في دمشق ما زالوا ينتظرون الربيع.. ارحل يا بشار

حجم الخط
0

صحف عبريةفي ذات صباح من الاسبوع الماضي حينما مكثت عند صديق في ضواحي مدينة دمشق القديمة، سمعت اصوات صراخ تدعو ‘إرحل يا بشار!’. نظرت من النافذة الى الشارع ولم أر شيئا. بعد ذلك، حينما خرجت الى الشارع تتبعت الاصوات وظهرت لي مجموعة اولاد، يتأرجحون في سذاجة على أرجوحة حديدية صدئة. ليست اناشيد الاحتجاج على الرئيس الاسد شاذة في حمص، المدينة المجاورة لحدود لبنان، التي كانت مركز الانتفاضة الشعبية، لكن حينما ينضم اولاد في قلب العاصمة ايضا الى النشيد ندرك الى أي حد انتشر التمرد.

في الاسابيع الاخيرة بعد ان فرضت الجامعة العربية على سورية عقوبات اقتصادية شديدة تزيد في عزلتها، تهاوى المزاج العام في دمشق بصورة فظيعة. يبدو ان ناسا أكثر فقدوا الثقة بنظام الحكم. وقد أخذ يكثر انقطاع الكهرباء ويمكن ان نرى فجأة صفوفا طويلة من المواطنين مع أوعية بلاستيكية في أيديهم ينتظرون في الصف محطات الوقود لأنه يتضاءل مدد المازوت الذي يستعمل للتدفئة.

ما يزال التجار في الأسواق يفتحون الأبواب الخشبية لحوانيتهم ويبعثون في الجو روائح التوابل والقهوة؛ وما يزال رجال وفتيان ذوو قفازات جلدية مبطنة يدفعون عربات حديدية محملة بصناديق السلع التي طُبع عليها ‘صنع في الصين’ (ما تزال الصين واحدة من الحليفات اللاتي أخذن يقللن لسورية وترفض ان تفرض عليها عقوبات اقتصادية). لكن عائلات كثيرة توقفت عن شراء اللحم والبيض. ‘ارتفع سعر البيضة الواحدة من 5 ليرات سورية الى 8’، قال أحد الباعة معتذرا، حينما ذهبت الاسبوع الماضي لشراء 12 بيضة. ليس الحديث عن البيض فقط: فأسعار جميع منتوجات الاستهلاك المنزلي ترتفع ارتفاعا شديدا. فقد ارتفع سعر حاوية غاز الطهي مثلا من 250 ليرة سورية الى 1000 ليرة. وبلغ سعر الدولار في نهاية تشرين الثاني 60 ليرة سورية (كان السعر قبل سنة 45 ليرة سورية). ولما كانت العملة الاجنبية نادرة في سورية فان أصحاب النقد بدأوا يستثمرون بالذهب ويقولون ان الحرب على الباب.

شيفرة سريةمنذ تسعة اشهر يتظاهر سوريون كثيرون مصممون على البقاء في الشوارع، قوات نظام لا يشمئز من الوسائل محاولا قمع التمرد بقسوة فتاكة. وقد وقع أكثر المصادمات خارج دمشق وهناك شهادات على ان العنف سبب موت اربعة آلاف شخص. لكن كثيرين ممن تحدثت اليهم يعتقدون ان عدد القتلى الحقيقي أعلى كثيرا.

خرج المتظاهرون الذين استمدوا الالهام من الأحداث في مصر وتونس الى الشوارع بسبب بغضهم للحكومة المستبدة وعدم وجود الفرص، لا بسبب الصراع بين الطوائف بالذات (عائلة الاسد تنتمي الى الأقلية العلوية التي هي نحو من 10 في المائة من السكان في حين ان ثلاثة ارباع السوريين سنيون). مع ذلك أصبحت صبغة جزء من الأحداث العنيفة الآن صبغة طائفية لأن قوات الأمن والشبيحة الذين يقفون على رأس عمليات القمع علويون. ويشغل العلويون ايضا أكثر الوظائف في القطاع العام اماكن العمل المطلوبة أكثر من غيرها، في دولة نسبة البطالة فيها ذات خانتين.

حينما نزلت ضيفا في الصيف في حمص، وهي مدينة مختلطة فيها 1.5 مليون علوي وسني، اعتادت قوات الامن اطلاق النار حينما كان المتظاهرون يخرجون الى الشوارع. وقُتل مئات في هذه المدينة فقط. وفي حماة، وهي مدينة متجانسة سكانها سنيون محافظون، والتي تقع على مبعدة نحو من 210 كم عن دمشق، لا يوجد تفريق كهذا. في مطلع تموز بعد نهاية اسبوع دامٍ قُتل فيه بالنار 70 متظاهرا، تراجعت قوات الامن. (في 1982 قتلت قوات الامن في المدينة عشرات الآلاف من مؤيدي حركة الاخوان المسلمين، وربما فضل النظام ألا يجذب الانتباه الى المدينة). وحينما زرت حماة بعد ذلك بزمن قصير كانت فيها لجان مدنية استعدت لتحل محل الحكومة.

في ايام الجمعة بعد الصلاة كان آلاف يتدفقون على ميادين المدينة يلوحون بالورد وأغصان الزيتون. وشد رجال حبالا من اجل إفراد مساحات للنساء، ونظف فتيان الشوارع. لكن عشية رمضان في بداية آب قرر النظام ان يضع حدا لهذه الانتفاضة الظاهرة واحتل المدينة بعد هجوم لثلاثة ايام.

بدت الحياة في دمشق مقطوعة عن الازمة. لكن العاصمة ليست حصنا لمؤيدي سلطة الاسد كما تُعرض في احيان متقاربة. فمن وراء أبواب مغلقة لبيوت تريد ان تنقض في حي الرستن على مبعدة عشر دقائق فقط من مركز المدينة، يحسر شباب القمصان والسراويل ليظهروا لي الندوب وآثار التعذيب: فقد ضُرب كثيرون زمن المظاهرات أو اعتقلتهم قوات الامن مدة ايام احيانا. وقد انضموا مثل أكثر السكان في المدن المحيطة التابعة وفي الأحياء حول المدينة (المعظمية والقابون مثلا) الى التمرد قبل زمن طويل.

يتابع ناس في مركز دمشق في تشوق الأخبار عن عمليات قوات الامن، برغم ان الرقابة الشديدة على الاعلام تُمكّن من نشر معلومات جزئية فقط. ويتلقون مستجدات الأحداث من رفاق وأقرباء وفي الأساس بالهمس أو بأحاديث هاتف بواسطة شيفرة لأن النظام يتعقب المحادثات. ويفضل المرتبطون بالانترنت ان يحصلوا على المعلومات بواسطته وتعلم كثيرون منهم الالتفاف على الرقابة الحكومية على الانترنت.

يشاهد آلاف الناس بواسطة اليو تيوب أفلاما قصيرة يظهر فيها متظاهرون بالغون واولاد تم تعذيبهم حتى الموت احيانا، وأُعيدت جثثهم الى عائلاتهم مع علامات زرقاء وسوداء من الضرب وبقع حمراء من الضربات الكهربائية وثقوب رصاص أو وهي مخصية في حالات اسوأ. ويتبين للمشاهدين بما يزيد استفظاعهم أنهم يصبحون غير مكترثين لصور الفظاعة، أكثر فأكثر.

كانت الازمة في الدولة مدة اشهر مركز اختلاف في الرأي بين سكان دمشق. ففي الصيف رش مؤيدو النظام شعار الجزيرة الاصفر فوق حاويات القمامة الخضراء في المدينة كي يعبروا عن اشمئزازهم من صورة تغطية المحطة للانتفاضة (يتهم الاعلام الرسمي الجزيرة احيانا بـ ‘ايجاد’ التمرد). وامتدحت كتابات جدارية اخرى ظهرت في مركز المدينة الدنيا، وهي قناة التلفاز التي تؤيد النظام. لكن صوت مؤيدي الاسد ضعف في الاسابيع الاخيرة وبدأوا يخافون الآن.

