في حديقة هاينا

حجم الخط
0

في حديقة هاينا

رشاد أبوشاورفي حديقة هاينا(الي شحادة الشهابي.. هناك في أثينا)استيقظت مبكراً، فغسلت وجهي، ونزلت الدرجات القليلة الي قاعة الاستقبال. حييت موظف الاستقبال، ثم خرجت الي الشارع. توقفت أمام الفندق علي الرصيف، وأدرت نظري في الشوارع المتقاطعة، وصوب البحر المختفي وراء الأبنية المقابلة، والذي لا يظهر منه شيء الا اذا قطعت الشارع ومشيت قليلاً، لأراه يتمدد بزرقة باهتة تحت غشاء ضبابي شفيف، ويندغم في فضاء بعيد.مشيت بضع خطوات، ثم دخلت الكافتيريا. وضعت اصبعي علي الزجاج، فهمهم مستفسراً باليونانية التي لا أعرف منها سوي كلمات قليلة:مد يده في الثلاجة الزجاجية، وأشار بأصبعه الي فطيرة التفاح.هززت رأسي موافقاً وأنا أنحني علي واجهة الزجاج، ثم وقبل أن يلفها أشرت له بأنني أريد واحدة ثانية.لفهما، وناولني اللفة، ففردت راحتي بالقطع النقدية المعدنية ومددتها اليه، فتأملها ثم انتقي قطعاً وهز رأسه مع شبه ابتسامة، وكأنه يقول: تمام.مضيت الي حديقة (هاينا) التي عرفتها أمس مساءً عندما عدت من قاعة الندوات. دخلت وجلست، مددت ساقي وتمطيت متخلصاً من كسل النوم، وبعض تعب الأمس.حضر النادل، فطلبت منه أن يحضر لي شاياً وماءً…أمضغ قضمات من الفطيرة متلذذاً ببطء،متأملاً ما حولي. فردت دفتري وأخذت في كتابة ما أراه في الحديقة: أشجار ضخمة مختلفة بعضها ينبثق عالياً في الفضاء، وبعضها يميل من ثقل أغصانه.حمام يهدل، يكرج علي الحصي المفروش علي أرض الحديقة. قطة تمط جسدها وهي تتقدم متلبدة، متهيئةً للانقضاض علي الحمامة التي تكرج بسرعة، ثم تطير مرفرفة علي علو رغم انخفاضه فانه يحميها من تربص القطة…رفعت رأسي وأنا أسمع صوتاً ولمسة علي كتفي:ـ أهذه لغتكم؟ـ نعم. أتكتبون من اليمين الي الشمال؟ـ نعم…ـ هل تقرأ لي ما كتبت؟العجوز نحيلة، وجهها لطيف، ابتسامة أليفة تضيء وجهها.قرأت لها بانكليزيتي المتواضعة: في حديقة هاينا، قطة تلعب مع حمامة، الحمامة تطير، والقطة لا تيأس، تنتظرها أن تهبط من جديد.. ماذا تقصدان؟! أمس رأيتهما واليوم أيضاً. قطة وحمامة في حديقة هاينا، تلعبان رغم أنهما ليستا من جنس واحد، ما أحلي لعبهما المسلي…ابتسمت وقالت:ـ أنت عربي؟ـ كيف عرفت؟ـ قرأت لكازانتزاكي أن العربي عاشق…ربتت علي كتفي، ابتعدت بخطي بطيئة متثاقلة. جلست مسندة يدها علي الطاولة، مركزةً نظراتها علي باب الحديقة.جلست صامتة، في وجهها وحركة جسمها وهيئتها انتظار..من البوابة دخل رجل بدين، في يده اليمني كيس، وفي اليسري مجلة…نهضت لاستقباله، اقترب وأخذها بين يديه هي الضئيلة الجسد، وجلسا يحكيان معاً في نفس الوقت.نظر صوبي ورفع يده محيياً فأحنيت رأسي وقلت له:ـ good morning رد بود:ـ good morning أخرج ما في الكيس، مد لها يده بقطعة كرواسا. كان يحكي وهي تأكل وتضحك بفرح، يبدو أنهما لم يلتقيا منذ الأمس، وربما قبل الأمس.. من يدري؟!تساءلت : ألا يعيشان معاً؟ أهمها عاشقان قديمان؟!رفرفت الحمامة وارتفعت بضربات جناحيها، والقط أخذ هيئة النمر، وانسيابية حركته، وأنا واصلت الكتابة من اليمين الي اليسار، عن أشياء في حديقة مدينة (هاينا)، في جزيرة كريت اليونانية..العجوز نهض واتجه صوبي، مد يده الكبيرة، ولفظ اسمه:ـ سقراطوس..أنا أجبته وأنا أقف : ـ رشادس…ضحك لأنه عرف أن الاس ليست من اسمي، وطلب أن يري كيف أكتب من اليمين الي الشمال، ففتحت دفتري وكتبت تحت نظراته المندهشة كلاماً عن رجل يوناني بدين في حديقة هاينا، التقي بصديقته التي أخبرته عن العربي الذي يكتب من اليمين الي الشمال، وهو يشرب الشاي ويأكل فطيرتي تفاح، ويراقب قطة وحمامة.هز رأسه وهو يقول:ـ عجيب أمر البشر، انهم يتكلمون لغات كثيرة، يكتبونها من اليسار الي اليمين، ومن اليمين الي اليسار..ـ ولا تنس يا سيد سقراطوس أن هناك من يكتب لغته من فوق الي تحت…ـ من يفعل هذا؟ـ الصينيون يا سيد سقراطوس…ـ آه الصينيون.. أنا لم أر صينياً في حياتي، سوي في السينما…وضحك حتي اهتز جسده.ربت علي كتفي، ومضي الي عجوزه التي نادته:ـ يكفي يا سقراطوس، لقد أزعجت العربي…أما العربي الذي هو أنا فقد أخذ يخربش كلمات لا صلة بينها، ثم انهمك في رسم امرأة ورجل حول طاولة خضراء، يجلسان تحت شجرة وارفة، و.. حمامة تعلو فوق رأس قط، ورأسها يميل الي الأسفل كأنها تتدلل علي القط غير خائفة منه، بينما هو ينظر اليها نظرة رجاء أن تهبط اليه لأن عنقه توجعه من شدة لويه لها.السيد سقراطوس البدين، نهض واتجه صوبي بهدوء، بوجه مرح، ومد يده بقطعة كرواسا، دون أن ينطق بكلمة تكتب من اليمين أو اليسار…من المجموعة القصصية (سفر العاشق) التي ستصدر قريباً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت.QSR0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية