؤلاء الذين حرروا الشعوب الأوروبية من بشاعة الاستبداد السياسي والإقطاع الكنيسي، فالنهضة الأوروبية بدأت في فلورنسا، ولذلك أجد نفسي مضطرا لوصف هذه المدينة انطلاقا من جمالها وتاريخها، فهي بقدر ما أنها رائعة، بقدر ما أنها تنام على أحضان تراث النهضة الأوروبية، ولذلك ينبغي أن تزهو بنفسها، وتقاوم كل عابر فقد لغته في الغربة.
سأحكي متعة التجول في هذه المدينة الساحرة، كالعذراء لا تحب من يغازلها… تبدو وكأنها في عرسها الأبدي محاطة بعناية العمران، ولذلك لا يمكن لهذا العمران أن يصاب بالخراب، ما دام أن سكانه اختاروه كإقامة للروح وكمأوى لوجودهم، وكلما كانت الإقامة شاعرية، كانت المدينة فاضلة، وكان أهلها هم السعداء الذين قال عنهم الفارابي: «وهؤلاء هم السعداء لأنهم يعيشون في المدينة الفاضلة».
كل الفلاسفة يحلمون بالعيش في هذه المدينة، وابن باجة نفسه لن يكتب رسالة الوداع كما فعل مع مدينة فاس، لأنها كانت جاهلة وسكانها أشقياء لم يعرفوا السعادة ولا خطرت ببالهم، فكيف يمكن العيش في هذه المدينة التي أغضبت ابن باجة وترك مدينة الجنة التي فرح بها دانتي؟ ألا نكون من المجانين الذين يحملون على سفينة تائهة قد يكون قدرنا مثل قدر مجانين فوكو؟ وما الذي يرغمني على مغادرة مدينة الموناليزا؟ أفضل الأشياء عدم الإجابة على أسئلة هي ذاتها متألمة ولا تريد أن تستيقظ من الإغماء، وبما أن حالنا يشبه إلى حد ما أحوالها، فمن الحكمة أن نتركها تنام، ونحمل حقيبتنا ونرحل إلى أن ننزل في محطة قطار غرباء بلا مستقيلين ولا ورود. كان لي أهل استنبتهم كالأشجار وصار لهم ظل على هذه الأرض، لكن العاصفة خربتهم، وحملتهم أمواج البحر كالحطام ورمتهم فوق رمال هذه الصحراء، فأين هي فلورنسا لأعود إليها من جديد؟ أين يوجد دانتي؟ أين ليونارد دافينشي؟ أين مايكل أنجلو؟ أين ميكافيلي؟ ألم يكن أولى بهم أن أجدهم في استقبالي؟ أم أنهم لا يرغبون في الاستمتاع إلى معاناة أهل المدينة الجاهلة؟ الروح المشتركة تملك الرؤية ذاتها عن الحياة، الأذواق الفنية ذاتها، بيد أن ما تجده مهما أو عديم الأهمية يخضع لتأثير الجغرافية والعقيدة، حيث الاختلاف يصبح سطحيا، ما يشجع على المواجهة، والتنميط، إلى أن يحل الصراع، بين روح الحداثة وروح التقليد، هكذا يصبح الشيطان السياسي هو راعي هذا الصراع.

من أجل أن نتيه في فلورنسا يجب تقسيم فضاءاتها إلى أماكن مقدسة توجد الكنائس في قلبها، ومن حسن الحظ أنها تحولت إلى متاحف يسكنها العباقرة، سكنى للأرواح الفنية، ليس لها سوى الخلود للنوع الإنساني.

