في ديوانه «قيامة الأشلاء»… طه عدنان يرصد اختلالات العالم

مصطفى الحمداوي
حجم الخط
0

في ديوانه «قيامة الأشلاء»، الصادر عن «العائدون للنشر» في الأردن، يعود الشاعر طه عدنان لتشكيل قصيدته بأسلوب مبتكر، حاملًا معه جرعة واضحة من التجديد والتنوّع في منجزه الشعري، الذي تخطّى به الإطار التقليدي للشعر التجريدي، بحيث يرسّخ فيه لرؤيته النموذجية التي ترتكز على التطوير والتحديث، وإضافة جماليات آسرة للعمق الفكري والتعبيري. هذه التجربة الفريدة، تفتح آفاقا جديدة أمام المتلقّي، وتكرّس مفهوما حيويا لشعر مُشبع بالحمولات الإنسانية والشحنات العاطفية. إنه شعر لاذع وكئيب في الوقت نفسه، ينبض بالحياة ويصرخ في وجه الاستبداد. القصائد التي أبدعها الشاعر طه عدنان ترتقي إلى أسمى مراتب الروح والإحساس، وتغوص في أعماق قضايا الإنسان، مما يضفي عليها أثرًا وجدانيًّا بالغ التأثير.
قصائد هذا الديوان ليست مجرد صرخة في وجه الاستسلام، بل هي كُوّات مفتوحة تسلّط الضوء على التجارب المأساوية، حيث الانسحاق والدمار والاستهانة بالحياة البشرية. ولعل أحد أبرز النماذج في الديوان هو قصيدة «نشيد الغفران»، التي تتحدّى التحليل أو التأويل الجاهز، لتنفتح على مفاهيم متشعبة لا تنتهي. إنها قصيدة، عميقة، تمتزج فيها سلاسة التعبير بتدفّق المعنى، والقسوة بالألم، في توازن يثير الدهشة ويحفّز على التأمل العميق: «طلع النّهارْ / فرفعتُ كفّي للسَّماء / وسألتُ يا رحمانُ / فَلْتغفرْ لهم / إذْ إنّهم / لا يعلمونْ / يا ربُّ / ماذا يفعلونْ؟ / بعد الدّعاءْ / تجمّدَتْ في الحَلقِ / شهقةُ يائسٍ / في المَحْجرين دموع أطفالٍ قضَوْا / في السِّرّْ / فسمعْتُ صوتًا / نابعًا من تحت / يطفحُ بالأسى / ويئنّ: / ربَّاهُ لا تغفِرْ لهم / إذْ إنّهم يدْرونَ / وأنت تدري / يا إلهي».
بقدر ما تغدق علينا هذه القصيدة من جماليات، فإنها تجلدنا جميعًا بخطابها الحادّ، وتواجهنا بعجزنا وضآلة قدرتنا على الفعل، أو حتى مجرد ردّ الفعل. إنها توبيخ صارخ للضمير الإنساني، ورجَّة عميقة للمشاعر، تنبّهنا إلى هول الموت اليومي الذي بات يحدث أمام أعيننا، نشاهده على الهواء باعتيادية وبلامبالاة. في ديوانه الأخير، يفضح طه عدنان عجزنا المزمن أمام هذا الواقع المخزي: «كأنّ الموت / صار اليوم بالألوانْ / ليكون أنْضَر / كأنّا لم نعد نقـتات من خبزٍ / وماءْ / لنجوع أكْثَر / كأنّا لم نَعُدْ نحيا / كأنَّ هزيمةَ الإنسانْ / هي السبيل / لكي ترفرف نجمةٌ / على سطح أغنيةٍ تُلحّنها المَدافعْ».
ولأنّ الشعر لا يُعنى فقط بالأحداث الكبرى، بل ينصت أيضًا لهموم الإنسان اليومية، فإن قصائد المجموعة ترصد، بآلية شعرية خاصّة وقاسية، مواقف إنسانية مغرقة في الهشاشة والضياع. وتعبّر عن تلك اللحظات التي يشعر فيها الإنسان بفقدان المسار الواضح، في رحلة مضنية للبحث عن جوهر المعنى وكنهه. رحلة لا يملك أن يضيء دروبها المظلمة سوى الشاعر، مستعينا بأدواته الإبداعية، وسط عالم يعجّ بالتقلبات والتناقضات.
«نحنُ الأحياءَ المعزولين / على هذه الأرضْ / مُياوِمي الخُلود المُؤقّت / لا نملكُ سوى القصائدِ / نَحيبِ الكلماتْ / نُدَبِّجُها بحسرة الثّكالى / ضدّ الأسى والفناءْ».
على هذا النسق، يواصل طه عدنان رسمَ مشهدية مأساوية متقنة التشكيل لشخصيات منكوبة، عاكسًا واقع الفئات ذات الهشاشة المفرطة، مثل المشردين الذين يقضون حياتهم بلا مأوى. كل ذلك بأسلوب شعري يمزج بين العذوبة والصرامة في التوصيف. هكذا أتى فصل «شواهد على الرصيف» صادمًا، كاشفًا عن الجانب الخفيّ لأشياء نظن أننا نعرفها جيّدًا، بينما هي في الواقع أبعد ما تكون عن إدراكنا. ببراعة مدهشة ومؤلمة، نجح الشاعر طه عدنان في تطريز كلماته بالدم على أكفان موتى الأرصفة، ونقش على التوابيت حروفًا تنزف بلا توقف.
يقول في نعي يوسف، 40 سنة، الذي أرسل جثمانه إلى بلده المغرب في تابوت: «وأنا أموتْ / تمنّيْتُ ألّا أعود / عذرًا أهلي هناك / ما مِنْ هدايا / في التابوتْ».
هذه القصائد، رغم أنها مثقلة بالموت، تدعونا للالتفات لفئة من الناس تشبهنا لكنها وجدت نفسها، لسبب ما، أمام واقع مختلف وبائس. كما هو حال دافيد، المشرّد البلجيكي الذي افتقد الإحساس بالوطن، رغم وجوده داخل وطنه وبين أهله وناسه: «مَهْلاً / أيّها العابر الحزينْ / فالطريقُ تتربّص بالأماني والسّنينْ / وهذا الوطن الأضْيَقُ / من خيمةٍ / ليس رحيمًا / بأبنائه المُتْعَبينْ».
بمنطق شاعر اتسعت رؤيته، وامتلك آليات الشعر القصوى، يكتب طه عدنان هذه المتتاليات الشعرية التي تأخذنا إلى عوالم الموت، وتلفّنا في الأكفان وتقذفنا في التوابيت، لنعيش التجارب نفسها التي ترويها القصائد بكآبة غارقة في السوداوية. وبمعالجة شعرية لحالات ترحل بصمت، لكنّها تُخلّف وراءها أثرا خالدا، وكأنها صرخة أخيرة تُدوِّن حضورها الأبدي في سجل التاريخ.
تأتي هذه التجربة الجديدة للشاعر طه عدنان، عميقة، وذات بُعد وجوديّ، تفكّك معنى الحياة والموت. في هذا السياق، يتجلّى الشعر بصوره التي تعبّر عن قضايا الإنسان المشتركة، وعن الآلام التي تفتك بالرّوح وهي حيّة، وعن معاناة المشرّدين الذين يلفظون حيواتهم، كشهود عيان عاجزين عن الإفصاح أو الإيضاح. إنّهم عابرون على هامش الحياة، ضائعون فوق أرصفة باردة، في انعكاس مؤلم للانكسارات الوجودية التي يعيشها الفرد الغارق في التيه، وسط عالم يعج بالاضطراب والقلق الوجودي المتزايد. بصدق الشاعر الذي يقتنص اللحظة ويقبض عليها، لينقلها لنا بكل عنفها وعنفوانها المأساوي.
قصائد طه عدنان لا تقتصر على تأريخ المآسي الإنسانية الكبرى أو تصوير همجية الواقع المحيط بنا، بل تتعدى ذلك لأنها تنحت لغة الرؤية، وأيضا لغة الرؤيا التي تجعل من الكلمة الشعرية كلمة صوفية البعد، تعيد تفكيك بنية التواطؤ الجماعي بكل تفاصيله المأساوية والمدانة. إنها قصائد تنحاز للإنسان في مواجهة الموت المجاني والعبثي، الذي لا مبرر له سوى الغياب المطلق للضمير. إن الرسائل الشعرية المتناثرة في الديوان هي بمثابة أشلاء ترزح تحت الردم والمنازل المنهارة، جرّاء همجية الحرب، وجثث قتلى الصقيع والجوع والتشرّد، ضحايا سطّر لهم القدر هذا المصير ليجدوا أنفسهم، دون فرصة للاختيار، في وطنهم المحتل، أو في وطن لجأوا إليه هربا من القبح والقمع والحاجة، بحثا عن إنسانية مفتقدة، وأداة لمنح صفة الإنسانية لهؤلاء المجرّدين منها عمليًّا.
ورغم المأساة التي تفيض بها قصائد مجموعة «قيامة الأشلاء»، يظل تركيز الشاعر طه عدنان منصبًّا على فكرة الموت والمأساة، في مقابل الكرامة البشرية والانتصار لمعاني الحياة الحقّة. وهنا تكمن المفارقة والتحدّي اللذان أجاد الشاعر في تجاوزهما بأسلوب بارع. فعندما نرى الواقع طافحا بالظلم والقتل المجاني، يغدو الشعر الأداة الوحيدة الممكنة لمقاومة البشاعة واليأس. وبهذا المعنى، يصبح الشعر فعلًا وجوديًّا يحمل في ثناياه القدرة على تحويل الضعف إلى قوة، والانكسار إلى تماسك، والاغتراب إلى انتماء، مثلما يحافظ، دائما، على جذوة السؤال الحارق.
«أخي / منذُ هابيل الذي مات / في أوّل الخَلْقِ / ضيّعَتْنا القرابينُ / فضيَّعْتَني يا أخي / وَلا وِزْرَ لي / سوى قَدَرٍ ساقني إلى عتباتِ الفَناءْ / أخي ابْنُ مَنْ أنتَ / قُلْ لي بِرَبِّ السّماءْ؟ / مِنْ أيّ طينٍ خُلِقْتَ / وَمِنْ أيّ ماءْ؟»
في عالم تعمّه الفوضى، ويهوي نحو العدم، يبرز شعر طه عدنان كصرخة غضب في وجه العبث. وفي الوقت نفسه، ينثر قصائده كما لو أنها مجرّة من نجوم تضيء طريق العودة إلى إنسانية احترقت في احتدام صراعات غير متكافئة، تنتصر للقاتل، وتغضّ الطرف، بجبن، عن القتيل. فقصائد الديوان لا تقتصر على توثيق المآسي، بل تتجاوز ذلك إلى تفكيك بنية التواطؤ الإنساني والسياسي، وتقديم رؤية جديدة للواقع الذي نعيشه. وهنا يأتي دور الشاعر ليذكّرنا، في غمرة تجاهل علني ودولي، بالموت المجاني للأطفال والنساء، وينبري الشعر لينوب عن الجميع، باعتباره فرض كفاية، بدلًا من المتخاذلين والمتواطئين والمحايدين السلبيين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية