في دفتر صمود المرأة الغزية حكايات الوجع مستمرة… وفصول القوة لم يكسرها الألم

بهاء طباسي
حجم الخط
0

غزة ـ «القدس العربي»: لم تكن أم صبري تدرك أن خروجها من بيتها في بلدة بيت حانون، شمال قطاع غزة، سيجعلها تتنقل بين الخيام لأشهر متواصلة، وتعيش حياة منزوعة الكرامة حتى بعد وقف إطلاق النار مطلع العام الحالي.
كانت حرب السابع من أكتوبر قد أتت على منزل أم صبري تمامًا، فلم يبقَ منه سوى الركام، والمعاناة لامرأة ضعيفة تخطت الأربعين من عمرها: «من بداية الحرب ونحن نعاني وحتى بعد وقف إطلاق النار. عدنا من خيام في جنوب قطاع غزة إلى خيام أخرى في الشمال، فلا خصوصية لنا حيث لا توجد حمامات خاصة بالنساء ولا متطلبات النساء الصحية، فهذا أمر معدوم».
تتحدث أم صبري بألم عن أوضاعها الصعبة، وهي أم لخمسة أطفال فقدت زوجها الذي كان مصابًا بمرض الفشل الكلوي أثناء الحرب بسبب حرمانه من العلاج بعد تدمير المستشفيات وتقليص جرعات الكيميائي.
تقول لـ«القدس العربي»: «نعيش بدون طعام أو شراب أو ملابس، وبلا كهرباء أو صرف صحي. أتى علينا رمضان ونحن لا نستطيع تدبير مائدة الإفطار والسحور. ننتظر المساعدات بعدما كانت موائدنا عامرة بكل خيرات الطعام».
تعيش أم صبري وأطفالها في خيمة مهترئة، تحاول بجهدها المتواضع تأمين ما تيسر من قوت يومها: «أجمع الحطب لأطبخ على ناره إذا لم أستطع توفير جرة غاز. أخاف من الغد. فبعدما أغلق الاحتلال معبر كرم أبو سالم في وجه البضائع. أخشى أن يغلق معبر رفح أيضًا في وجه المساعدات القليلة التي تصلنا. كيف سأطعم هؤلاء الأطفال الصغار؟».
أم صبري تعبر عن أمنياتها قائلة: «أتمنى أن أستيقظ من نومي على انتهاء كل هذا، على خروج الاحتلال من غزة، ووصول كرفان (بيت متنقل) إلى مكان إقامتي، يأويني وأطفالي، بدلًا عن الخيام المهترئة».
وتستطرد «نأمل دخول كافة المساعدات الإنسانية والبضائع إلى غزة بلا قيد أو شرط. إذا كان العالم لن ينظر لنا نحن النساء الضعيفات في غزة، فعليه أن ينظر إلى هؤلاء الأطفال ويرحمهم».

صرخات النساء

تدوي صرخات النساء في قطاع غزة منذ أكثر من 16 شهرًا بلا مجيب، فهن الضحايا الأكبر للعدوان الصهيوني على القطاع، وتستمر معاناتهن حتى بعد وقف إطلاق النار. يعشن مكدسات مع عائلاتهن في الخيام، يعانين البرد والعطش رغم ضعف بنيتهن، متحملات العبء الأكبر من حياة النزوح البدائية، يطبخن على الحطب في أحيان كثيرة، ويحملن أوعية المياه الثقيلة لمسافات طويلة، والكثيرات منهن وضعن مواليد في ظل هذه الظروف غير الصحية.
ومع دخول شهر رمضان الكريم، تعاظمت التحديات التي تواجه نساء غزة، فبينما يجاهدن لتأمين طعام الإفطار والسحور، يكابدن مشاعر الفقدان والخوف، الأمر الذي جعلهن متعبات نفسيًا وجسديًا إلى أقصى درجة، غير قادرات على تحمل المزيد من المعاناة.
دارين أبو محسن (37 عامًا) من خان يونس تتحدث بصوت مفعم بالمرارة: «المرأة الفلسطينية عانت في كل المراحل، وبالأخص في هذه الحرب الأخيرة، لم يبق هناك بيت إلا وعانى. سواء كانت أمًا أو أختًا أو زوجة، أصبحت أم شهيد وأخت شهيد وزوجة شهيد».
وبثبات قالت دارين لـ«القدس العربي»: «تعرضنا لكل أشكال الإهانة والذل والقهر، لكننا صامدات، وتخطينا الكثير من العقبات».
تستلهم دارين صمودها من قوة الأسيرات الفلسطينيات: «هن فخر لكل نساء غزة، وقدوة للفلسطينيات، نتعلم منهن القوة والنشاط والإصرار على الحق. وإن شاء الله كلنا مشروع شهيدات في هذه البلد».
ولا ترى أم العبد أشرف (52 عامًا)، من مدينة غزة، مثيلًا للمرأة الفلسطينية في كل العالم، فهي «أم شهيد، أم أسير، امرأة نازحة، أرملة، ومسؤولة عن كل احتياجات أطفالها وزوجها في ظل حياة صعبة لا تطاق».
وبصوت مليء بالتحدي تختتم أم العبد حديثها لـ«القدس العربي»: «المرأة الفلسطينية صمدت بقوة من أجل تحرير الأرض، وهي جزء من الشعب الفلسطيني وعليها مسؤولية كبيرة. في الخيام كانت تكافح لتأمين قوتها وعائلتها، رغم الظروف المأساوية، من جمع الحطب إلى إعداد الطعام بوسائل بدائية، وتحمل مشقة الحياة اليومية بصبر وكبرياء».
ويواصل الاحتلال الإسرائيلي إغلاق معبر كرم أبو سالم في وجه البضائع التي تدخل إلى قطاع غزة لليوم الثالث عشر على التوالي، ما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع بشكل مبالغ فيه، وعدم قدرة النساء على إعداد موائد إفطار وسحور لائقة لأطفالهن وعوائلهن، والعودة إلى الاعتماد على أطعمة المساعدات والتكيات الخيرية.
في هذا الصدد، تصف تغريد أبو عبده من مشروع بيت لاهيا معاناتها قائلة: «الأسعار ارتفعت مئات الأضعاف، أشعر بالعجز أمام احتياجات أطفالي الصائمين، لا أستطيع إطعام أسرتي لحومًا أو طبيخًا على مائدة الإفطار، نأكل الفول المعلب، ونحصل على الحساء الذي توزعه مطابخ أهل الخير».
تعيش تغريد رفقة أسرتها في خيمة متواضعة بمشروع بيت لاهيا، وما زالت تعاني مشاعر الخوف على أبنائها حتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار، الذي يحاول الاحتلال إفساده.
وتضيف لـ«القدس العربي»: «يبقى الخوف والرعب رفيقًا للمرأة الفلسطينية. الخوف من عودة الحرب وفقدان الأبناء والأحبة. ويبدو أن هذا سيلازمنا إلى آخر يوم في عمرنا».
وتطالب العالم بالعدل والرحمة: «أتمنى أن ينظر العالم إلى المرأة الفلسطينية برأفة. نحن مستضعفات رغم قوتنا، ونريد حقوقنا مثل باقي نساء العالم. تعبنا نفسيًا وجسديًا ولم نعد نحتمل مزيدًا من ضغوط الحرب والمعاناة».
منذ بدء حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023، بلغ عدد الشهيدات الغزيات 12 ألفا و316 من إجمالي 48 ألفا و346 شهيدا.
كما دفعت المرأة إلى جانب فئة الأطفال الثمن الباهظ لهذه الحرب، حيث شكلا مجتمعين ما نسبته 70في المئة من إجمالي القتلى البالغ عددهم 46.960 حتى 19 كانون الثاني/يناير الماضي.
ووفقًا لمنظمة «هيومان رايتس ووتش» فإن عدد القتلى الذي نشرته صحة غزة خلال الحرب، لا تشمل أعداد الوفيات بسبب المرض أو ممن دفنوا تحت الأنقاض، حيث قدرت أن ما نسبته 70 في المئة من إجمالي الوفيات التي بلغت نحو 8 آلاف و200 حالة حتى ايلول/سبتمبر 2024، كانت من النساء والأطفال، موضحة أن مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تحقق من صحتها.
ومثلت فئتا النساء والأطفال ما نسبته 69% من إجمالي جرحى الإبادة البالغ عددهم 110 آلاف و725 مصابا خلال عمر الحرب الأخيرة على القطاع الذي تخطى أكثر من 15 شهرًا، حسب تقرير لرئيس الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني علا عوض استعرضت فيه أوضاع المرأة الفلسطينية عشية يوم المرأة العالمي. ووفقًا لتقرير رئيس مركز الإحصاء الفلسطيني، فإن 70 في المئة من المفقودين في قطاع غزة والذين يبلغ عددهم حتى 18 كانون الثاني/يناير الماضي 14 ألفا و222 نتيجة الإبادة، هم من الأطفال والنساء. وخلال العدوان الإسرائيلي على القطاع، اضطر مليونا شخص نصفهم من النساء للنزوح من منازلهم هربا من جحيم القصف الإسرائيلي العنيف.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية