في ذكرى أحداث سبتمبر 2001.. يد مرفوعة في وجه الإمبراطورية

حجم الخط
0

سمير حمدي لم يكن ما حصل يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001 حدثا اعتياديا بكل المقاييس، لقد كان لحظة تاريخية مفصلية لها مفاعيلها وتأثيراتها وامتداداتها وبغض النظر عن أشكال تقييم هذا الحدث بين من يرفعه إلى مصاف الفتوحات والغزوات ومن ينخفض به إلى مرتبة المؤامرة التي ابتلع طعمها بعض المغرر بهم، يمكن مقاربة هذه الحادثة من وجهة نظر مغايرة بوصفها فعلا مؤثرا يعبر عن لحظة اصطراعية بين قوى مختلفة متفاوتة القوة متنافرة التوجهات .. فكيف يمكن قراءة أحداث سبتمبر بعيدا عن منطق المؤامرة وخارج أقاصيص التمجيد والثناء؟.لقد مثلت أحداث سبتمبر2001 واقعة فارقة وغير مسبوقة على الأقل من حيث هي فعل مجموعات منظمة (وليست دولة) تصيب القوة العظمى في العالم في رمزيتها القصوى ونعني به برج التجارة العالمي مع ما يختزنه من ثقل في المعنى بوصفه جوهرة الإمبراطورية الأمريكية راعية الرأسمالية في العالم، وكما يقول جاك ديريدا ‘إننا إزاء شيء قد استحدث تاريخا. و ما استحدث تاريخا هو دوما الضربة الموجهة وعين ما جرى استشعاره على الأقل بشكل يبدو فوريا بوصفه حدثا مؤثرا، فريدا، غير مسبوق’. (جاك ديريدا، ماذا حدث في 11 سبتمبر؟) ووجه الفرادة في هذا الفعل هو ما خلقه من انقلاب في المفاهيم من حيث علاقة القوة الكبرى بمجموعات المقاومة الصغيرة، ومن جهة أن الإمبراطورية الأمريكية بدت في مظهر العاجز وهي تتلقى الصفعة في قلب مواطن فخرها ورموز عزتها وقوتها. وبغض النظر عن التوصيفات القيمية من حيث إطلاق صفة الإرهاب على ما حصل وتحميل الآخر المختلف (تحديدا المسلمين) مسؤولية ما حدث وتعميم سمة الإرهاب على ديانة بأكملها وتحميل شعوب بكاملها وزر دفع ثمن هذه الضربة الموجعة. لقد تحركت الإمبراطورية بكل قواها للرد على بؤر الشر في أفغانستان وحركت أجهزتها الدعائية الضخمة للقول إن كل ما سيلحق المسلمين لاحقا إنما هو نتاج لهذه الحادثة وقد انبرى بعض الموالين للقوة الأمريكية في الدول الضعيفة المستهدفة (دول المنظومة العربية والإسلامية) للقيام بتبرير العنف الأمريكي المتصاعد والذي اتخذ شكل إرهاب الدولة، غير أن ما أهملته القوة الأمريكية بجبروتها هو أن ما حصل لا ينبغي قراءته خارج السياق العالمي العام منذ سقوط الاتحاد السوفييتي وإعلان الإمبراطورية الأمريكية لبيان الليبرالية الظافرة بوصفها الأفق الإنساني الأخير ونهاية التاريخ البشري في تحولاته الكبرى. لقد أثارت العولمة بصيغتها الأمريكية (الأمركة) مقاومات مختلفة ومتفاوتة، مقاومات تحتمي بأشد الهويات ضيقا وانغلاقا وهي مقاومات سياسية واجتماعية ويمكن أن تتخذ شكل الرفض البدائي للحداثة التي تتستر بردائها العولمة.إن ما فرضته حادثة الحادي عشر من سبتمبر هو جملة من المعطيات التي يمكن عرضها على النحو التالي:أولا: لقد شكلت الحادثة نوعا من عولمة ‘الإرهاب المضاد’ كمقابل طبيعي لعولمة الهيمنة وممارسة العنف الفعلي والرمزي على الهويات والأديان المختلفة.ثانيا: عبرت هذه الحادثة عن رفض عنيف (قد يكون غير واع بذاته) للكونية المفترضة للقيم الغربية ولهذا لم يكن من الغريب أن يكون الإسلام هو بوابة هذا الرفض ‘لكونه يشكل اليوم الاعتراض الأشرس في وجه هذه العولمة الغربية’ على حد تعبير جان بودريار.ثالثا: كشف هذا الحدث التاريخي ورغم بعده المرعب عن فشل العولمة بصيغتها الأمريكية في استيعاب الخصوصيات المتعددة ومحاولتها تذويبها في بوتقة الكلية الغربية وفرض نمط من التجانس وشكل من أشكال الجغرافيا المنتزعة من سياقاتها التاريخية التي تتشكل من الدين والتراث واللغة.رابعا: اضطرت الإمبراطورية الأمريكية إلى مراجعة سياساتها الامبريالية من خلال البحث عن أشكال من التعايش التي تحفظ حدا أدنى من الخصوصية للدول السائرة في ركابها وهو أمر ستتبدى مفاعيله بعد الربيع العربي في القبول بوصول ما يمكن توصيفه بالإسلام ‘الليبرالي’ إلى السلطة وهو أمر لم يكن متاحا أو واردا في ذهنية واضع الاستراتيجيا الأمريكي الذي كان يستند إلى نوع من التصور الذي يرى الاستبداد هو ما يليق بشعوب الشرق أو في أحسن الأحوال أنظمة شمولية في أثواب ليبرالية فضفاضة.خامسا: لقد كان النظام العالمي الجديد ذاته الذي افتتح بيانه الأول من خلال تعميده بحرب الخليج الأولى وإجبار المقاوم الفلسطيني إلى اللجوء إلى طاولة المفاوضات في ظل غياب الحليف وتخلي الشقيق، هذا النظام نفسه هو الذي خلق الظروف الموضوعية لردود الفعل القاسية من قبل تنظيم القاعدة بوصفه حالة منفلتة عن قيود العولمة وغير قابلة لمنطق التنميط المستند إلى سلطة السوق.إن المراقب الموضوعي للأحداث لا يملك إلا أن يقر بأن أحداث سبتمبر قد غيرت المشهد السياسي في العالم برمته وفرضت تعديلات على نمط التفكير الغربي ـ الأمريكي، لقد مثلت اليد المرفوعة في وجه الإمبراطورية لتعبر عن احتجاج أولئك الذين تم استبعادهم ومحاولة تذويبهم وقتل هويتهم وبغض النظر عن رد الفعل العنيف والحاد من القوة العظمى الوحيدة فإنها وجدت نفسها أمام نمط جديد من المواجهة غير المسبوقة والتي تختلف عن نموذج الحرب الباردة، فهذه الحادثة بكل وطأتها هي بالفعل ‘استحداث تاريخ’ وبلغة ديريدا ‘شيئا ما قد حدث للمرة الأولى وللمرة الأخيرة، شيئا ما لا نعرف بعدُ كيف نحسن تعريفه وتحديده وتمييزه وتحليله إلا أنه لابد له من الآن فصاعدا أن يظل شيئا من المستحيل نسيانه’. *كاتب من تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية