القاهرة ـ «القدس العربي»: التصريحات التي أيقظت الكثيرين من سباتهم جاءت على لسان نائب رئيس الوزراء ووزير التعاون الدولي الأسبق زياد بهاء الدين، حول علاقاتنا بالخليج واعترف خلالها بتغير الخريطة السياسة في الخليج، مضيفا: “الأوساط من خارج الدولة لا تقدر حجم التغير الهائل الذي حدث في دول الخليج، نحن أمام جيل جديد من المسؤولين، وصناع القرار لا تربطهم بمصر العلاقة العاطفية التي كانت لدى الجيل الذي سبقهم، والذي تربى وتعلم في مصر”. وأضاف أنه يجب التعامل مع تلك المسألة انطلاقا من اختلاف الدوائر الحاكمة، معقبا: «الجيل الجديد يتعامل مع القضايا الاقتصادية بمنتهى البرود والحسابات التي لديه، عندك أهلا وسهلا معندكش يفتح الله.. ومصر لا بد أن تتعامل معهم بهذه اللغة». وشدد على ضرورة التعامل بندية وجدية مع الجانب الخليجي، قائلا: «بقدر احتياجنا للدول العربية، نتيجة تراجع اقتصادنا ومرورنا بأزمة، لكن لا يزال الخليج بحاجة إلى مصر؛ لأنها قوة لا يستهان بها ولا تزال مصدر ثقافة وتعليم وطب، والثقل الاستراتيجي السياسي في المنطقة”.. وأشار إلى أن: “الاقتصاد هو علاقات تجارية يجب الدخول فيها انطلاقا من إصلاحات حقيقية وأرقام وإحصائيات، وليس العواطف”. وسيطرت الأزمة الاقتصادية على صحف أمس الاثنين 7 أيار/مايو، وفي هذا السياق اجتمع الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، مع فريد بلحاج نائب رئيس البنك الدولي وعدد من أعضاء الوفد المرافق، بحضور الدكتورة رانيا المشاط وزيرة التعاون الدولي، وقد جّه رئيس الوزراء، الشكر للوفد على الجهود التي بذلوها للانتهاء من الاستراتيجية القُطرية الجديدة بين مصر ومجموعة البنك الدولي للفترة 2023-2027.
ومن أبرز تصريحات مسؤولي الأحزاب: أكد محمد أنور السادات رئيس حزب الإصلاح والتنمية، أن إلقاء القبض على أقارب المرشح الرئاسي المحتمل أحمد طنطاوي رسالة سلبية ومحبطة لكل من لديه نية للترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وإهدار واضح للضمانات التي طالبت بها القوى السياسية والوطنية لضمان نزاهة وشفافية الانتخابات الرئاسية المقبلة، ربما يؤدي إلى تكرار مشهد عزوف الناخبين وفقدان الأمل والثقة في أهمية النزول والمشاركة والإدلاء بأصواتهم. ودعا السادات الدولة وأجهزتها إلى عدم إرباك، أو الإضرار بالمشهد السياسي ومصداقية وجدية الحوار ونتائجه المرتقبة. ومن القضايا التي حظيت بالاهتمام: كشف الوزير المفوض فالح المطيري مدير إدارة الأمانة الفنية لمجلس وزراء الإعلام العرب، في جامعة الدول العربية عن انطلاق أعمال الاجتماع الخامس لفريق الخبراء المعني بتقييم وتحديث خطة التحرك الإعلامي العربي في الخارج برئاسة الأردن، ومشاركة وفود تمثل وزراء الإعلام في الدول العربية.
وقال المطيري، إن خطة التحرك العربي الإعلامي في الخارج ترتكز على ثلاثة محاور أساسية هي، القضية الفلسطينية ونصرتها إعلاميا، والتصدي لظاهرة الإرهاب، وإبراز الصورة الصحيحة للعرب والمسلمين في الخارج. ومن أخبار بيت العرب: أدان الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، الاستيلاء على مقر المنظمة العربية للتنمية الزراعية في العاصمة السودانية الخرطوم، وتحويله إلى ثكنة عسكرية. وأعرب المتحدث الرسمي باسم الأمين العام عن مطالبة الجامعة باخلاء مقر المنظمة فورا من أي مظاهر عسكرية وإعادته إلى الجامعة العربية، والتحذير من العبث بممتلكاته. ومن أخبار الحوادث: قضت محكمة جنايات شمال القاهرة بمعاقبة أمريكي و11 مصريا بتهمة تهريب 586 قطعة آثار غيابيا بالسجن المؤبد وغرامة 10 ملايين جنيه. تم ضبط الأمريكي في فبراير/شباط الماضي داخل مطار جون كنيدي وبحوزته القطع الأثرية التي تعود إلى ما يزيد على 4 آلاف عام، كان في طريقه إلى نقلها لولاية نيويورك بهدف بيعها.
