د. محمود محمد الحرثاني ولد في القدس (1935)، وتعلم في القاهرة ونبغ في نيويورك وثوى في بيروت (25 أيلول / سبتمبر 2003). تحدث العربية والإنكليزية، ولم يدر بأيهما تحدث أولاً، ولكنه برع في الكتابة بالأخيرة. ورغم ذلك مات وفي نفسه شيء من أم حتى، وتألم أنه لم يستطع أن يكتب بعربية تضاهي إنكليزيته التي غبطه عليها ألمع كتاب العصر في الغرب الأنغلوساكسوني. شعر بألمه محمود درويش فحكى رغبة صديق عمره شعراً ووضعها على لسان إدوارد:
لي لغة إنكليزية للكتابةطيعة المفرداتولي لغة من حوار السماءمع القدس، فضية النبرلكنها لا تطيع مخيلتي رغب إدوارد سعيد في أن يكون ناقداً أدبياً فارتقى صهوة النقد وأثراه بل وتعداه ليعيد تسميته ليصبح من بعده النقد الثقافي، وشدته الموسيقى فأجادها وأصبح ناقداً موسيقياً تستكتبه كبرى المجلات. ولئن كانت السياسة آخر ما استهواه، وذلك بعد صدمة عام 1967، فقد اعتبره عرفات هدية من السماء وفي لمح البصر وجد إدوارد سعيد نفسه عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني عام 1977، ومفتاحاً ذهبياً يدلف عرفات منه إلى العقل الأمريكي، فكان أن ساهم في فتح الخطوط بين الرئيس الراحل وسايروس فانس وزير خارجية الولايات المتحدة. دافع إدوارد سعيد عن عرفات ولقي في سبيله العنت حتى أن مجلة أمريكية شهيرة وصمته بـ ‘برفيسور الإرهاب’ قبل أن تسمع الدنيا بابن لادن بعشرين سنة. غضب من مسار أوسلو فشنع عليه بقلمه وغمره بنقد اضطر معه وزير ثقافة فلسطيني أن يمنع توزيع كتبه في الضفة الغربية وقطاع غزة. ورغم أن نقده للاستشراق قد غير مسار الدراسات الشرقية إلى الأبد، فإن سعيد اشتكى في كتابه المفصلي’ الثقافة والإمبريالية’ من أن إحدى إذاعات السلطة الفلسطينية وصمته بأنه مستشرق. أعجب به الإسلاميون لأنه ‘دافع عن الإسلام’، ولم يبادلهم الشعور وإن لفت نظره صفاء سرائرهم وإخلاصهم للقضية.
بلغ الاحتفاء به حد التقديس، وزاد الحنق عليه عن حدود العداوة. كرمته حوالي 200 جامعة ومؤسسة في أنحاء العالم ليس أكثرها من الوطن العربي، وأقبل العالم على كتبه فترجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة، فانتبه المترجمون العرب إلى قدره وقدرته، وفجأة تنافس على إدوارد سعيد أكثر من 20 مترجماً يعملون على نشر كتبه بالعربية، كان على رأسهم الناقدان الكبيران كمال أبو ديب ومحمد عناني ( كان أبو ديب قد سبق الجميع في تقديم الكاتب الكبير إلى القارىء العربي عندما ترجم كتابه ‘الاستشراق’ بعد صدوره بعامين، وهذا لافت). وفي المقابل كان هناك فريق نذر اعضاؤه أنفسهم لحرب شعواء على إدوراد سعيد وكتبه فتكللت جهودهم بتمرير قانون في الكونغرس الأمريكي عام 2005 يقضي بالحذر من تدريس كتب إدوراد سعيد في المؤسسات الأكاديمية والبحثية لما يراه من أثر تدميري على الحلم الأمريكي. لو كان والده وديع سعيد حياً لما صدق عينيه وهو الذي كان في الأعياد يرفع علم أمريكا على متجره في القاهرة على حسب ما روى إدوارد في مذكراته الصادمة الماتعة. سمع وديع ابنه إدوارد يوماً يردد نشيداً يمجد فيه الملكية الإنكليزية فنهره قائلاً ‘نحن ليس لدينا ملك، نحن عندنا رئيس’، يقصد أنهم أمريكيون. ويوم ودعه صبياً في أمريكا كانت نصيحته له أن لا يقترب من العرب لأنهم ‘يجرونك إلى الوراء’. والحاصل أنه في عام 1911 رحل وديع إبراهيم سعيد من القدس التي لم يكن يحبها لأنها ‘تذكره بالموت’. وغامر في رحلة بحرية أوصلته إلى شواطئ الأحلام بأمريكا ليحصل على الجنسية ويحارب الألمان ومن ثم يعود ليستقر في القاهرة باسمه الجديد وليام سعيد. كتب عن إدوارد سعيد الكثير بلغات مختلفة وعقدت المؤتمرات وحررت المجلدات درساً لفكره ونشراً لأفكاره. كتب عنه كتاب عرب كثيرون منهم على سبيل المثال لا الحصر العراقية فريال غزول، والسوري صبحي حديدي والفلسطيني فخري صالح والفلسطيني محمد شاهين والمصرية رضوى عاشور والجزائري محمد بنيس وغيرهم وغيرهم. رثاه صديقه محمود درويش في قصيدة عنوانها ‘طباق’، وكان سعيد موضوع رواية كتبها الروائي العراقي علي بدر بعنوان ‘مصابيح أورشليم: رواية عن إدوارد سعيد’ . ويوم مات رثاه الدكتور يوسف القرضاوي واصفاً إياه بـ ‘الوطني الكبير’. كل هذا إدوارد سعيد ‘الولد الشقي’ على حد تعبير والدته المثقفة التي كان لها أكبر الأثر في حياته بعد أن حصل الشرخ الكبير بينه وبين والده صاحب الشخصية القوية حد التسلط والمحافظة حد الهوس بل والخوف من إدوارد على أخواته ـ سيولد هذا التوجس من الولد الشقي فيما بعد شرخاً بين إدوراد وأخواته لم تستطع الأيام أن تجسره. هذا هو إدوارد سعيد الذي ساهم في إلحاق الضرر بعلم راسخ اسمه ‘الاستشراق’ وتأسيس حقل جديد في الدراسات الثقافية سمي فيما بعد بـ ‘دراسات ما بعد الاستعمار’. خسر العرب معركة 1967 ولكنهم كسبوا إدوارد سعيد. كان لتوه قد تخرج من جامعة هارفارد، ولم يمض على تعيينه أستاذا للأدب المقارن في جامعة كولومبيا العريقة غير سنتين حتى اندلعت الحرب التي ستغير مساره إلى الأبد، ورب ضارة نافعة. حتى 1967 كان احتكاك ادوارد بالقضايا العربية باهتاً ولعله كان مسكوناً بوصية أبيه وما حصل له من الاندماج في الحضارة الغربية. غير أن الفرحة الغامرة في أوساط الأمريكيين بهزيمة العرب وانتصار إسرائيل وما رآه على صفحات الجرائد وشاشات التلفاز من سوء تمثيل للقضية، مما يستفز حتى أكثر الناس حيادية، قد أيقظا في نفسه أشياء. بدأ تيار الوعي يسري في لا وعي إدوارد وبدأت ذكريات الهجرة سنة 1948 تتقافز بين عينيه. فلقد روى في ذكرياته كيف كان يرى العائلات الفلسطينية المنكوبة وهي تقصد بيت عمته نبيهة تطلب العون وكيف كان الدكتور حداد يعالج الناس مجاناً. ثم تذكر يوم كان ترتيبه الأول في امتحانات نهاية العام في أمريكا وتوقع أن تجري العادة فيعطى كلمة الطلاب في حفل التخرج، ولكنها ارتحلت لمن يليه في التفوق لأن إدوراد لم يكن غربياً رغم أن اسمه إدوراد. بدأت تلك الصور تستفز عقل إدوارد سعيد المتمرد على القيود أبدا، الغائص في الأعماق دائماً، ففكر في الحفر بعيداً في أعماق العقل الغربي وكيفية عمل هذا العقل على الأرض. وعلى مدار أحد عشر عاماً والشمس والقمر ساهران مع سعيد الذي أخذ يبحث في كل ما وقعت عينه عليه من النصوص المشكلة للفكر الغربي قراءة وتمحيصاً. فبدأ بتراث اليونان الذي هو أس الحضارة الغربية يقرأ ‘الإلياذة’ و’ الأوديسة’ اللتين كتبهما هوميروس شاعر الإغريق الأكبر. ودخل في عقل الكاتب من خلال دراسته لعصره وما حصل من تطورات سياسية واجتماعية وعلاقات دولية أثرت في نظرة الغرب للآخر. ومن هوميروس إلى دانتي، الشاعر الإيطالي الشهير، ورائعته ‘الكوميديا الإلهية ‘والتي استخرج منها إدوارد سعيد ما لم يستخرجه أحد قبله في علاقة الشرق بالغرب وعلاقة الأدب بالواقع وقدرة النصوص على تشكيل العقول وتوجيه السلوك، الأمر الذي يتجلى في النهاية في صورة ‘خطاب’ لا يمكن اختراقه فضلاً عن تغييره. حتى شيكسبير لم ينج من مبضع إدوارد الذي استخرج غدد التحيز من ثنايا نصوص أشهر الشعراء الإنجليز وخاصة مسرحيته ‘أوثلو/ عطيل’. ولما انتهى إدوارد من تلك التحليلات العميقة أودعها كتابه العظيم ‘الاستشراق’ الذي ترجم وحده إلى أكثر من ثلاثين لغة وبذلك شعر إدوارد ببعض الارتياح.
قفى إدوارد سعيد ‘الاستشراق’ ( 1978) بكتب أخرى كان من بينها كتاب ‘الثقافة والإمبريالية ‘( 1993)، الذي وقفه إدوارد على دراسة أثر الأدب في الحياة الاجتماعية والسياسية وعلاقة ذلك كله بالاستعمار، فكان من أوائل من أضاؤوا تلك المنطقة الرمادية التي كانت حجاباً بين الناقد وبين أثر النص الأدبي في صناعة الحياة الغربية وإثارة النزعات الإمبريالية. فبعد أن كان الأدب يقرأ للمتعة ولا يزيد القارىء في نظره للرواية أو القصة القصيرة عن أن يقول إن النص جميل أو غير جميل، أصبح القارىء، بفضل جهود إدوارد سعيد، يربط بين محتويات النصوص، التي تشكل المخيال ومن ثم تؤسس لثقافة، وبين سلوك الزعماء والقادة الغربيين الذين نسجوا مستعمرات وأسسوا إمبريالية أضرت بالملايين من أبناء المعمورة. ليس غريباً إذاً أن يسمي سعيد كتابه المفصلي الثاني ‘الثقافة والإمبريالية ‘( 1993). نبش إدوارد في هذا الكتاب نصوص كتاب عمالقة من أمثال تشارلز ديكنز وجين أوستين وردياد كبلنغ وجوزف كونراد وأخذ كنسّاج ماهر يجمع الخيوط من أعمال هؤلاء الرواد الروائية ويحلل ويوازن ليجد خيط الإمبريالية متخللاً أعمال هؤلاء جميعاً سواء علموا أو لم يعلموا. فهذا ديكنز يتكلم عن حلم الإنكليزي بالمال وتحصيله في المستعمرات في روايته ‘توقعات عظيمة ‘، وهذه جين أوستين لا تستطيع، في روايتها ‘حديقة مانسفيلد’ ، أن تتخلص من الإحالة لمزارع قصب السكر في مستعمرة أنتيجا وما تدره من فوائد. أما رديارد كبلنغ فقد كان إمبرياليا مع سبق الإصرار والترصد كما هو واضح من روايته المشهورة ‘كيم ‘. غير أن سعيد يؤكد، في هذا الكتاب الذي عرى فيه علاقة الثقافة بالإمبريالية، مرة تلو الأخرى على أهمية العلاقات الإنسانية القائمة على عدم التحيز، حتى أنه ندد بالتحيز حتى ولو كان لثقافة المرء التي رضعها. ولذلك تراه يؤكد أن المثقف النقدي هو الذي يقف على حدود الثقافة ولا ينغمس فيها. إذا نجح المثقف في أن يحتفظ بـ ‘المسافة النقدية’ تلك ويطبق مبدأ سعيد ‘لا تضامن دون نقد’، فإنه قد يستطيع في تلك الحالة أن يرى الأشياء على حقيقتها التي تخفيها شدة القرب التي هي حجاب في رأي إدوارد. ولا يمكن للمرء أن يكون موضوعياً صادقاً مع نفسه ومع غيره قبل أن يصل إلى تلك المرحلة في رأي إدوارد. ولقد يفسر هذا تماهي إدورد سعيد مع حكمة عثر عليها في حفرياته. وتعود هذه الحكمة لراهب من القرن الثاني عشر، ولطالما اقتبسها إدوارد في كتاباته وتمثلها في سلوكه وحياتها فتراه يعيد فيها ويزيد لدرجة أنه أودعها في خاتمة كتابه ‘الثقافة والإمبريالية’ كما ختم بها ‘الاستشراق’ من قبل. تقول تلك الحكمة بأن: ‘المرء الذي يحب وطنه ما يزال مبتدئاً غضا؛ والذي يحب كل الأوطان مثلما يحب وطنه فقد اشتد عوده؛ لكن الكامل هو الذي يكون العالم كله بالنسبة له أجنبياً. إن الأول قد ركز حبه في بقعة واحدة من العالم، أما الثاني فقد نشر حبه على كل الأمكنة؛ وأما الكامل فقد أطفأ شعلة حبه’. محاضر الدراسات الثقافية والترجمة في جامعة الأقصى ـ غزة