في حلب الغربية كل شيء متوفر والحياة عادية…والنظام حول المدينة الشرقية للينينغراد ينتشر فيها النهب
20 - April - 2014
حجم الخط
1
لندن ـ ‘القدس العربي’: عادت أزمة مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينين جنوب العاصمة السورية دمشق للظهور من جديد، فبعد الصورة المؤثرة التي التقطتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين للشارع الرئيسي فيه وقد تدفق الآلاف للحصول على المساعدات القليلة التي جلبتها الأمم المتحدة، ها هو اليوم يعودة لصدارة الأخبار في وقت تشتد فيه الهجمة على المعقل الأخير للمعارضة السورية في حمص، والتقارير التي تؤكد تقدم النظام السوري وإن بالنقاط على المقاتلين السوريين في عدد من مناطق سوريا.
وجاء الحديث عن المخيم بعد تحذيرات أطلقتها مفوضة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية فاليري أموس حول كارثة محتومة للسكان الباقين في المخيم وعددهم 18.000 تقريبا. وتنبع محنة اللاجئين الفلسطينيين في اليرموك من استمرار حصار قوات الحكومة له ومنع دخول المساعدات الإنسانية والطبية للسكان فيه.
كارثة غير مسبوقة
وأدى هذا الوضع بالسكان إلى تناول الحشائش وما توفر لديهم من مواد قابلة للأكل. وفي تقرير كتبه مراسل صحيفة ‘أوبزيرفر’ البريطانية مارتن شولوف جاء فيه أن الطعام أو ما تبقى منه نفذ في المخيم ما يعني مواجهة السكان لخطر الجوع.
وكان هذا الوضع وراء تحذير منظمات الإغاثة الإنسانية لكارثة ‘غير مسبوقة في الذاكرة الإنسانية’. فلم يتم توزيع أي من الطرود الغذائية للسكان منذ أكثر من 10 أيام ولا يتوقع سماح القوات السورية لأي شاحنة محملة بالمواد الغذائية من دخول المخيم وهو وما دفع السكان للبحث عن أي شيء يمكن أكله أو طبخه بالماء. ويقول البعض إنهم لا يجدون الكثير حيث يستمر الحصار منذ 18 شهرا.
ولم تسمح الحكومة خلال هذه الفترة إلا لعدد قليل من الشاحنات. ونقل الصحيفة عن كريس غانيس عن المتحدث باسم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ‘أونروا’ أن ما يجري ‘غير مسبوق في الذاكرة الإنسانية بالنسبة للسكان الذين يحصلون على دعم من الأونروا وسيعانون من الفقر والجوع وهو بمثابة الصرخة لكي نقوم بالرد’.
وأضاف ‘بدون القيام بعمل هذا ستكون إنسانيتنا محلا للمساءلة’. وقال إن ما يجري في اليرموك هو ‘إهانة لنا جميعا، حيث يموت الرجال والنساء والأطفال بسبب نقص المواد الطبية في عاصمة دولة عضو في الأمم المتحدة، وهناك الكثير من الحالات عن سوء التغذية بين الأطفال المولودين حديثا والناس يلجؤون لأكل طعام الحيوانات’.
ويصف الكاتب حالة المخيم الذي كان يوما واحدا من أعمدة دعم النظام للقضية الفلسطينية حيث تحول الآن إلى ذكرى قديمة بيوته مدمرة بسبب القصف، ولا يعيش فيه إلا عددا قليلا من السكان والمقاتلين التابعين للمعارضة، إضافة لآلاف من المدنيين السوريين الذين لجؤوا للمخيم ويعيشون بين الفلسطينيين، وهم لا يحصلون على المساعدات الغذائية.
وتقول الأمم المتحدة إنها من أجل منع تعرض السكان للتجويع فهي بحاجة لكي توزع 700 طرد غذائي يوميا، وفي الوقت الحالي لم تستطع إلا توزيع 100 في اليوم منذ بداية العام الحالي، ولكن الظروف تراجعت بشكل سيء في الأسابيع القليلة الماضية، حيث توقف نقل كل المساعدات بسبب رفض النظام ومطالبته للمقاتلين داخل المخيم بالإستسلام. ولم يصل للسكان مساعدات منذ كانون الثاني/يناير رغم الإتفاق مع الحكومة السورية على السماح بدخول المواد الإنسانية بدون قيود.
ونقل الكاتب عن أبو عيسى من المخيم قوله ‘لم نحصل على أي شيء، لا طعام ولا مال ونحن نشارك الحيوانات في طعامها بالعيش على الحشائش التي نجمعها من الحديقة، ولا يسمح الجيش السوري بدخول شيء حتى يرحل المقاتلون عن المخيم، ويرفض هؤلاء المغادرة ونحن عالقون بينهم، عندي ثلاثة أولاد، وهم يريدون مغادرة المخيم بأي وسيلة، ووعد مهرب بإخراجهم من المخيم ومن ثم إلى خارج سوريا ولكنهم اعتقلوا عند أول حاجز للجيش ولم أسمع منهم منذ ذلك’.
تجويع منظم
ومع تكشف أزمة اليرموك، تظهر وثائق الأمم المتحدة أن نظام الأسد يستخدم سلاح التجويع بشكل منظم وتؤكد في هذا ما تقوله المعارضة، بحسب وثائق حصلت عليها مجلة ‘فورين بوليسي’ والتي تتابع نجاح برنامج الغذاء العالمي في إيصال المساعدات إلى المناطق التي تتعرض للتجويع خلال الشهرين الماضيين، ومنذ صدور قرار مجلس الأمن الذي طالب كافة الأطراف في الحرب بتسهيل وصول المساعدات الإنسانية للمناطق المحاصرة.
وتظهر أيضا أن موادا غذائية وصلت المناطق المحاصرة أكثر مما وصلت إليها قبل صدور القرار، فيما استمرت بقية المناطق التي تسيطر عليها المعارضة بمعاناة نقص في المواد الغذائية، خاصة البلدة القديمة في حمص والتي تتعرض لهجمات وقصف مستمر منذ 6 أشهر أو يزيد.
ويقول شولوف إن البلاد كانت تتوفر فيها المواد الغذائية والمياه وبكثرة قبل الحرب، لكن المناطق البعيدة عن الحدود التركية والأردنية واللبنانية خاصة تلك التي تعتمد على دعم النظام هناك تقارير تتحدث عن قلة في المواد الغذائية، وتشمل هذه مدينة حمص. وهناك إشارات عن ارتفاع في حالات سوء التغذية في الأشهر القليلة الماضية. فبحسب الأرقام التي قدمتها أموس لمجلس الأمن فهناك 240.000 مدني محاصرين في كل أنحاء سوريا ومعظمهم لا يحصل على شيء للنجاة في ظروف الحرب.
ويضيف الكاتب إن الحرب في سوريا تتميز بالأرقام المذهلة، ففي العام الرابع منها هناك أكثر من 9 ملايين شخص وهم بحاجة إلى مساعدة إنسانية مستمرة، وهناك 9 ملايين من المشردين في داخل وطنهم، فيما فر مليونان إلى دول الجوار، ويضاف إلى هذه الأرقام أكثر من 150.000 شخص قتلوا منذ اندلاع الحرب التي دمرت معظم مدن البلاد.وخلال الأزمة قامت الأمم المتحدة بتوجيه عدد من النداءات لإغاثة اللاجئين والمشردين السوريين إلا أن مجلس الأمن لم يكن قادرا على تشكيل الأحداث بسبب الموقف الروسي الداعم لنظام الأسد وإلى حد قريب الموقف الصيني. ويقول غانيس إن مجلس الأمن تبنى موقفا متشددا من سوريا بعد وفاة مئات من الأشخاص بسبب استخدام النظام للسلاح الكيميائي ‘ونأمل بقيام المجلس بتبني نفس الشدة في وضع يواجه فيه الآلاف من تهديد الجوع ونقص التغذية’.
تدمير مناطق المعارضة
ويكتب شولوف عن أثر حملة البراميل المتفجرة المدمرة على السكان حيث ينقل عن سكان في منطقة حلب الشرقية حديثهم عن روتين الحياة اليومي الذي يعيشون فيه وعندما تلقي الطائرات هذه القنابل البدائية حيث يلجؤون إلى الطوابق الأرضية ‘نجلس وننتظر’.
ولا تقتصر حملة القصف الوحشية على حلب فقط بل ويقوم بها النظام وبدون توقف في كل أنحاء البلاد. وخلفت الحملة وراءها أرضا خرابا. ويقول ناشطون إن نسبة 60% من شرق حلب قد دمر في الأشهر الماضية، مع أن الدمارسابقا كان بسيطا. ويختلف الوضع في حلب الغربية عن جزئها الشرقي المدمر.
فهذا الجزء من المدينة والذي لا يزال خاضعا لسيطرة الحكومة لا يبدو أنه يعاني من حالة حرب، فالحياة اليومية تسير بشكل اعتيادي، دون أن يتعرض سكانه للجوع أو الحرمان ولا بيوته للقصف.
ويتوفر الطعام والمواد الغذائية فيم لا تنقطع الكهرباء عن أحيائه وهي التي أصبحت بمثابة هدية يطلبها سكان الحي الشرقي الذين يعيشون في الظلام. ويضيف شولوف أن سوريا بعد 4 أعوام من الحرب منقسمة الآن بين ‘من يملك’ و ‘من لا يملك’، فمن يعيش في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة لا يشعر بالحرمان، أما من بقي في مناطق المعارضة فهو في معركة يومية من أجل البقاء.
وبعيدا عن حلب، ففي المناطق الجنوبية في حمص وتلك المحيطة بدمشق فالكارثة ليست تدميرا ولكنها نابعة من التجويع، فالناس بحاجة ماسة للطعام، خاصة مخيم اليرموك والبلدة القديمة في حمص التي وصلت فيهما الكارثة الإنسانية درجة غير مسبوقة.
ومن يرغب في الهروب إلى المناطق التابعة للحكومة لكي يحصل على الطعام فهو يواجه خطر الإعتقال والإختفاء كما حصل مع أولاد أبو عيسى الثلاثة. وبحسب تقرير الأمم المتحدة الذي حصلت عليه مجلة ‘فورين بوليسي’ فقد زاد عدد الذين وصلتهم مساعدات برنامج الغذاء العالمي من 3.7 مليون شخص إلى 4.1 مليون بسبب فرار الكثير من السكان إلى مناطق الحكومة التي تسمح لبرنامج الغذاء توزيع المساعدات فيها.وتظهر ممارسات النظام أن التجويع صار سلاحا لإجبار السكان على الإستسلام وهذا واضح في البلدة القديمة في حمص التي لم يتوقف القصف عليها، وفي دمشق وحماة نظرا لاتفاقات التهدئة ووقف إطلاق النار التي تمت بين الجيش واللجان المحلية بأنها أشبه ما تكون بالإستسلام. فقد سمح بإدخال المواد الغذائية للسكان بعد موافقتهم على رفع علم الحكومة. ولولا الحاجة والتعب والجوع لما وافقوا على رفعها.
كما ونجحت سياسة التدمير التي يقوم بها النظام في ساحات المعارك فقد حول بمعونة كتائب أبو الفضل العباس الشيعية العراقية شرق حلب إلى لينينغراد، وحدث هذا في الوقت الذي انشغلت فيه المعارضة في قتال الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).
ومع أن المعارضة نجحت بدحر داعش ومقاتليها من حلب وإدلب إلا أن الثمن كان باهظا حيث قتل في المواجهات أكثر من 2.000 مقاتل.
وملأ الفراغ الذي تركته داعش أمراء الحرب وعصابات المجرمين الذين نهبوا وسرقوا، ويعتبر النهب الآن حالة عامة في شرق حلب لا يمكن لقوات الشرطة التي لا تملك المعدات ولا العناصر الكافية لمواجهتها. ونقل الكاتب عن ضابط قوله ‘ماذا نفعل، نحن قوات عسكرية. لم نكن قادرين على تأمين حلب، فالناس لا يأتون إلينا عندما يرون أن بيتا يسرق إلا في حالة كونه بيتهم، كما لا توجد لدينا الأعداد الكافية لملاحقتهم’.
ويقول سكان إنهم محاصرون في بيوتهم لعدم توفر المال الذي يمكنهم من الهرب إلى تركيا كما في حالة أحمد فؤاد (30 عاما) من حي المياسة والذي يقول ‘عندي 3 أولاد، كيف سأنفق عليهم، وأحسن شيء هو البقاء في بيتنا والموت فيه’.
ويضيف ‘نعم، أنا خائف، وهناك الكثير من اللصوص هنا الذين يسطون على البيوت في الليل’. ويقول محمد الأحمد (65 عاما) ‘ قتلت طائرة إبني الذي كان يعمل سائق سيارة وكان في جيبه 20.000 ليرة سورية، لا أستطيع ترك أبنائه السبعة، لا أستطيع أن أغادر البلد، حياتنا بيد الله والأمور مثل هذا منذ بداية الحرب’.
ومن بقي في حلب الشرقية يختبئون في الملاجيء الأرضية ويتحلقون حول أضواء الشموع ويسحبون الماء من بئر المسجد ولكن الحرب تلتقطهم واحدا إثر الآخر. ويقول طبيب يعمل في مستشفى قريب ‘كل يوم أعالج ما بين 30-40 جريحا ونتلقى مئات الجثث’.
ويضيف ‘نفعل ما يمكننا فعله ونرسل البقية إلى تركيا، ليس لدينا الطاقم الطبي الكافي هنا’. ولم تتوقف الحرب بالنسبة للكثيرين الذين يذهبون لساحات المعارك بحس من التسليم، حيث يقول أحد قادة لواء التوحيد ‘الحرب لم تنته بعد’ و’لكنها في غرفة الإنعاش’.
ويقول الكاتب إن كتيبة لواء التوحيد التي كانت من أقوى الفصائل المقاتلة في الشمال تعاني من تشرذم وانقسام أثرعلى قدرة قادته ضبط المقاتلين. ولكن القيادي يقول ‘صحيح، الوضع صعب لكن النظام لا يستطيع الإنتصار’.
و’هذه المأساة فأي انتصار يحققه أي طرف سيكون ثمنه باهظا’. وبعيدا عن حلب للشرق على شواطئ المتوسط إستطاع المقاتلون السيطرة على بلدة تسكنها غالبية أرمنية في منطقة اللاذقية، بلدة كسب، وقام أحمد الجربا، زعيم الإئتلاف الوطني بزيارة ساحة المعركة.
وبعد أيام من زياته هناك يتساءل الكثيرون عن أهمية السيطرة على بلدة لا أهمية استراتيجية لها، ويقول عنصر في كتيبة شهداء سوريا ‘يعلنون عن أي نصر كان’ و’هذا هو حال الحرب’.
حاجة صبي سوري متسول
بعيدا عن الجوع والخوف والقصف في سوريا هناك أعداد لا تحصى من الصبيان والأولاد السوريين الذين أجبروا على احتراف التسول في أماكن اللجوء التي هربوا إليها.
وفي العاصمة اللبنانية حيث ترفض الحكومة إقامة مخيمات لهم فصورة المتسولين من السوريين لا تخفى على المارة حيث ينتشرون في شوارعها. ولا يجد الفتيان المعاملة الجيدة خاصة أمام المطاعم والنوادي الليلية والحانات. وتشير روث شيرلوك مراسلة صحيفة ‘صاندي تلغراف’ البريطانية إلى الولد خالد (11 عاما) حيث كان يتسكع وحده في الساعة الثانية صباحا ويتحرك بين الجموع من المدخنين والثملين ممن خرجوا لتوهم من الحانات والمراقص، وبصوت لا يكاد يسمعه أحد بسبب الموسيقى الصاخبة، نادى خالد على الناس ‘الله يخليكم ساعدونا’، فكان رد المعظم إدارة ظهرهم له أو إبعاده عنهم.
وتقول شيرلوك إن عائلته لن يكون لديها ما تأكله لو لم يحصل على ما يكفي، ولهذا ينهي عمله عندما تفرغ الحانات من روادها أي في الساعة الرابعة صباحا حيث يسرع للنوم لساعات قليلة في زاوية تقع تحت محطة حافلات بيروت المركزية. وتضيف أن خالد هو واحد من الكثيرين الذين تحولوا لمتسولين لعدم استطاعة عائلاتهم تأمين احتياجاتها اليومية بعد فرارها من سوريا. وفي بعض الحالات أصبح الأولاد وتسولهم المصدر الرئيسي للرزق. ويعيش في لبنان أكبر تجمع من السوريين في العالم حيث يبلغ عددهم مليون نسمة تقريبا وبدون مخيمات أو بنى تحتية تساعد على استيعابهم.
وبسبب ارتفاع تكاليف المعيشة في لبنان وإيجارات البيوت فقد اضطرت العائلات لوضع أبنائهم في الخدمة مبكرا وتشغيلهم حتى تواصل البقاء.
وتشير إحصائية لمنظمة الطفولة العالمية ‘يونيسيف’ أن واحدا من بين كل 10 أطفال سوريين يعملون في مناطق اللجوء التي هربت إليها عائلاتهم. ونقلت الكاتبة عن جولييت طعمة التي تعمل مع اليونيسيف ‘لدى لبنان أكبر عدد من اللاجئين السوريين، وهناك أكبر نسبة من الأطفال السوريين العاملين في الشوارع’.
وكل هذا بسبب ‘نفاذ توفير العائلات وعدم توفر المال ولهذا تقوم بإرسال أبنائها للعمل’، ونتيجة لهذا فهناك جيل كامل من الأطفال السوريين ممن لا يذهبون للمدارس ‘وأحد مظاهر قلقنا أن الأطفال الذين يعملون يخسرون فرصة الذهاب للمدرسة’.
أجبروا على التسول
وتتنوع المجالات التي يعمل فيها الأطفال فمنهم من يعمل في المزارع، الحقول والمصانع حيث يحصلون على أجور زهيدة. ومع تزايد مصاعب الإقتصاد اللبناني وزيادة نسبة أعداد العمالة اليدوية فقد أجبر الكثير من الأطفال على احتراف مهنة التسول حيث يتجولون في شوارع العاصمة على أمل جمع ما يكفي لطعام اليوم.
ولم يحترف هؤلاء الأطفال التسول في حياتهم أبدا، فقد كان يعيش خالد قبل الحرب في بيت كبير وسط محافظة إدلب مع أخته ووالديه، وكان يقضي وقته في المدرسة ويلعب من أقرانه. ويقول خالد ‘لم أكن أحب المدرسة، لكنني أحببت زملائي حيث كنا نلعب على الكمبيوتر أو كرة القدم’.
وأجبرت العائلة على الهرب إلى مدينة طرابلس شمال لبنان عندما هاجم المقاتلون المنطقة القريبة من بيتهم. ولم يستطع والده الحصول على عمل، أما والدته المصابة بمرض السكري فبقيت في البيت للعناية بشقيق خالد المولود حديثا. في الشهر الماضي عانت العائلة من مأساة حيث أطلق قناص النار على والده عندما ذهب إلى سوريا كي يحضر بعض الطعام ‘ذهب إلى سوريا لأننا كنا جائعين’.
وبسبب الحاجة الماسة يركب خالد الحافلة يوميا من طرابلس إلى بيروت حيث يعمل طوال اليوم والليل ويحصل على 20.000 ليرة لبنانية ‘أعطي كل ما أجمعه لأمي، في مرة لم أجمع شيئا، لم تضربني ولكنها اقترضت مالا حتى استطيع السفر إلى بيروت’.
ويقول خالد إنه يتسول لأنها أحسن من بيع العلكة ‘حاولت أن أكون ملمع أحذية لكنني لم أحبها، تتعب نفسك من أجل لا شيء، وتحصل على 250 ليرة لبنانية’، وحتى مع التسول فأكثر مرة حصل فيها على مبلغ كبير كانت عندما أعطاه أحدهم مبلغ 5 دولارات مرة واحدة.
انتهاكات
وتصف الكاتبة خالد بالولد الذي لا يفترق عن أي ولد في جيله لكن ما يميزه هو أن كل السعادة والبهجة نزعت منه وحل محله حزن عميق. وليس لخالد سوى رفيق واحد اسمه أيضا خالد وهو لاجيء سوري يعمل ملمع أحذية، وينام في نفس المكان تحت محطة الحافلات على قطع الكرتون.
ويقول خالد إن هناك 10 أولاد ينامون في المكان بعضهم يلمع الأحذية أو يبيع العلكة أو الورود أو يتسول. وتقول إن منظر الأولاد الذين يبيعون ويتسولون لا تخطئه العين،حيث يقفون لساعات تحت الشمس الحارة ويتوزعون على التقاطعات أو خلف الحافلات والمقاهي. وفي بعض الحالات تعتقلهم الشرطة وترميهم في السجن ثم تسلمهم لمركز ‘بيت الأمل’ حيث زاد عدد نزلائه من الأطفال السوريين كما يقول ماهر طبراني مدير المركز والذي أضاف أن أسرة المركز لم تعد تستوعب القادمين الجدد. ويقدم المركز العناية للأطفال ويوفر لهم فرصة للدراسة.
ويعاني كل الأطفال من المشاكل النفسية. ويقول طبراني ‘انسي ما يجري في سوريا، ففي لبنان يضرب الأطفال (السوريون) ويباعون للعمل في الدعارة ويجبرون على بيع المخدرات، ويقوم بعض الآباء بتأجير أبنائهم الصغار للمتسولين الكبار الذين يعرفون أنهم سيجمعون مالا أكثر إذا كانوا يحملون أطفالا’. ويقول إن ثلثي الأطفال ممن أحضروا للمركز تعرضوا للإنتهاكات الجنسية وتم بيعهم لممارسة الجنس ‘بدولار أو دولارين’. وفي أحيان أخرى يقبل أباء اغتصاب أبنائهم مقابل بعض المال.
ولأن المحاكم اللبنانية ليست مهيأة للتعامل مع هذه الحالات فتأتي العائلات إلى المركز وتتسلم أبناءها وفي اليوم التالي يعودون إلى الشوارع.