في دراسته عن طبيعة الكتابة الأدبيّة: علي القاسمي يبحث عن الحبّ والإبداع والجنون
عبد الرحمن مجيد الربيعيفي دراسته عن طبيعة الكتابة الأدبيّة: علي القاسمي يبحث عن الحبّ والإبداع والجنون جديد الكاتب والمعجمي العراقي الدكتور علي القاسمي الذي اختار المغرب مقاماً منذ ثلاثة عقود وأكثر، كتاب نقدي عنوانه الحب والإبداع والجنون: دراسة في طبيعة الكتابة الأدبية (1)والنقد الأدبي أحد اشتغالات هذا الكاتب المتعدد الاهتمامات؛ فهو معجمي ومترجم وقصاص وناقد وعضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة. ويصفه الشاعر المصري المعروف فاروق شوشة الأمين العام لمجمع اللغة العربية في القاهرة، في مقال نشره بجريدة الأهرام المصرية عن كتابه النقدي العراق في القلب (2) بأنه يمثل بين أقرانه ونظرائه حالة ثقافية خاصّة، فقد تلقّي تعليمه العالي في العراق (جامعة بغداد)، ولبنان (الجامعة الأمريكية في بيروت وجامعة بيروت العربية)، وبريطانيا (جامعة أكسفورد)، وفرنسا (السوربون)، والولايات المتحدة الأمريكية (جامعة تكساس). كما أن دراساته وتخصّصاته الأكاديمية شديدة التنوّع والتكامل، فقد حصل علي بكالوريوس في الآداب، وليسانس في الحقوق، وماجستير في التربية، ودكتوراه الفلسفة في علم اللغة التطبيقي .يكتب المؤلِّف مقدمة حول مفهومه للنقد ونظرية التواصل موزّعاً النظر إلي العمل الأدبي إلي ستة عناصر هي: المُرسِل، المتلقّي، السياق، الرسالة، القناة، الشفرة. كما أنه يعرّج في هذه المقدِّمة علي مهمة النقد فيري أن وظيفة النقد في بلداننا التي ترتفع فيها نسبة الأمية الثقافية، ويقلّ فيها إقبال الناس علي القراءة، هي ترغيب القارئ في اقتناء الكتاب الأصلي وقراءته، أو علي الأقل، مساعدته علي الإلمام بمُجمل مضمون الكتاب، وتذوّق مواطن الإبداع والجمال والفنّ والمعرفة فيه .أما عن عنوان الكتاب فيقول عنه بأنه صدي لمضامين قسم من تلك الكتب التي أضاءت بعض جوانب العلاقة بين الحبّ والأدب من جهة، وبين الإبداع الأدبي والجنون من جهة أخري .المقالة الأول في الكتاب تحت عنوان الحب والجنون في حياة مي زيادة وهي قراءة في كتاب جنون امرأة: مي زيادة الذي وضعه الكاتب والصحافي المصري خالد محمد غازي. وخلص إلي أن مي زيادة أُصيبت باكتئاب شديد لأنها أخفقت في الحبّ.والمقالة الثانية مكرّسة للأديب والمفكّر المغربي الرائد عبد الكريم غلاب وعنوانها الإبداع والالتزام في فكر عبد الكريم غلاب . وقد توقف عند حالات من الالتزام في أدبه وفكره مثل: الالتزام بقضية الوطن، الالتزام بقضايا الحياة لا الموت، الالتزام بحقوق الإنسان، الالتزام بقضايا الثقافة. وقد توصّل إلي خلاصة ذكر فيها أن الأستاذ غلاب مفكّر عربي طلائعي ملتزم، والتزامه التزام إنسانيّ منفتح ناضج .ويتحوّل في المقالة الثالثة من كتابه هذا إلي رواية نوافذ النوافذ ؛ وعنوان المقالة هو نافذة صغيرة علي الواقعي والخيالي في رواية نوافذ النوافذ لجمال الغيطاني . هذه الرواية كما يذكرنا الناقد هي الدفتر الرابع من دفاتر التدوين (وهو العنوان الذي اختاره الغيطاني لمشروعه الروائي الطويل). ويضيف أنه صدر في أربعة دفاتر هي: خلسات الكري، دنا فتدلّي، رشحات الحمراء، نوافذ النوافذ. وآخرها أكبرها حجماً. يري القاسمي أن الغيطاني ابتكر تقنية سردية جديدة يمكن تسميتها بـ تقنية النافذة إذ يطلّ السارد من نافذة من النوافذ علي الأماكن والأشخاص والأحداث، وفي الوقت نفسه يطلّ القارئ من تلك النوافذ علي فكر الروائي وثقافته ورؤاه وأحاسيسه وهواجسه .ثم يتحول في مقالة لاحقة إلي إدوارد سعيد وعنوانها شجاعة فكر لا تعرف الحدود لدي إدوارد سعيد . وقد ذكر أن مقالته هذه في الأصل كتبها بناء علي دعوة وُجهت له من بلدة القنيطرة المغربية التي نظّمت مهرجاناً عنوانه فلسطين رمز يتجدد ، وطُلب منه الحديث عن إدوارد سعيد ظنّاً من المنظمين ـ كما يذكر ـ بأنه كان علي معرفة به لكونه مشرقياً. ولم يكن هكذا. واستعرض مواقف إدوارد سعيد الفكرية الإنسانية التي تتسم بشجاعة نادرة.ثم يكتب مقالة عنوانها حينما يرتقي الروائي قمة الانثروبولوجيا قراءة في السيرة الذاتية أية حياة هي؟ لعبد الرحمن مجيد الربيعي، وهو كتاب صادر عن دار الآداب اللبنانية.بعد ذلك يتحول إلي رواية الخفافيش لمحمد عز الدين التازي، الروائي والجامعي المغربي. ويبحث في مقالته عن العشق والكتابة في هذه الرواية، ويصل إلي القول: إن الخفافيش رواية فذّة من حيث قدرتها علي استلهام الحقيقي والوهمي، والمرئي والمتخيّل، لبناء تشكيلات سردية أنيقة الأبهاء، حافلة بشخصيات لا تُنسي أبداً .واختار من العراق كتاباً آخر في السيرة الذاتية هو عراقي في باريس للأديب العراقي صموئيل شمعون المقيم في لندن. وكانت مقالته عنه علي هيئة سؤال: الإبداع والجنون، أية علاقة؟ . واعتمد المؤلِّف علي الترجمة الإنكليزية لهذا الكتاب التي قام بها مجموعة من أصدقاء صموئيل شمعون، حيث صدر بهذه اللغة قبل صدوره باللغة العربية التي كُتب بها أصلاً. ولم يجد فرصته في النشر بالعربية إلا مؤخراً، إذ نُشر في دار الجمل بألمانيا. وقراءة المؤلِّف لهذه السيرة قراءة عاشقة، ويري أنها كُتِبت بحسّ عالٍ من الفكاهة والدعابة، وتتجسد الفكاهة في صور متعددة.بعد ذلك، يتوقف عند رواية مغربية جديدة هي البعيدون للروائي والمحامي بهاء الدين الطود التي صدرت طبعتها الأولي بمصر في سلسلة روايات الهلال، وبعد النجاح الذي قوبلت به والحفاوة النقدية توالت طبعاتها في المغرب فوصلت إلي ست طبعات. و البعيدون رواية تناقش العلاقة بين الشرق والغرب، العربي والأوروبي. وهو موضوع سبق لروائيين عرب أن تناولوه، لكن الطود أضاف جديداً في عمله الروائي الأخّاذ هذا. عنوان قراءة القاسمي لها هو الاقتراب من الأغراب والابتعاد عن الأحباب . وقد أورد ملاحظة مهمة انتبه لها بعد قراءته لهذه الرواية هي أن الرواية المغربية أصبحت رواية معرفية وأن كتابتها لم تعد تقتصر علي الأدباء المحترفين. نشير هنا إلي أن وزارة التربية والتعليم المصرية اختارت هذه الرواية لتوزيعها علي المدارس المصرية نموذجاً للرواية المغربية. ورأي القاسمي أن هذا الاختيار كان صائباً.ويتواصل المؤلف مع أعمال إبداعية أخري تعرّف عليها بحكم علاقته اليومية مع الأدب والأدباء في هذا البلد. فيكتب عن رواية كشف المحجوب لفريد الأنصاري ويعنون مقاله بـ كشف المحجوب في الرواية الصوفية العربية . كما يكتب عن رواية في الاتجاه الصوفي نفسه لعبد الإله بنعرفة هي جبل قاف التي تتناول سيرة القطب الصوفي ابن عربي، وعنوان مقالته الجبال المعرفية في الروايات الصوفية .ومن الرواية الصوفية إلي مقالة نظرية عنوانها الشعر والتصوف: خصائص الخطاب الشعري الصوفي . وهي مقالة مهمة اعتمد فيها علي ثلاثين مرجعاً ويخلص فيها إلي أن الخصائص الرئيسية للشعر الصوفي التي تميّزه عن الشعر العذري والشعر الرومانسي هي: قدسية المحبوب، وقصدية القصيدة، واللغة الإشارية، وغرابة المصطلح الصوفي والتمويه فيه. وبعدها كتب مقالة عنوانها عناق المشرق والمغرب في عودة جلجامش . و عودة جلجامش هو كتاب من تأليف الدبلوماسي المغربي عبد القادر الجموسي. ويتساءل عن سبب اختيار الجموسي لهذه الأسطورة السومرية، فيعلّل ذلك بأنه تعبير عن وحدة الأُمّة مغرباً ومشرقاً، وتصوير لتجاوب القلوب المغربية مع خفق الأفئدة المشرقية المكلومة . ويتوسع القاسمي في موضوعه ليقرأ ملحمة جلجامش التي أفاد منها الجموسي ليتوصّل إلي استنتاج هو أن عبد القادر الجموسي أبدع لنا نصاً حديثاً لملحمة قديمة… نصاً رشيقاً ينتفض بالحيوية والفاعلية .وتحظي القاصة والشاعرة التونسية فوزية العلوي بمقالة من الكتاب عنوانها: الإبداع في أسطورية السرد وشعرية القصة لدي فوزية العلوي . وقد تناول فيها مجموعة الخضاب القصصية للكاتبة حيث يذكر أنها أديبة مقتدرة توفّرت لها جميع أدوات العمل القصصي وآليات الصنعة السردية .ثم يُفرد مقالتين لشاعرتين شابتين مغربيتين: الأولي وداد بنموسي صاحبة المجموعة الشعرية لي جذر في الهواء وعنوان مقالته عنها روح الشاعرة وريحها . ويري أنها تنتمي إلي حركة شعرية نسوية مغربية جديدة غير معلنة يؤطّرها عدد من الشواعر الواعدات اللواتي يتقاربن في العمر والثقافة والظروف الاجتماعية ويتماثلن في سعيهن إلي استعمال لغة جديدة وتحقيق غايات أدبية ووطنية منتظرة بحيث يشكّلن ظاهرة لافتة للنظر علي المسرح الأدبي المغربي المعاصر .والشاعرة الثانية هي إكرام عبدي صاحبة مجموعة لن أقايض النوارس . ونشير هنا إلي أن هاتين الشاعرتين مقترنتان بأديبين معروفين. فوداد بنموسي هي قرينة الشاعر والإعلامي نجيب خداري وإكرام عبدي هي قرينة الناقد عبد الرحيم العلام.وكما كان لمدينة القصر الكبير حضور واضح في قصائد وداد بنموسي نجد حضور أصيلة في قصائد إكرام عبدي. فكل منهما، عندما غادرت مدينة مسقط الرأس، حملتها معها إلي العاصمة حيث تعمل وتقيم. يقول المؤلِّف: وإكرام عبدي شاعرة مولعة بمطاردة الصور الفذة واصطيادها، كما كانت في طفولتها تطارد الفراشات الملوّنة في دروب أصيلة وشواطئها .وفي مقالة لاحقة يكتب المؤلِّف موضوعاً عنوانه صورة المدينة في الأدب العربي والآداب الغربية ، وقد وزّعه علي أقسام هي: القرية والمدينة في التقاليد الأدبية، والمدينة في تقاليد الكتّاب العرب والغربيين، ثم قراءة قصة جون أبدايك، وهو شاعر ورسام وقصاص روائي وناقد أمريكي معروف. وقد كتب المؤلِّف عن قصته المدينة التي ترجمها في كتابه مرافئ علي الشاطئ الآخر (3). ثم يتحول نص الكاتب إلي ما يشبه الشهادة الشخصية عندما يتحدث عن قصته المدينة التي ضمّتها مجموعته القصصية دوائر الأحزان (4)، ويقارن بينها وبين قصة المدينة لجون أبدايك.وأخيراً يترجم المؤلّف مقالة للباحث الدكتور صالح جواد الطعمة العراقي الأصل الأمريكي الجنسية والإقامة حالياً، وعنوانها الشعراء العراقيون في المنفي الغربي . وفيها يري الدكتور الطعمة أنه من الصعب أن نذكر رقماً موثوقاً به لعدد الشعراء العراقيين الذين يعيشون في المنفي . كما يري أن هذه ليست هي المرة الأولي في تاريخ العراق الحديث التي يبحث فيها الشعراء العراقيون عن منفي لاعتبارات سياسية ، مؤكداً علي الدور القيادي والريادي الذي اضطلع به الشعراء العراقيون تاريخياً سواء في العصر الحديث أو العصور السابقة . ويصف عدد الشعراء الذين غادروا العراق خلال العشرين أو الثلاثين سنة الماضية بأنه عدد غير مسبوق . وفي ملحق لهذا الموضوع، هناك نصوص لقصائد لبعض شعراء المنفي العراقيين طافحة بالحنين وهم: عبد اللطيف أطيمش، أمل الجبوري، يحيي السماوي، سعدي يوسف، وعدنان الصائغ.هذا الكتاب رحلة نقدية تحكّمت فيها ذائقة المؤلِّف الرفيعة وثقافته الواسعة العميقة في الاختيار والاستنتاج. وقد جاء في 256 صفحة من منشورات دار الثقافة للنشر والتوزيع في الدار البيضاء.ہ روائي عراقي يقيم في تونس(1) علي القاسمي، الحب والإبداع والجنون: دراسات في طبيعة الكتابة الأدبية ( الدار البيضاء: دار الثقافة، 2006)(2) علي القاسمي، العراق في القلب: دراسات في حضارة العراق (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2004)(3) علي القاسمي، مرافئ علي الشاطئ الآخر: روائع القصص الأمريكية المعاصرة (بيروت: إفريقيا الشرق، 2003)(4) علي القاسمي، دوائر الأحزان ـ قصص ـ (القاهرة : دار ميريت، 2005)0