النار بالقرب منا
سيكون من المؤسف والخطير من وجهة نظر عماد الدين حسين رئيس تحرير “الشروق”، ألا نكون قد فكرنا في وضع استراتيجية للتعامل مع الأزمة السودانية. وضرورة حماية بلدنا وحدودنا وأمننا القومي من كل الأخطار المحتملة. وليس معنى ذلك في أي حال من الأحوال منع أو التضييق على أشقائنا السودانيين لدخول مصر، بل يجب أن نرحب بهم ونقف إلى جانبهم بكل الطرق في هذه المأساة الإنسانية الصعبة، التي يمرون بها في هذه الأيام، حتى يتمكنوا من تجاوزها بأقل الأضرار الممكنة إن شاء الله. ولكن هناك خيطا رفيعا بين ضرورة حماية الأمن القومي المصري، والترحيب بإخواننا السودانيين، وتسهيل إقاماتهم والتخفيف عنهم. الاستراتيجية التي يجب أن نعمل عليها في هذا الصدد يجب أن تشمل العديد من العناصر والمحاور، وبطبيعة الحال يجب أن تجيب التفاصيل عن كل ما يتعلق بهذا الأمر، حتى لا نتفاجأ لا قدر الله بأننا أغفلنا جزءا أو عنصرا أو محورا أو تفصيلا صغيرا، وقد انفجر في وجوهنا، ووقتها لن ينفع الندم والتحسر. مطلوب من هذه الاستراتيجية أن تجيب عن أسئلة وموضوعات وقضايا متنوعة. منها مثلا، ما هو موقفنا من الأزمة السودانية؟ أعلم أن مصر من أوائل الدول التي دعت للوقف الفوري لإطلاق النار، وأعلم أن جوهر الموقف المصري هو الانحياز الواضح للسودان وأهله وشعبه ووحدته، لكن ما أقصده هو أن يكون الموقف أكثر وضوحا ونحن نعد الاستراتيجية. بمعنى ما هو الوضع الذي نتمنى أن ينتهى عليه الصراع؟ ويرتبط ذلك بتحليل وفهم مواقف بقية الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية من الأزمة، وتأثير ذلك على مصالحنا، وهل بعضها بدأ يتدخل في الصراع لمحاولة التأثير ونصرة طرف على حساب آخر أم لا؟ وإذا كان ذلك قد حدث، فما الذي ينبغي علينا أن نفعله؟
لهم ما لنا
أحد عناصر الاستراتيجية التي دعا لها عماد الدين حسين للتعامل مع الأزمة السودانية، أن تكون لدينا مجموعة من السيناريوهات المختلفة، بمعنى ماذا لو انتصر الجيش السوداني في هذه المواجهة، وماذا لو انتصرت ميليشيا الدعم السريع، وماذا لو لم يتمكن أي من الطرفين من حسم المعركة عسكريا، ودخلا في مرحلة استنزاف طويلة، قد تقود إلى تفكك البلاد إلى دويلات مختلفة لا قدر الله؟ وعلينا بطبيعة الحال أن ندرس تأثير كل سيناريو من هذه السيناريوهات علينا. يجب أن يكون لدينا تقدير دقيق، أو تقريبي للآثار التي ستتحملها مصر إذا استمر الصراع لوقت قصير، أو متوسط أو طويل، سواء كان ذلك على الصعيد الأمني أو الاقتصادي، أو السياسي، أو الاجتماعي، وما الذي ينبغي علينا أن نفعله في كل سيناريو؟ من بين الأسئلة التي يفترض أن تجيب عنها الاستراتيجية، ما هي أعداد الأشقاء السودانيين التي يمكن للاقتصاد المصري أن يتحملها في حالة تطور الأزمة وتوسعها، وبالتالي استمرار تدفق أعداد القادمين إلى مصر، وهل سيتم السماح لهم جميعا بالتوجه إلى القاهرة الكبرى؟ أم يمكن استيعابهم في محافظات مختلفة خصوصا في الصعيد؟ سؤال آخر: هل هناك تأثيرات اجتماعية لتدفق الأخوة السودانيين بأعداد كبيرة على مصر، وهل هذه التأثيرات إيجابية أم سلبية أم الاثنان معا، وكيف يمكن تعظيم الإيجابيات وتقليل السلبيات؟ وبالطبع هناك عنصر مهم ينبغي أن تتم مناقشته بكل هدوء وتجرد وهو التأثيرات الأمنية. نعلم أن عدد السودانيين في مصر قبل الأزمة كبير جدا، ويقدره البعض بحوالي أربعة إلى خمسة ملايين شخص، يعيشون في أمان وسط إخوانهم المصريين قبل تفجر الأزمة. الآن المتوقع أن يتزايد هذا العدد حال استمرار الصراع، وبالتالي فلا بد من مناقشة ذلك أمنيا. علينا أن نسأل: هل هناك إمكانية أن تدفع بعض القوى الإقليمية والمحلية السودانية بعناصر مناوئة ومعادية لمصر من أجل محاولة هز الاستقرار فيها، وبالتالي يصبح السؤال: كيف نستعد لهذا الأمر؟ كل ما سبق مجرد عناوين سريعة ينبغي أن نفكر فيها قبل أن تداهمنا الأضرار. نسأل الله السلامة لمصر والسودان.
تذكرها على عجل
تذكر أحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية، أخيرا الشعب الذي يناضل وحيدا، والأرض التي تصرخ من دنس المحتل، ونقل أيمن عامر في “الأخبار” عن أبو الغيط في كلمته التي ألقاها نيابة عنه الدكتور سعيد أبو علي الأمين العام المساعد رئيس قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة، في الندوة التي عقدتها جامعة الدول العربية في ذكرى النكبة الفلسطينية الـ75: ونحن نستذكر النكبة الفلسطينية في هذه الأيام فإننا نستحضر مسيرة الشعب الفلسطيني وتضحياته وإنجازاته، كما نستذكر في هذا المقام ذكرى يوم الأسير الفلسطيني ومعاناة أكثر من خمسة آلاف أسير في سجون الاحتلال الإسرائيلي، منهم أعداد كبيرة من الشيوخ والأطفال والنساء والمرضى يعانون أقسى ظروف الأسر والاعتقال، وهم يفتقدون أبسط الحقوق القانونية والإنسانية التي أقرتها المواثيق الدولية. إننا نحيي قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الخاص بإحياء ذكرى النكبة الخامسة والسبعين في مقر الأمم المتحدة، ونعبر عن التقدير لمواقف الدول الأعضاء التي دعمت إصدار هذا القرار، تأكيدا منها على أهمية وضرورة تضافر الجهود الدولية كافة، لوضع حد للظلم التاريخي الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني، وهو ما يتطلب تضافر جهود الدول والمنظمات المحبة للسلام في مواصلة التعبير عن موقفها عبر تقديم مرافعاتها وشهاداتها لمحكمة العدل الدولية في القضية المعروضة أمامها، والخاصة بعدم قانونية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والآثار المترتبة عليه، وبما يسهم في توفير أساس قانوني إضافي قوي في تحقيق العدالة الناجزة والغائبة لعقود. إن المجتمع الدولي يضطلع بمسؤولية كبيرة في ضرورة التصدي للتوجهات بالغة التطرف لحكومة اليمين الإسرائيلي التي لا تضيع فرصة من أجل إشعال الموقف، وتأجيج المشاعر، ودفع الأمور إلى حافة الهاوية في الأراضي المحتلة.
إنها حكومة ترفض حل الدولتين وتعمل على تقويضه كل يوم عبر مشاريعها الاستيطانية واقتحامات المسجد الأقصى المبارك، والسعي إلى تقسيمه زمانيا ومكانيا، ويتعين على القوى المحبة للسلام الوقوف صفا واحدا لوضع حد لهذه النزعات المتطرفة والممارسات الخطيرة لحكومة الاحتلال.