من أجل أن نتيه في فلورنسا يجب تقسيم فضاءاتها إلى أماكن مقدسة توجد الكنائس في قلبها، ومن حسن الحظ أنها تحولت إلى متاحف يسكنها العباقرة، سكنى للأرواح الفنية، ليس لها سوى الخلود للنوع الإنساني. في هذه الأرض لا يوجد الأموات، كلهم أحياء يحتفلون مع زوارهم بأعياد ديونيزوسية لا يستطيع الحزن أن يلمسها، لأنه عندما تكون في قلب فلورنسا تنسى الحزن لأنك تصبح ثملا بالابتهاج، وبين الحين والآخر ينتابك الشعور بالغربة، لأنك فقدت اللغة، ثم تعود بواسطة الحوار. حين تساءلت عن أحوال الفلاسفة في هذه المدينة، لم يتردد ميكافيلي بالإجابة مندهشا في هذه المدينة الغاية تبرر الوسيلة، بيد أن صعوبة اكتشاف النفس الإنسانية لهدفها، يظل هو السر في تحويل الحوار إلى صراع، والمشترك إلى تناقض، والتسامح إلى تطرف، ففي فلورنسا يتعلم الإنسان ما معنى الضيافة في حميمية هدف النفس. أيها الأموات عودوا إلينا فإن الأحياء فوق هذه الأرض قد ماتوا، ولما سمعتني فلورنسا قالت لي بصوت حزين لا أدري ما الذي وقع في هذا العالم الذي تحول فيه الإنسان إلى عدو للإنسان، فالقضاء على النوع الإنساني سيكون بالنوع الإنساني، وكأن العقيدة سكنى للموت، ومع ذلك استمر في رحلتك ولا تتردد في تفجير أسئلتك على ساحة السيدة المقدسة. يا لها من رحلة غريبة في مدينة ساحرة لا يملك سكانها سوى ابتسامة خفيفة للترحاب، وبين الحين والأخر نتبادل بعض الكلمات من قبيل أين يوجد؟ وأي طريق يؤدي إلى؟ وبمجرد ما يبدأ الحوار بمجرد ما ينتهي، لأن الزمن لم يعد زمنا للحوار فصراع الأديان مزقه، ولعل أجراس الكنائس تذكر بذلك.
في ظل هذا الحوار المستحيل، ما دام أن الأيديولوجية العمياء قد نشرت الإحساس بالخوف من الآخر، هكذا كبرت الفاشستية هنا وكبر التطرف الديني هناك، وأصبحنا لا نأمن على أنفسنا هنا وهناك، ولا أستطيع أن أخفي شعوري بالرعب من بعض العيون الحقودة التي كادت أن تلوث مذاق هذه الرحلة، فأعينهم كالحيوان المفترس لا يميزون بين الفيلسوف والعامة، ولذلك تحولوا إلى أعشاب ضارة تمنع شجرة السعادة من النمو في هذه الفضاءات المبتهجة. ومهما يكن من أمر، فإن نداء فلورنسا ما زال ينادي أصحاب القلوب اللطيفة الذين استطاعوا أن يحولوا المكان إلى مكانة، لأن المكان الذي لا يؤنث، غير جدير بالاهتمام، لأنه يحرم الروح من تلك الكشوفات التي تنقلها من مقام إلى آخر بلغة ابن عربي. قلت لفلورنسا يا سيدة البهاء أنا مضطر لمغادرتك أعرف بأنك جنة، لكن ماذا يفعل من حكم عليه بالعيش في جهنم، ينبغي أن يوجه السؤال إلى دانتي، وحده يعرف ما معنى العيش في جهنم، ولذلك اختار الإقامة الأبدية فيك ولو لم تكن جنة لما فعل، فالأثر الذي تركته أقدامي ستظل هنا، فأنا الشاهد الذي لا شاهد له، سأحمل بعض الذكريات وأتزود بها في مدينة المتوحد، كما فعل ابن باجة.
إلى اللقاء في مقام العابرين، حيث يتحول الأنا إلى أنت، والأنت إلى أنا، وتنعدم الهجرة، ويختفي كل هؤلاء المهاجرون، والفاشستيون وأشباه العلماء. ومن يدري بأنني سأعود إليك ومعي هذه الشمس التي ستشرق، ويشرق معها الأمل. فكلما كانت عميقة تلبي نداء الوجود الذي يناديها.

٭ كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية