قد لا نبالغ إذا قلنا إن محمود درويش (1942- 2008) أكثر الشعراء العرب المعاصرين حظوة لدى الباحثين والدارسين والنقدة. فقد تضمن الكتاب الصادر في بيروت 2013 بعنوان «محمود درويش شعر الأيديولوجية وأيديولوجية الشعر» لشكري عزيز الماضي ثبتا بالكتب والدراسات والرسائل الأكاديمية، التي كتبت أو نشرت عن شعره فبلغت ثلاثة وثمانين عنوانا. ولا ريب في أن هذا الثبت غير دقيق، فثمة دراسات وكتب لم تتح للمؤلف فرص الاطلاع عليها، ولم تقع بين يدي تلميذته بيان عمرو التي – بلا ريب – بذلت جهدا كبيرا في لملمة ما كتب عنه، إلا أن المهمة التي انبرت لها من أصعب المهمات، لأن الأبحاث والدراسات والإصدارات تتوالى عن الشاعر من غير توقف، فكيف يمكن حصرها وضبطها في هذا الثبت أو في غيره؟
يأتي إذن كتاب الشاعر الروائي الناقد الأكاديمي إبراهيم السعافين، الموسوم بعنوان «شعر محمود درويش تحولات الرؤية.. تحولات اللغة» (دار الشروق، عمان ـ 2018) بعد كل هذه الدراسات ليضيف جديدا لما كتب عن شعر درويش، الذي يصدق عليه الوصف مالئ الدنيا وشاغل الناس. فشعره منذ ديوانه الأول «عصافير بلا أجنحة» 1960 مرورا بـ»أوراق الزيتون» 1964 و»عاشق من فلسطين» 1966 حتى المجموعة التي صدرت بُعيْد رحيله بعنوان «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي» 2009 شغلت الدارسين والباحثين، فغدا من الصعب إن لم يكن من العسير جدا على الدارس أن يأتي بما يضاف لما سبق.
وقد جاء كتاب السعافين كتابا ضخما (356 صفحة) كعادته في تفضيل الكتب الكبيرة على الكتيبات الصغيرة الموجزة. ولأن دواوين محمود درويش المنشورة قاربت الـ26 ديوانا، فقد كان المتوقع أن يضم الكتاب 26 فصلا وفق نواياه، وهي تخصيص فصل لكل ديوان، غير أن عدد الفصول الفعلي في الكتاب 22 لأنه آثر، في بعض الأحيان، جمع ديوانين في فصل واحد، كجمعه ديوان «العصافير تموت في الجليل» 1970 و»حبيبتي تنهض من نومها» 1970 في الفصل الخامس. وقد يعزى ذلك لكون الديوانين صدرا في سنة واحدة. وفي الفصول جميعا يتبع المؤلف خطة موحدة تتكرر فصلا تلوَ آخر. وتقوم هذه الخطة على رصد المؤلف لتحولات اللغة الشعرية من مجاز، وصورة، وأسلوب، ومن معجم، وتركيب، ومن تناصٍّ ديني، وثقافي، وتاريخي، وأسطوريٍّ وشعبي.. ومن مستويات اللغة، والإيقاع، وتوظيفه للمأثورات، راصدًا في الأثناء تحولات الرؤية على ضوء التجربة الشخصية، والإنسانية، والوجودية.
وقد أضاف المؤلف إلى هذه الفصول مقدمة، ومدخلا ، فأما المقدمة، فقد شرح لنا فيها حوافزه التي دفعت به دفعا لتصنيف هذا الكتاب، ونشره، بعد سنوات من الانكباب على عطاء الشاعر، وقراءته، ودراسته، وتحليله، ورصد ما فيه من تحولات في الرؤية، وفي اللغة، مذكرًا بإحسان عباس الذي قضى أربعًا من السنين في تأليف كتابه عن بدر شاكر السياب حياته وشعره 1969. وأما المدخل فعرض لنا فيه لعلاقة الشعر بالفكر، فالشعر ـ أيا كان النوع الذي يندرج فيه من غنائي، أو تأملي، أو فلسفي، أو قصصي، أو درامي – لا ينفك قطْعًا عن تصويره رؤية الشاعر للواقع، وهي، بلا ريب، رؤية تشفُ عن مواقف أيديولوجية تجاه القضية، أو القضايا التي هي هواجس الشاعر، وقلقه، الذي لا يفتأ يوحي إليه بالكثير من الإيحاءات، والظلال.
ففي «عصافير بلا أجنحة» 1960 تبدو رؤية الشاعر غضَّة، فِجّة، كأنها محاولاتٌ ينقصُها النُضج. ولكنها ـ مع ذلك ـ لا تخلو من قدرات كامنة تعد بالانطلاق، والتحليق، بلغةٍ تدعُ المباشرة إلى لون من الإيحاء، والإيماء، الذي يجنح بالشعر نحو التصوير، والرمز، في تعبيره عن الواقع، وعن الكون، وعن الوجود. أما «أوراق الزيتون» 1964 فقد زايلته فيه الرومانتيكية، التي غلبت على الديوان السابق، وتجلى الغضبُ في صوت الشاعر المقاوم، والمُتحدي، بل الثوري الحالم، الأكثر وعيًا، مثلما يقول درويش عن نفسه، في «ذاكرة للنسيان» والأكثر لصوقا بالماركسية في ما يؤكد المؤلف.
نقرأ الفصول فلا نعثر على عنوان واحد يرشدنا لما يقال عن واحد من هذه الألقاب الفنية، والكيانات الشعرية. فلا نعثر- لا دائما، ولا نادرا- على مبحث مستقل عن المجاز أو الصورة أو الإيقاع أو الأسطورة أو الأسلوب استقلالا عن غيره، لذا تبدو الفصول للقارئ متشابهة كثيرا من هذه الزاوية.
وفي «عاشق من فلسطين» 1966 يرصد المؤلف ما سبق لغيره – رجاء النقاش مثلا- أنْ رصدوه من دلالات الارتباط بالأرض، وبالحياة اليومية للإنسان الفلسطيني، وبثقافته الشعبية التي عبّر عنها بعبارات مجتزأة يخاطب بها عدوَّه. ويرى السعافين ـ كغيره- أن في ديوان «آخر الليل» 1967 قصائد شهدت المزيد من التحولات التي ترقُبُ الآخرَ من زوايا جديدة، لم يكن لنا نحن – العربَ- عهدٌ بها في التعبير الشعري. ففي قصيدة «الورد والقاموس» نموذج يخطو به درويش خطوة أولى في هذا الطريق الذي أراده للشعر المقاوم. وهنا يجدر بنا أن نشير لما يغلب على الدارس في هذا الكتاب من وفرة في الشواهد الشعرية التي يقتبسُها من الدواوين، وهي اقتباسات ينثرها في الفصول نثرًا مما يجعل هذه الأشعار تزاحم الأجزاء التي يتحدث فيها المؤلف نفسُه عن الشعر المقتبس. علاوة على تكراره من حين لآخر عبارة عن القصيدة التي منها الاقتباس، وهي قوله « إنها من أكثر قصائده تعبيرًا عن الثورة «.
ولأنَّ المؤلف يقف عند دواوين درويش آحادًا، لا مجموعة في متن شعري متكامل، مترابط، فقد اضطر للتكرار، أو ليقول عن الديوان شيئا قاله عن الديوان السابق، أو شبيهًا بما قاله على أكثر تقدير. وهذا شأنُ كل من يتبع هذه الطريقة في التأليف. فعند تناوله لـ»العصافير تموت في الجليل» ونظيره «حبيبتي تنهض من نومها» يلح إلحاحا شديدا على امتزاج الذاتي بالموضوعي. وإذا عدنا لما قيل في ديوان «آخر الليل» 1967 وفي قصيدة «ريتا والبندقية» تحديدًا، نستخلص رأيه في أن الشاعر يمزج فيها بين الخاصِّ والعام، أي بين الذاتي والموضوعي. وفي قصيدة حبيبتي تنهض إلخ.. تلتبس اللغة بالحبيبة، ولعلهما تتوحدان، وبهذا يصف لنا المؤلف ما يعده نقلة نوعية في تجارب الشاعر درويش، مع أنَّ هذا سبقت الإشارة إليه في الحديث عن ديوان «عاشق من فلسطين»1966 ويتجلى هذا المزج – بلا ريب – في ديوان «أحبك أو لا أحبك» 1972 الذي يقول المؤلف عنه: «في هذا الديوان يعيدنا الجمع بين النقيضين إلى الدوافع التلقائية والطبيعية: حب المرأة .. وحب الوطن .. الذي ازداد به تعلقا، واشتدّ إليه حنينه بعد أن فارقه مُكرهًا «. فأيُّ معنى لهذا القول إن لم يكن تأكيده لامتزاج الذاتي بالموضوعي؛ أي الحب بمعناه البيولوجي، والحب بمعناه الموضوعي؛ حبّ الوطن. وهكذا يتكرر رأيه في «ريتا والبندقية» وما تناسل منها من قصائد أخرى، فالحبّ في هذه النصوص يتماهى مع الأرض، ومع الأم، على نحو ما يتجلى في قصيدته «تقاسيم على الماء». وفي «سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا، يرى الشاعر الوجود ـ في رأي المؤلف- من خلال مأساته «، وهذا أيضا لا تفسير له، ولا معنى، إن لم يكن امتزاج الذاتي بالموضوعي.
ونحسبُ أن الطريقة التي تعمَّد المؤلف اتباعها في الكتاب، وهي أن يقف عند الدواوين فرادى، هي سبب هذه الإشكالية التي تتمثل في التكرار، وغياب العناوين الفرعية التي تؤطر القضايا التي وعد السعافين بتناولها في مقدمته المُحْكمة. فقد وعد بتناول التحولات بالوقوف إزاء لغة الشاعر، ورؤاه، من مجاز، ومن صور، ومن أساليب، ومن معجم (ألفاظ) ومن تراكيب، ومن تناص إلخ.. لكننا نقرأ الفصول فلا نعثر على عنوان واحد يرشدنا لما يقال عن واحد من هذه الألقاب الفنية، والكيانات الشعرية. فلا نعثر- لا دائما، ولا نادرا- على مبحث مستقل عن المجاز أو الصورة أو الإيقاع أو الأسطورة أو الأسلوب استقلالا عن غيره، لذا تبدو الفصول للقارئ متشابهة كثيرا من هذه الزاوية. فلو وقفنا عند الفصل التاسع، مثلا، وهو الذي يتناول فيه ديوانا جيّدًا من دواوين درويش نعني «المحاولة رقم 7» فعدا عن الفقرة التي يستهل بها الفصل، نجده يفتتح قوسين للشواهد الشعرية التي تملأ الفصل. ونظرا لكثرة الشعر المقتبس، واقتصادًا في المساحات المخصصة للشعر، لجأ المؤلف، أو الناشر، أو كلاهما، لكتابة الأشعار مثلما يكتب النثر، لا كما يُكتبُ الشعر، كل بيت في سطر مستقل عن الأبيات الأخرى. ولهذا في رأينا فضيلته التي لم تخطر- ربما – ببال المؤلف، ولا الناشر، وهي إغناء القارئ عن الاطلاع على دواوين الشاعر، إذ يكفي أن يقرأ هذا الكتاب ليلم برؤية واضحة، ومباشرة، عن شعره. وقد تعزى إلى هذه الظاهرة فضيلة أخرى، وهي ثراء الأحكام النقدية المفعمة بالإعجاب، وعبارات الإطراء المطردة في تقريظ شاعر يبْدو جديرًا بالإعجاب، حريٍّا بالإطراء والتقريظ.
_______________
٭ ناقد وأكاديمي من الأردن