إبراهيم الحجري وقعت الشاعرة الشابة غادة مصباح باكورتها الشعرية الأولى، على عادة الكثير من شاعرات زمانها ومجايلاتها، بتعرية ما يختلج في الذات الأنثوية بوصفها صاحبة البوح وسيدته. وبما أن البوح مبأر في التجربة، فقد يكون له قصب السبق في المتن أيضا. إذ غالبا ما تنصرف الذات الشاعرة الأنثوية إلى تدوين صراخ الأنا وبكائها المحموم، وتطلعها لما هو أحسن: كسر القيود، ورفع الوصاية الذكورية، والتحرر من كبت اجتماعي ولدته وراكمته تجارب القمع والتهميش والسلطة… وغرض الشاعرة هنا أن تعري هذه الأنماط، وأن تصرخ ملء الكتابة والصدى تعبيرا عن الرغبة في تحقيق الانعتاق ولو على مستوى الشعر والقصيدة.
للأنثى بوح خاص تريد أن تتلفظ به شعرا، وهو على كل حال، بوح ذو تاريخ عريق، منذ حواء، منذ شهرزاد، منذ أن كانت المرأة مجرد تابع لا غير في أساطير الأمم ومعتقداتهم ومتخيلهم. لكن المرأة بنبشها لهذا الجرح تكرس واقعا ما وتفكيرا بدل أن تنهض من هذا الواقع لتعانق الاستشراف المشرع على الآفاق، فالبوح تحصيل حاصل، وتكرار للجرح. وكأنما تريد بذلك أن يستمر هذا السيناريو المخجل لانتهاك كرامة المرأة، والحاصل أنه على المرأة الآن أن تكافح لربح الصورة التي تنالها الآن بدل أن تعيد الحكي الجريح. فكل جسد امرأة يختزل جراحا وحكايا، ويكفي أن تنبشه لينهار دفعة واحدة. تمتلك غادة نفسا شعريا نادرا، خاصة على مستوى تدبير مكونات الخطاب الشعري من صورة وإيقاع ولغة وحقول دلالية.. فالكل ينسجم وفق مقاس الجملة الشعرية التي بلا زيادة ولا نقصان تؤشر على الخطاب المقصود، ومع الدربة والتجربة والصقل، يمكن أن تشحن هاته الإمكانيات بالدوال والعناصر التي ترتقي بالقصيدة قلبا وقالبا. فالوعاء الشعري والأدوات الفنية متوفرة، وجيدة، وباعتبار السن وتراكم التجارب، يمكن أن أتنبأ للشاعرة بمستقبل شعري متدفق وساطع، إذا هي عكفت على التجارب القوية قراءة وتمثلا، وأقبلت على الحياة الإنسانية بكل تفاصيلها متأملة، ملاحظة، مشاركة الناس همومهم وأحزانهم وقضاياهم الاجتماعية والسياسية والفكرية. فالشعر ليس مجرد أدوات، وليس مجرد موهبة، وإن كانت هذه الأشياء أساسية، بل هو أيضا نقل عاطفي لما لا يستطيع الآخرون التعبير عنه باللغة، إن الشعر بهذا المفهوم هو وعاء المشاعر الآدمية في كوسمولوجيتها. وما دامت الشاعرة تعي هذه الأشياء، فالتجربة في المحك الصحيح.
إن الكتابة الشعرية عادة ما تراهن، وهي تحبو صوب شموسها العلى بثبات، على المتخيل الذاتي الذي يراوح بين الذات التي تريد أن تلفت الانتباه إليها بوصفها مركز الضوء في التجربة أولا، وباعتبارها حاملة قيم ثانيا، وهي في الرهانين معا تتصدر إشراق التجربة، لأنها ممهورة بالخوف من الخطوة الأولى، فهي تسير وتتلفت مخافة أن تنزلق عن سكة تستند إليها مجازا، وان تتكئ على شجرة الأسلاف ‘أبوها شاعر’، لذلك فهي تخصص جزءا من التجربة للوالدين باعتبارهما المتكأ القوي والسند المضمون في لحظات التعثر، تقول الشاعرة: ص 72’أبيحبي لكألهم قلميوهبني الشعلة الزرقاء للحرف، أبيأقسمت المضي في دربكفأدمنت الغواية’. وتقول عن الأم التي تعتبرها فوق كل إبداع، وأكبر من أن تختزلها قصيدة:
كم تمنيت أن أكتب فيك قصيدة، أن أصف حبيوأنثره بين خلايا أحرفهالكن…. حبك فوق الشعروفوق الوصف’ ص 73. تنوع الشاعرة بين الضمائر، وتلتفت من مرآة إلى أخرى، وتنظر إلى الانعكاسات الضوئية من خلفيات متعددة، حتى يتمثل الكائن الشعري الخرافي أمامها عاريا من دبلوماسية الهروب والتخفي، هي تفضل أن تقبض عليه هكذا متلبسا بجنونه وخبله المجازي. لكن مع ذلك ما تفتأ الذات أن تعود إلى ذاتها هاربة من المرايا الحارقة التي ما عادت ملاذا، فتبوح وتبوح حد البكاء. هذا البكاء الرديف للحزن ذو النغمة الرومانسية يكاد يخيم بظلاله على التجربة ككل، حيث يتجلى المنجز الشعري التخييلي معبرا للهروب من ضيق اليومي، وضنك اللحظة التي ما استطاعت رهافة إحساس الشاعرة تحملهما:
ليتني أهرب إليها من نفسيمن الدروب المأهولة بالخفافيشبهشاشات البشر… ليتني أسكن خلاياهاحيث عناقيد الحلموالجداول الرقراقة، حيث نور الشمسوحيث الدفء وألوان الغناء… ص48. لكن هذا الحزن لا يكتمل في التجربة إلا بحضور النقيض، فالمشاعر في التجربة الأولى تتمايل بين بين، ولا تثبت إلا في الما وسط، حيث الهجاسيات من التجارب العاصفة تقحم الذات في مد وجزر، بين الغياب والحضور، في حضرة الانفلات من سلط الزمان والمكان. هكذا لا تكتمل دورة الشعر إلا بحضور الشيء ونقيضه:
فرحتي أميرةسحبت ذيلها الطاووسيفي سخاء النبلاء ص 29. وإذا كانت نبرة التشاؤم تخيم على تفاصيل عميقة من المنجز إعلانا عن التذمر من حال الإنسان المغشي عليه بسكرة الهوان والضيم، فهناك إلى جنبها تنمو وئيدا شجرة التفاؤل مضيئة عتمة الكون الشعري: في الروح قبس نور صغير، صغير ومنسي… يرفرف بين أضلعيداخل حجرات قلبي… ص 32. إن اللعب بالمتناقضات في التجربة الأولى خير دليل على حيرة الملفوظ الشعري، وتردده بين حدين فاصلين. وفي كل الأحوال تعصف بالذات تجارب حاسمة ستشكل لا ريب في المستقبل زبدة التحول من تشكل شعري إلى تشكل أعمق. ناقد مغربي