في احيان متقاربة تجري مسيرات تأييد للنظام، لكن الحديث في الأكثر عن حفلات معدة اعدادا جيدا يكون المشاركون فيها طلابا وعمالا يضطرونهم الى المجيء (وإن يكن فيهم من يأتي طوعا). ويصعب ان ننظر بجدية الى هذه التمثيليات المشحونة بالحب الهستيري للرئيس فصورته تُرفع على لافتات وأعلام وقمصان، ويهتف اولاد في حلل زرقاء باسمه ‘أبو حافظ’ (في اشارة الى امكان ان يتولى حافظ ابن بشار السلطة بعده). أصبح نهج تفكير مؤيدي النظام أقل منطقية. ‘قوات الامن هي المذنبة لا الرئيس’، قالت لي امرأة نصرانية. فأجبتها أن هذا اذا كان صحيحا فان المشكلة أكبر لأن الرئيس لا سيطرة له على النظام ولا يريد ان يحله. وماذا عن الناس الذين قتلوا؟ ساد صمت لحظة، واجابت في تأثر شديد: ‘اجل، هذا فظيع، لكن توجد هناك عصابات وهي التي تتحمل تبعة اعمال القتل والعالم في الخارج مسؤول عن هذا. ولا يجوز ان يتولى الاخوان المسلمون السلطة!’. هذه المخاوف مكشوفة شائعة بين النصارى الذين يؤيد أكثرهم النظام ولو بسبب الخوف مما سيأتي بدله. لكنه يوجد أكثر منهم يعتقدون ان سلوك النظام فظيع وإن لم يظهروا هذا. ويجرني بعضهم في خوف الى حوانيتهم للحديث. ‘ماذا سيحدث في رأيك؟’ سأل صاحب حانوت فلسطيني. ‘هل تقع حرب أهلية؟ أم يكون انهيار تدريجي؟’ تساءل تاجر في حي البرامكة العاصف. تحضر قوات الامن كل شيء، لكن بسبب العنف الذي لا يقف وتأثير العقوبات الذي أخذ يزداد أصبح الناس يعبرون الآن عن استعداد أكبر للحديث. قال لي رجل في الاسبوع الماضي: ‘يمكن اليوم اعتقالك لأن شخصا ما يعتقد أنك تفكر بشيء ما حتى من غير ان تقول شيئا’. وأضاف مع ذلك، ‘لا يستطيعون ان يمنعوا الجميع’. نهاية عدم الاكتراثان الواقع الاجتماعي الذي ساد دمشق قبل سنة فقط انقلب رأسا على عقب. ففي العقد الماضي منذ تولى بشار السلطة حتى الانتفاضة، كانت دمشق مدينة مملوءة بالحياة. فقد أزهرت ثقافة المشارب، وزار السياح زرافات زرافات فنادق بوتيك ومطاعم، وتدفق طلاب جامعات عرب على المدينة وانشأ السوريون علاقات بالعالم الخارجي. لكن جرت تحت الارض رقابة شديدة كما كانت في فترة الاسد الأب. فزُج بمعارضي النظام في السجون واعتقل متصفحو انترنت. وترصد عملاء أمن من رجال ذوي شوارب يرتدون معاطف جلدية ويظهرون في كل مكان في زوايا الشوارع ودسوا الأنوف في كل حدث. واضطر المواطنون الى ان يجدوا طريقهم بين الفساد والاذلال الدائم، وبين اهانات عملاء الأمن وعدم القدرة على ان يجدوا عملا.

وكان غير المكترثين بالسياسة أو المقبلون على اللذات أو المتفائلون بصورة خاصة ما زالوا يستطيعون ان يتجاهلوا على نحو ما الجانب المظلم القاتم للنظام. لكن حيال المشاهد الفظيعة التي أصبحت أمرا يوميا لم يعد من الممكن تجاهل قبضة النظام السوري الخانقة بل انها تثير الفكاهة السوداء. ان ناسا يرسل بعضهم الى بعض أفلام فيديو قصيرة أو فكاهات أو أفلاما مرسومة عن بشار و’الشبيحة’. في واحد من الأفلام التي طُرحت في اليو تيوب يظهر بشار يلعب لعبة ‘من يريد ان يقتل مليونا؟’، بوحي من برنامج ‘من يريد ان يصبح مليونيرا؟’. وأُعد فيلم قصير آخر في بداية الانتفاضة حينما أجرى معارضو النظام مظاهرات هادئة لكن النظام حاول ان يزعم أنهم مسلحون. ويظهر فيه شخصان يقول واحد منهما للآخر ‘هل معارضو النظام مسلحون اذا’. ‘أحقا؟’، يسأل محادثه مصدوما، ‘بماذا؟’. ويجيب الاول: ‘بأربعة ميغا بيكسل’. ويستل هاتف كاميرا من النوع الذي يُمنع الآن استعماله في الدولة. يوجد ايضا من يجعلون الولاء للثورة شبه منافسة. فحماة مثلا تحظى بالمدح لأنها صمدت ازاء قوات النظام شهرا كاملا، أما دير الزور وهي مدينة قبلية شرقي المدينة بعيدة عن مراكز الحكم فأصبحت واحدة من مستنبتات الهبة الشعبية. وهكذا يصبح نشيط مسيحي من حماة له صديق في دير الزور أفضل من نشيط من مركز دمشق. وكان سكان حمص في الماضي موضوعا للفكاهة. ويعتبر الرجال من هذه المدينة الآن أمرا مطلوبا عند كل فتاة سورية.

كلما استمرت اعمال القمع، أصبحت صبغة حركة الاحتجاج عسكرية أكثر. فقد بدأت مجموعات من الهاربين من الجيش تسمي نفسها ‘الجيش السوري المستقل’ تدافع عن المتظاهرين مستعينة بمواطنين متطوعين. وهم مسلحون بسلاح بسيط قنابل يدوية وبنادق هُربت من وراء الحدود من لبنان خاصة التي ارتفع فيها سعر السلاح في المدة الاخيرة. ولا تعرف جرأتهم حدودا: فهم يهاجمون مرة بعد اخرى مباني الاستخبارات وحواجز اجهزة الامن التي ازدادت بسرعة في أنحاء الدولة. بل انهم أطلقوا النار في الشهر الماضي على مبنيين داخل دمشق، وتوجد بلاغات كثيرة ايضا عن تبادل اطلاق نار عرضي، والمتمردون لا يعادلون في وزنهم النظام المسلح بالدبابات واجهزة الامن الموالية والشبيحة المتطرفين، ويخشى الناس ان يزداد الوضع حدة قبل ان يتحسن. مع ذلك يدهش كثيرون لأن الهبة استمرت زمنا طويلا بهذا القدر وتؤثر في كثيرين جدا.

يعبر رجال بالغون الآن عن ندم لأنهم لم يفتحوا أفواههم مدة اربعين سنة لمواجهة افعال النظام الى ان علمهم أبناؤهم وبناتهم أنه بلغ السيل الزبى. ‘أنا أخجل’، اعترف رجل بالغ ذو مهنة حرة. ‘فضلنا ان نحصر الاهتمام في أنفسنا. والآن يدفع أبناؤنا الثمن’. وقال لي رجل آخر انه لم يسجل حتى الآن ابنته التي ولدت في المدة الاخيرة في وزارة الداخلية، وقال: ‘أنا أنتظر كي استطيع ان أسميها ‘ثورة’.’ صحافي يسكن في دمشقهآرتس 16/12/2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية