غرناطة- من مّحمّد محمّد الخطاّبي: خلال عملية إعادة ترتيب وتصنيف الوثائق التاريخية العتيقة بإحدى المكتبات المكسيكية القديمة كان العالم الأنثروبولوجي المكسيكي’ سيزار موهينو’ قد عثر لأول مرّة على مخطوط نادر لم يسبق نشره من قبل، يعود للمستكشف الإسباني المعروف ‘هرنان كورتيس’ ويلقي هذا المخطوط أضواء جديدة عن حياة هذا الرجل الذي هام هياما شديدا ببلاد المكسيك، مرتع إمبراطوريات المايا والأزتيك، ولعب دورا محوريّا في غزوها، وبسط نفوذ التاج الإسباني فى العالم الجديد. كما يزيح الستارعن حقائق مثيرة في تاريخ القارة الأميركية وبشكل خاص في المكسيك. ويحمل هذا المخطوط تاريخ 23 ايلول/ سبتمبر 1524 حيث يسلّم بموجبه كورتيس مجموعة من الأراضي إلى أحد الجنود الإسبان الذي شارك معه في غزو المكسيك عام 1521 المسمّى ‘أندريس طابيا’. و بعد الفحوص والتحاليل التي أجريت على هذا المخطوط خاصة نوعية الحبر والورق المستعملين فيه، وكذا التوقيع الذي يحمله للتّأكّد من صحّته وأقدميّته، تبيّن أن هذه الوثيقة التاريخية حقيقية لا يرقى إليها الشكّ، كما أنّه لم يسبق أن استخرجها أو إطّلع عليهاأحد من قبل، أيّ منذ 1524.إمرأة بصمت تاريخ المكسيكهذا المخطوط النادر هو من الأهمية بمكان لفهم كيف كان يتمّ تنظيم وإعداد المدن الإستعمارية الأولى التي أقامها الإسبان في العالم الجديد بعد غزوهم لهذه القارة البكر، كما أزاح هذا المخطوط النفيس الستار عن العديد من الحقائق المثيرة التى واكبت عملية الغزو، مثل نوعية العلاقات التي كانت تربط كورتيس بمعاونيه، أو مع زعماء السكان الأصليين، فضلا عن عشقه للمكسيك، وهيامه بالمرأة الهندية التي تدعى ‘دونيا مارينا’ والمعروفة باسم ‘مالينشي’ التي أغرم بها غراما شديدا. وكان قد سباها بعد الهزيمة التي ألحقها بالسكان الأصليين في المكسيك، حيث تسلّم نظير هذا الانتصار العسكري ما يزيد على عشرين من النساء، وكانت من بينهنّ هذه المرأة التي لابدّ انّها كانت على قدر كبير من الحسن والجمال بل ومن الفطنة والدهاء، والتى بصمت تاريخ المكسيك في ذلك الوقت، ولعبت دورا هاما في حياة هرنان كورتيس نفسه، والتى أصبحت في ما بعد من محظياته، كما كانت تترجم له مع زعماء السكان الأصليين نظرا لمعرفتها لمختلف اللغات الأصلية المكسيكية، وإجادتها للّغة الإسبانية بسرعة فائقة وفي زمن وجيز.كان هرنان كورتيس من أبرز المستكشفين في القرن الخامس عشر إلى جانب كريستوفر كولومبوس، وفرانسيسكو بيثارّو وآخرين، ولد عام 1485 في ‘ميدييّن’ بإقليم باداخوث (غرب إسبانيا بالقرب من الحدود البرتغالية)، وعندما بلغ التاسعة عشرة من عمره إنتقل الى جزيرة ‘إسبانيولا’ الواقعة في أرخبيل الأنتيل في الكرايب، حيث عيّن في منصب كاتب عمومي. وفي عام 1511 إنضمّ الى الأسطول الذي غزا جزيرة كوبا أواخر عام 1518، وقد عيّنه حاكم هذه الجزيرة دييغو فيلاسكيز قائداً للأسطول الذي وكلت إليه مهمّة إستعمار بعض الجزر المجاورة لجنوب القارة الأميركية. وفي فبراير من عام 1519 وصل كورتيس إلى المكسيك بعد أن ألحق بأسطوله العديد من الجنود البحارة الاسبان الذين إنتشلهم من عرض البحر بعد أن غرقت سفينتهم على إثر تعرّضها لعاصفة هوجاء وسط البحر .تينوشتتلان: مدينة الأحلام وبعد بنائه لمدينة فيراكروث المكسيكية أنشأ كورتيس بها بلدية وعيّن نفسه أول مسؤول لها وذلك حسب التشريع الاسباني في ذلك الإبّان، و نظرا للمسافات البعيدة التى كانت تفصل المستعمرات الإسبانية الجديدة في القارة الامريكية عن إسبانيا، وتأخّر الاتصالات مع التاج الإسباني في شبه الجزيرة الإيبيرية وجد كورتيس نفسه مستقلا بالحكم، منفردا ومستأثرا بالسلطة في المكسيك، حيث لم يعد يمتثل حتى لتعاليم حاكم كوبا (الأقرب جغرافيا من المكسيك بالنسبة لإسبانيا) دييغو فيلاسكيز. وبهدف الحصول على رضى وتعاطف العرش الإسباني بعث كورتيس إلى إسبانيا مركبا غاصّا بمختلف الثروات من ذهب وفضّة ونوادر العالم الجديد إلخ.. وأمكنه بفضل هذه المناورة السياسية أن يجعل حكمه شرعيا يحظى برضى العرش الإسباني، ثم قرّر الذهاب حينئذ إلى مدينة تينوشتتلان عاصمة إمبراطورية الأزتيك التي بنيت فوق بحيرة كبرى والتي كانت من أكبر وأجمل حواضر المكسيك في ذلك الوقت، ومثلما أحرق طارق بن زياد مراكبه عندما وصل الى عدوة الأندلس711 م، كذلك أحرق كورتيس (1519م) جميع مراكبه ( وقيل أغرقها) حتى لا يترك لأحد من جنده مجالا للتفكير في الفرار، علما أن هناك من يشكّ في هذه الواقعة ،ويحسبها من نسج الخيال والأساطيرالتى حيكت حول هذا الرجل الغريب الأطوار والأدوار. وعلى امتداد الطريق بين مدينتي فيراكروث ومكسيكو أمكنه إخضاع العديد من القبائل والحواضر الأزتيكية، التي انضمّت الى جيشه وعزّزته وأصبحت حليفة له، وبعد أن وصل إلى عاصمة الأزتيك قام بخطف ملكهم موكتزوما وأمكنه بذلك أن يشل القيادة الأزتيكية، وسيطر على المدينة الساحرة تينوشتتلان التي كانت تخترقها الجداول والأنهار والمياه، وتحيط بها الأشجار الباسقة، والظلال الوارفة من كل جانب، والتي كانت تبدو للإسبان عندما دخلوها أول مرّة مثل المدن التي تتراءى للحالم في أحلامه. وبعد سلسلة من المعارك والمناورات إستطاع كورتيس السيطرة بصفة تامة على هذه المدينة بتاريخ 13 من شهر آب/ أغسطس 1521. ثم أصبح بعد ذلك قائدا عامّا وحاكما مطلقا ‘لإسبانيا الجديدة’ وهو الاسم الاستعماري الجديد الذي أطلق على المكسيك في ذلك الوقت. وبعد أن اتّهم بعدم حسن تدبيره لشؤون الحكم، بعث العاهل الإسباني كارلوس الأوّل موظفين ملكيين سامين لاسترجاع دفة الحكم التي كانت بحوزة كورتيس ثم نقل قسرا إلى إسبانيا. حاول كورتيس إسترجاع أمجاده العسكرية السابقة في العالم الجديد، وعلى الرغم من اللقب الشرفي الذي أطلقه عليه العاهل الاسباني وهو ‘مركيز أواكساكا ‘ومشاركته في بعثة عسكرية إلى الجزائر، إلا أنه لم يتمكّن من استرداد مكانته المرموقة كقائد فاتح ،ولم يحظ بعطف الملك عليه من جديد. إستقر كورتيس بعد ذلك في مكان قريب من مدينة إشبيلية وهو يجرّ أذيال الخيبة والحسرة، وقد هدّه النّكد والوهن، وأثقلته الهموم والأحزان. كورتيس وسيرفانتيس وقد ورد إسم هرنان كورتيس في الفصل السابع من القسم الثاني من رائعة الكاتب الإسباني العالمي ‘ميغيل دي سيرفانتيس’ الأدبية المشهورة (دون كيشوت) التي نشرت عام 1615حيث يقول: ‘..إنّه هرنان كورتيس الذي حاصرالسفن المناوئة، وأحدث بها الثقوب والتجاويف والأعطاب، وجعل المراكب الشراعية الإسبانية في مأمن من الأهوال والأخطار، وصيّرها منساقة لإمرته في العالم الجديد’. توفّي كورتيس عام1547 بإسبانيا ودفن في مدينة إشبيلية، ثم بعد بضع سنوات نقل الى المكسيك، بعد أن كان قد أوصى بأن يدفن فيها بعد مماته، واحترمت وصيّته وتمّ تنفيذها حيث دفن بالفعل بصفة نهائية في مدينة مكسيكو سيتي، ونظرا لحبّه الشديد للمكسيك وعشقه العميق لها إليه تنسب تلك الأغنية الرومانسية الحزينة والمؤثّرة الذائعة الصيت التي ما فتئت تتغنّى بها إلى اليوم على لسانه العديد من فرق المارياتشي الموسيقية المكسيكية الشهيرة ذات القبعات العريضة المزركشة،والبدل الزاهية الجميلة والمشار إليها أعلاه.