د. محمد غرناط
يلاحظ القارئ في الدراسات الأدبية والنقدية التي كتبت في المغرب العربي حول الفن القصصي أنها تتعرض الي خصائص كثيرة مشتركة تجمع بين نواح متعددة تاريخية وفنية وثقافية. واذا كانت هذه الدراسات تتفق علي صعوبة تحديد مسار تطور القصة القصيرة وتحديد مراحلها من حيث النشأة والتطور والاتجاهات، فانها تؤكد علي وجود عناصر توحد بينها في الوقت الذي تعمل فيه علي تجاوز هذه الصعوبات وتحاول رسم خارطة لتاريخ القصة القصيرة. فهذه العناصر التي نعثر عليها عند أحمد اليابوري، عبد الكريم غلاب، أحمد المديني، نجيب العوفي.. نجدها عند خليفة الركيبي في دراسته عن القصة الجزائرية القصيرة، وعند محمد صالح الجابري في دراسته حول الأدب التونسي وغيرهما.
ومن المظاهر المشتركة في الدراسات والأبحاث أنها تربط نشأة الفن القصصي بالحركة الوطنية التي أخذت علي عاتقها تجديد مظاهر الحياة سياسيا وثقافيا، الأمر الذي كان له أثره علي الحياة الأدبية في الأقطار المكونة للمغرب العربي الكبير، وهيأ للأدب ظروفا جديدة سمحت بنشوء أنواع أدبية جديدة، كما سمحت بتجديد أشكال أدبية أخري كانت معروفة في الثقافة العربية كالشعر والمسرح. واذا كان هذا العامل يعد مشتركا بين دول العالم العربي فان ما تتميز به أقطار المغرب العربي هو تزامن ظهور هذه الحركة بفضل ما عرفته من تنسيق علي مستوي قياداتها وأعضائها البارزين. ولهذا شكلت المنطلق الفعلي لحركة التحديث في المجال الأدبي كما في مجالات أخري، مما ترتب عنه حركة تجديدية واسعة في ميدان الأدب بمختلف أشكاله، ومن أبرز هذه الأشكال شكل القصة القصيرة الذي رافق تطور الحركة الوطنية في هذه البلدان وعكس بصورة جلية مشاكلها وعبر عن طموحاتها في اطار خدمة ما هو وطني علي المستوي الفني. وتشير الدراسات التي تناولت هذا الموضوع الي مظهر آخر مشترك بين أقطار المغرب العربي، ويتعلق الأمر بالوعي الأدبي الذي كان سائدا لدي شعوب المنطقة. فالنظرة التي كانت سائدة هي نظرة تحط من شأن القصة كلون أدبي وتعتبرها فنا دونيا. وقد كان للفقهاء والعلماء المحافظين دور في سيادة هذا الوعي وانتشاره بين الناس الذين عزفوا في البداية عن تلقي هذا اللون الابداعي، ولم يتمكنوا من تجاوز هذا العائق الا في الوقت الذي نجح فيه الكتاب من تطوير آليات التواصل مع القراء الذين ارتقي وعيهم وادراكهم لمفهوم القصة ولوظائفها الفنية والاجتماعية. وهذه الحقيقة يؤكد عليها الدارسون ويعتبرونها من الصعوبات التي اعترضت الفن القصصي في مراحله الأولي، بل اعترضت أيضا محاولات التجديد في مناحي الحياة الأدبية والثقافية الأخري. ومن القضايا التي يثيرها الباحثون في دراسة الفن القصصي بدول المغرب العربي قضية أساسية أخري يكاد أن يكون التاريخ الذي يؤطرها واحدا، وهي قضية الاتصال، من ناحية بالمشرق العربي، ومن ناحية أخري الاتصال بأوروبا. فالدراسات والأبحاث الأدبية تجمع علي السبق الذي حققه المشرق في هذا المجال لأسباب تاريخية محددة. وكان لاتصاله المبكر بالحضارة الغربية أثر واضح في تحقيق تطورات هامة في مجال الكتابة القصصية منذ المنتصف الثاني للقرن التاسع عشر.
أما دول المغرب العربي التي تأخر فيها نشوء هذا اللون من الكتابة فانها جميعا أفادت من تجربة المشرق من خلال الاطلاع علي تجاربه في هذا النطاق. واذا كان هذا الاتصال تختلف درجاته من قطر الي آخر، فالمؤكد أنه تحقق فيها جميعا وحقق أهدافه وظهرت نتائجه في كل الأقطار المكونة للمغرب العربي. وقد انطلقت هذه الحركة مع شعراء الحركة الوطنية كحركة ذات تنظيم قائم علي مبادئ فكرية وفلسفية واضحة، وهو ما تحقق بالمغرب الأقصي منذ أوائل الثلاثينيات، الفترة التي تعتبر في تاريخ المغرب المعاصر الانطلاقة الفعلية لحركة التحديث والتجديد علي المستوي الثقافي وأيضا علي المستوي السياسي، وهما خطان متوازيان في النشاط الوطني الذي عرفه المغرب كما عرفته أقطار المغرب العربي خلال القرن العشرين.
ومن جهة أخري انفتحت هذه الدول علي الغرب، واستفادت من نماذجه الأدبية والثقافية وما تحقق فيها من تطور. وقد كان لهذا الاتصال دور أساسي في النهضة الثقافية عامة، وفي نشأة وتطور الفن القصصي في بلدان المغرب العربي الكبير بصفة خاصة. وهذا عامل مشترك يطرحه دارسو فن القصة في هذه الأقطار. وفي هذا السياق، تشير الأبحاث الي ظاهرة مشتركة تتمثل في التأثير الواسع للغة الفرنسية التي عمل الاستعمار علي نشرها ضمن سياسته التعليمية الاستعمارية وكان من نتائج هذا الثأتير أن نشأ اتجاه في الكتابة القصصية توسل اللغة الأجنبية في التعبير. وفضلا عن هذا تسبب في نشوء صراع لغوي محتدم بين اللغتين العربية والفرنسية، مما دفع بالوطنيين الي انتهاج أساليبهم الحمائية لصون اللغة العربية. وكانت حظوظ النجاح متفاوتة في ما تحقق من نتائج لخدمة اللغة العربية، وبالتالي الثقافة والأدب العربيين بالمنطقة. وفي هذا الباب، لا بد من الاشارة الي ما تؤكده الأبحاث أن دور المشرق العربي، خاصة مصر في هذه المرحلة، كان قويا بحيث ساهم مساهمة فعالة في اغناء ثقافة وفكر وأدب المغرب العربي عبر وسائل اتصال مختلفة: كتب، مجلات، بعثات.. وعبر كتاب ومفكرين مرموقين كطه حسين، العقاد، المنفلوطي، جبران، نعيمة.. وغيرهم. ونضيف الي المظاهر السابقة مظهرا آخر تناولته هذه الدراسات، وهو ظهور الصحافة في دول المغرب العربي. فقد نشأت الصحافة في ظروف مماثلة، وعانت خلال الاستعمار من مشاكل واحدة ورسمت لنفسها أهدافا مشتركة. فالصحف التي ظهرت خاصة باللغة العربية عملت علي نشر الوعي والتحسيس بالقضايا الوطنية. كما عملت الي جانب ذلك علي تحديث الميدان الثقافي والأدبي. ولعل من أهم ما حققته الصحافة في هذا السياق هو تطويع اللغة العربية وتجديد الأسلوب النثري وفق ما تقتضيه الكتابة الصحافية التي تتوجه بخطاباتها الي قطاعات عريضة من القراء تختلف مستوياتها الثقافية. وكان لهذا ثأثير له أهمية قصوي علي الفن القصصي في نشأته بالمغرب العربي، علما بأن الصحف في هذه البلدان كانت تعاني من منافسة قوية من الصحف التي أنشأها الاستعمار، أو الصحف الموالية له والتي أسسها التابعون له والمدافعون عن مصالحه ضد الوطن ومكوناته ورموزه. وعلي الرغم من ذلك ومن صعوبات أخري يثيرها الباحثون فقد تمكنت الصحافة من المساهمة في تحقيق نهضة أدبية تطورت مع تطور العمل الصحافي في أقطار المغرب العربي. وهذا ما نلاحظه مثلا في التجربة التونسية، بحيث أنه منذ أوائل الثلاثينيات أخذت الصحف تنشر نصوصا قصصية موضوعة أو مترجمة، بل ان احدي الصحف (وهي العالم الأدبي) أسسها المثقف التونسي زين العابدين السويسي خصصت سنة 1932 عددا خاصا بالفن القصصي والروائي ابداعا ونقدا وتنظيرا. وكذلك في المغرب، فقد استطاعت الصحافة رغم المضايقات التي لاقتها من قبل الاستعمار أن تؤسس لنفسها اطارا وتوجها محددين استطاعت من خلالهما منذ أواسط الثلاثينيات، وعلي امتداد العقود التي تلت، أن تقدم للأدب والقصة القصيرة خاصة خدمات كبري كمجلة السلام للفقيه محمد داوود، و رسالة المغرب التي أسسها حزب الاستقلال، وغيرهما من المجلات التي كونت العناصر الأولي للنهضة الأدبية والفكرية في المغرب.
والي جانب هذه العناصر نشير الي عنصر آخر ضمن هذه العناصر المشتركة، وهو عامل الترجمة. فدول المغرب العربي عرفت حركة ترجمة اتسعت تدريجيا وشملت شيئا فشيئا الفن القصصي. وعلي غرار ما حدث في الشرق العربي، بدءا من لبنان وفلسطين الي مصر وسورية والعراق، فان الأقطار المكونة للمغرب العربي بدورها عرفت حركة ترجمة للأعمال الأدبية القصصية، اضافة الي ما اطلعت عليه من نماذج مترجمة وافدة من الشرق أسهمت في تطوير الوعي الفني بخصائص الابداع القصصي. ومن ناحية أخري وجهت قراء الصحف الي الاهتمام بهذا النوع الأدبي والاقبال عليه في شكله وصيغته الجديدة ومعرفة أهميته ووظائفه. ومعلوم أن الترجمة شملت أنواعا أدبية أخري خاصة الأعمال المسرحية التي بدأت في المشرق في العقد الأخير من القرن التاسع عشر مع ترجمة مسرحيات لفولتير وشكسبير وموليير، وفي نفس الوقت ترجمة الأعمال القصصية والروائية التي بدأت مع جيل الرواد كسليم البستاني، كما شملت حقولا ثقافية وفكرية أخري. وقد كان لهذه الترجمات بدورها آثارها في ترسيخ مفهوم القصة القصيرة والوعي بآلياته الفنية والأسلوبية مما فتح منذ وقت مبكر آفاق التطور للفن القصصي.
ان هذه العناصر وعناصر أخري، ابداع، لغة، دين، تاريخ، جغرافية.. نجدها عند معظم الباحثين وهم يطرحون قضايا تتعلق بنشأة الفن القصصي في أقطار المغرب العربي. وهي عناصر تعكس علي هذا المستوي التقارب القائم بين هذه الأقطـــار وعن المشترك الحضاري والتاريخي بينها علي الرغم مما نلاحظه من خصائص قد تميز هذا القطــــــر عن الآخر، أو هذا الكاتب عن كاتب آخر، غير أن الجوهر يبقي مشتركا ومتقــــــاربا كما نلاحظ من خلال عدد كبير من الأبحـــــاث التي تناولت هذا الموضوع، ليس فقط علي المستوي الذي عرضنا له، وانما أيضا علي مستويات أخري من تطور الكتابة القصصية أو الكتابة الأدبية بصفة عامة.
كاتب من المغرب