فعلها موسى
عندما حادث ضياء رشوان المنسق العام للحوار الوطني، الدكتور أسامة الغزالي حرب داعيا اياه للمشاركة في الحوار، اعتذر الأخير له، بشدة للأسباب التالية التي أوردها في “الأهرام”: أولا لأنني – بيني وبين نفسي – لم أكن متأكدا من جدية هذا الحوار المزمع، فضلا عن انشغالي بكتابة عمودى اليومي في “الأهرام” غير أن الكلمة القوية الصريحة التي افتتح بها عمرو موسى الحوار بددت كل الشكوك والمخاوف، ورفعت سقف الحوار إلى مستويات جادة تدور بالفعل حول القضايا المحورية التي تشغل المواطن المصري. وكما كتب الزميل والصديق العزيز عبد القادر شهيب، فإن عمرو موسى قص شريط الحوار، وحوّل الجلسة الافتتاحية له من مجرد تمهيد تقليدي للمؤتمر، إلى دخول مباشر في الموضوع. إن قيمة كلمة عمرو موسى في تقديري أنها أولا أضفت مسحة جادة وموضوعية على الحوار تجعله محل احترام ومتابعة جادة، ليس فقط من الداخل، وإنما أيضا من الخارج الذي تعود عدم الاكتراث بتلك المؤتمرات. كما أن قيمة تلك الكلمة تنبع أيضا من موضوعيتها الشديدة، فبدأت بتحديد الإنجازات التي حققها النظام المصري على نحو لا يمكن إنكاره، والتى كان في مقدمتها بلا شك إبعاد خطر الإرهاب، والخلط المخيف بين الدين والسياسة، والدعوة الجادة للإصلاح الديني والتسامح الديني، وإعلاء قيم المواطنة، والإنجازات التي شهدها الوطن في مجالات المرأة والشباب ومكافحة العشوائيات، وتدعيم البنية الأساسية.. في هذا السياق الموضوعي، طرح عمرو موسى تساؤلاته، التى هي بالفعل تساؤلات حقيقية وجادة، تستحق معالجتها والإجابة عنها بكل شفافية وثقة.
ربيع سيزهر
يقول الدكتور ياسر عبد العزيز في “الوطن”، ستظل الانتفاضات التي ضربت العالم العربي في مطلع العقد الماضي نقطة تحول مفصلية في التاريخ السياسي للمنطقة، وسيمكن القول أيضا إن أثرها ما زال حاسما وحاكما في آن. لم يوفر المعلقون والمنظرون جهدا في فحص وقائع تلك الانتفاضات، وما تلاها من تحولات وتداعيات، وما ترتب عليها من نكسات وخسائر، أو مزايا وفوائد، ومع ذلك، فإنها ما زالت قادرة على الإلهام وإعطاء الدروس والعبر. لقد طرحت تلك الانتفاضات عديد الأسئلة على بساط البحث الاستراتيجي والسياسي والمجتمعي، وتوافرت الجهود الباحثة والناقدة والمُحللة لأسبابها، ودينامياتها، وتداعياتها المؤثرة؛ ومن بين تلك الأسئلة: لماذا وقعت تلك الانتفاضات؟ ولماذا اختصت نظما سياسية بعينها، وتفادت ضرب أنظمة أخرى؟ وما احتمالات أن تعود وتضرب من جديد؟ وما تأثيراتها في البنية السياسية والمجتمعية العربية؟ ورغم كل هذا الزخم، بما انطوى عليه من تنوع في الأسئلة والإجابات، فإن الموضوع ما زال على بساط البحث، وكل يوم يرد إليه معطى جديد. ومن بين الأسئلة التي لم تحظ باهتمام كبير، بينما تؤكد المعطيات الجديدة أنها جديرة بالنظر والبحث، ذلك السؤال المتعلق بمدى تأثير تلك الانتفاضات في بنية النظم السياسية العربية ومرتكزات عملها، سواء كانت من “ضحايا” الانتفاضات، أو كانت من “الناجين” من ضرباتها المباشرة؟ إجابة مثل هذا السؤال تحتاج عملا بحثيا واسعا ومعقدا، تخصص له فرق عمل وموارد ضخمة، وتُسخر لإنجازه آليات بحثية تجمع بين الأدوات الفكرية والجهود الميدانية، ومع ذلك، فثمة ما يمكن أن يُرى ويُرصد ويُحلل الآن في هذا الصدد.
من هم عرابوها؟
في تقدير الدكتور ياسر عبدالعزيز أن تلك الانتفاضات أعادت صياغة مفهوم عمل النظام السياسي ودوره في الدولة الوطنية العربية، بل إنها أيضا أعادت صياغة رؤية الجمهور والمؤسسات والقادة لفكرة الشرعية، وغيرت في نظرتنا لأساليب قياسها واختبار رسوخها من عدمه. فمنذ بزغ عهد الدولة الوطنية العربية، التي استكانت لعقود في حوزة “القادة المُلهمين”، الذين توزعوا على شرعيتي “الملكية التقليدية” و”الجمهورية الثورية”، كانت الشرعية مستقرة، على قواعد الحق التاريخي، وجهود التأسيس، والشرعية الثورية (أو الانقلابية)، حسب موقفنا من التطور السياسي في كل دولة، ورؤيتنا لصيغة الحكم القائم. وقد حدث هذا في معظم الدول العربية، وباستثناءات محدودة، شهدت إطلاق نظم أساسية أو دساتير حديثة، بدت في بعض الأحيان فعالة، وانطوت على قدر من المصداقية. وفي غضون ذلك، ظلت هناك فكرة عريضة وصلبة تحفظ تماسك نظام الحكم الوطني، وتوفر له ذرائع للحكم الشمولي أو غير الديمقراطي، وتحجب المطالبات بوجود آلية دستورية مستدامة لتداول السلطة، وبضمانات للحريات العامة، وتعصم النظم الوطنية من الوفاء بحقوق المشاركة والمساءلة والمحاسبة، بل تغفر لها الهزائم والإخفاقات المريرة، “إجلالا وتقديرا” لتلك الفكرة، التي اجتهدت المؤسسات وآليات التأثير الدعائي في تكريسها، باعتبارها ركيزة هوية، وثابتا وطنيا لا يمكن التخلي عنه تحت أي ظرف. فما تلك الفكرة؟ ومن عرابوها ومبتدعوها؟ وإلام آلت بعد عقد الانتفاضات؟ لم تكن تلك الفكرة واحدة في كل دولة من الدول العربية بطبيعة الحال؛ إذ اختلفت بقدر الاختلاف الجيوسياسي والاجتماعي والاقتصادي في كل مجتمع. وفي دولة ما كانت تلك الفكرة هي “الدين”، أو “تأويل محدد للدين”، ومن خلاله سينتظم المجتمع ضمن إطار تصوغه السلطة وتسهر على إدامته، وفي أعمق مفصل منه، سيتكرس الولاء للقيادة، بصرف النظر عن طبيعة الأداء السياسي ونتائجه.
الحرب إلى أين؟
سواء كان الهدف هو محاولة اغتيال الرئيس الروسي بوتين أو كان حتى مجرد التحليق فوق الكرملين، فإننا كما اشار جلال عارف في “الأخبار” أمام حادث خطير سيكون له ما بعده في الحرب الدائرة في أوكرانيا، وفي الصراع الأوسع بين روسيا والغرب. إذا صح أن الهدف هو محاولة التخلص من بوتين، فهذا لا يعني فقط الرد القاسي من جانب موسكو، لكنه أساسا سيكون عودة للغة تم التراجع عنها سريعا، كان البعض في الغرب، ومنهم الرئيس الأمريكي، يسايرون حديث القادة الأوكرانيين عن ضرورة هزيمة روسيا والتخلص من بوتين ليكون التفاوض ممكنا مع من يخلفه. هذه اللهجة كانت قد تراجعت في الشهور الماضية، وحلت محلها لهجة أخرى لا تستبعد بوتين من الصورة، وترى أن المطلوب ليس هزيمة روسيا، بل انسحاب قواتها من أوكرانيا. موسكو منذ البداية أشارت إلى أن هذا هو هدف غارة المسيرات «الدرونز» وحمّلت أوكرانيا المسؤولية.. بينما نفت أوكرانيا وشككت أمريكا. أما الخبراء فرجحوا أن يكون الهجوم قد انطلق من منطقة قريبة من موسكو، وهذا يعنى أنه تم تهريب طائرات «الدرونز» المسيرة كأجزاء وتجميعها في الداخل.. وإذا صح هذا الاحتمال، وصح أيضا أن طائرات «الدرونز» التي تم إسقاطها داخل الكرملين لم تكن إمكانياتها تسمح بإتمام مهمة الاغتيال، فإن ذلك لا يقلل من خطورة ما حدث بل ربما يضاعفها. هذا الاحتمال يعني أن الاختراق الأمني والضعف الاستخباراتي عند روسيا أكبر مما كان متصورا، فتهريب أجزاء الطائرات المسيرة إلى الداخل، ثم تركيبها وإطلاقها من ضواحي موسكو، ووصولها إلى قلب «الكرملين» قبل إسقاطها لا يعنى إلا أن هناك خللا أمنيا كبيرا «مكّن» الطرف الآخر في الحرب من تحقيق هذه الضربة، التي تهز الثقة في قدرة روسيا على حسم المعركة التي يترقب الجميع جولة ساخنة فيها مع هجوم الربيع الذي يستعد الطرفان المتقاتلان له.
الرد لن يتأخر
الضربة قوية في كل الأحوال، وبدوره يتوق جلال عارف لأن الرد عليها سيكون قاسيا، وإنكار أوكرانيا للمسؤولية عنها أمر طبيعي، لكن ما قاله زيلينسكي، إن العملية ملفقة من جانب الروس من أجل التصعيد أمر مستبعد.. فلن تلفق موسكو حادثا يضرب هيبتها، ولا تحتاج موسكو لسبب من أجل التصعيد، ثم إن الحادث ليس منفردا. فعلى مدى شهور تتوالى غارات الطائرات المسيرة «الدرونز» من الجانبين، وخلالها تم استهداف الطائرات الأوكرانية لقواعد عسكرية وأهداف استراتيجية قريبة من الحدود، وقبل واقعة «الكرملين» بأيام تم استهداف مخازن سلاح ومستودعات للوقود. وفي اليوم التالي للهجوم على الكرملين كانت مصفاة نفط تتعرض لهجوم من المسيرات الأوكرانية.. لكن الهجوم على «الكرملين» نقطة فارقة في الحرب، بكل ما يحمله من رمزية أن مركز الحكم في روسيا في متناول «العدو»، وسواء كان الهدف اغتيال بوتين أو اغتيال هيبة القوة الروسية، الانتقام الروسي سيكون قويا، لكن اللافت هنا أن موسكو تريثت وقالت إنها سترد في الوقت المناسب، وهو ما يرجح أن الاتصالات المخابراتية بين المتصارعين الكبار من القوى النووية كانت حاضرة ومؤثرة. رغم ضغط التوقيت على موسكو، التي لا بد أن ترد قبل 9 مايو/أيار موعد احتفالها القومي بالانتصار على «النازية» في الحرب العالمية الثانية، والتي تعتبر حربها ضد أوكرانيا استمرارا لها.. وأيضا رغم أن توقيت الهجوم على الكرملين يتزامن مع ترقب الهجوم المضاد الذي تستعد له أوكرانيا، والذي يبدو أنه يواجه صعوبات بشأن إمدادات السلاح، وبسبب نقص الذخائر. هل تكون حرب «الدرونز» أو «المسيرات» هي البديل المؤقت أو الدائم لمعركة الربيع، ولمعارك أخرى في حرب أوكرانيا بعد الإعلان عن عجز مصانع السلاح عن تعويض استهلاك الذخائر التي تحتاج منها أوكرانيا إلى 250 ألف قذيفة مدفعية شهريا على سبيل المثال؟
لا يليق بنا
ظاهرة سلبية آخذة في الانتشار تصدى لها عبد القادر شهيب في “فيتو”: السب والقذف لم يعد قاصرا على شخص واحد يمارسه منذ سنوات.. العدوى انتقلت إلى أشخاص كثر على مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا يتأكد يوما بعد آخر لأي متابع لهذه المواقع.. فإن الكلام العدواني يتزايد يوما بعد آخر على هذه المواقع، ولغة الكراهية هي الغالبة على خطابه. وقد يفسر البعض ذلك بتعرض المصريين لضغوط معيشية حادة في الفترة الأخيرة، حيث يعد السب القذف في تقديرهم نوعا من التنفيس لما يعتريهم من غضب، لكن هذا ليس صحيحا لأن الأكثر تعرضا لهذه الضغوط المعيشية لا يمارسون السب والقذف، بل هم مشغولون أساسا بتدبير أمور حياتهم في ظل غلاء منفلت، بينما يصدر السب والقذف والكلام العدواني ممن هم أقل تعرضا لضغوط الغلاء والتضخم، بل ومن لا يعانون هذه الضغوط أصلا ولذلك علينا البحث عن سبب آخر لتفشي ظاهرة السب والقذف والعدوانية على الخطاب المجتمعي على هذا النحو المثير للقلق، لآن ذلك يعد نوعا من العنف ونذيرا لاتساعه وعدم اقتصاره على العنف اللفظي فقط.. وبما أن النار دوما هي من مستصغر الشرر، فإن العنف اللفظي الواسع الآن كان من قبل محدودا وصغيرا، لكنه نما وكبر واستفحل لإننا سكتنا عليه وهو محدود، ولم نحاسب من تورط فيه وارتكبه مبكرا، وهذا جعله يتمادى في العنف اللفظي وشجع اخرين على تقليده ومحاكاته، ما دام آمن الحساب والعقاب.. ومع استمرار سكوتنا على ذلك وعدم تطبيق القانون الذي يجرم السب والقذف والعنف اللفظي وعقاب من يمارسه صار الآن يمثل مشكلة لنا غير بسيطة، لأن العنف اللفظي هو عادة مقدمة للعنف غير اللفظي الذي تسيل فيه الدماء. القانون وحده وتطبيقه على الجميع بلا استثناء هو الذي يحمينا من ظاهرة الكلام العدواني والعنف اللفظي في المهد قبل أن يتطور ويتحول إلى عنف غير لفظي تسيل فيه دماء.
اختار أن يخسر
ظل محمد أمين مهتما أن يشاهد حفل تتويج الملك تشارلز، كما اخبرنا في “المصري اليوم”: كنت مهتما أن أعرف موقف دول العالم من الملك الجديد، وهل حضر المؤثرون أم لا؟ وكنت حريصا على أن أشاهد لقاء مصر مع الملك الجديد، ممثلة في رئيس وزرائها.. والصور تنقل أحيانا معاني كثيرة، يمكن أن تكتشفها بسهولة. ولكنني اهتممت بحضور شخص آخر هو الأمير هاري، الذي حضر وحده دون زوجته ميغان وابنيه والغريب أن هذه أول مرة يُشاهد فيها الأمير هاري مع العائلة المالكة منذ نشر كتاب السيرة الذاتية، ويبدو أن العائلة اشترطت عليه أن يحضر وحده دون زوجته التي تسببت في كل المشاكل للأمير هاري مع العائلة، للأسف، دخلت ميغان من أول يوم وهى تنوي التفريق بينه وبين عائلته، وللأسف اختارها على عائلته، وخسر كل شيء.. العائلة وبريطانيا والمكانة الاجتماعية وشقيقه الأمير وليام، ولي العهد الجديد، فأصبح يجلس في الصفوف المتأخرة، ولا يدخل شرفة القصر الشهيرة التي تقتصر على العائلة فقط.. تابع الكاتب منتقدا بشدة الرهان الذي جانبه الصواب بالنسبة للأمير المغضوب عليه: هاري اختار أن يكون خاسرا وهاجر مع ميغان ليبدأ من الصفر في كل شيء.. واختار أن ينشر عن عائلته كلاما فارغا في نتفليكس مقابل حفنة دولارات، فضيقوا عليه ورفضوا الكلام معه ونبذوه.. فلم يجد أي شيء يكتبه من الأسرار، أما عن التتويج فهو معلوم لكل العالم، وليس هناك جديد يمكن أن ينشره.
ملكة مخضرمة
واصل محمد أمين قراءة ما رصده في الاحتفال الملكي بتتويج الملك تشارلز وعواقب التقدير الخاطئ لهاري: خسارة العائلة هي الخسارة الكبرى، بغض النظر عن خسارة اللقب والمهام الملكية.. فلا أحد يساوى شيئا بعد الأب والعائلة، ربما تكون مشاعره متضاربة من ناحية زوجة الأب، لكنه كان يجب أن يظهر كرجل محترم أمام الناس، ويتصرف كأمير تربى في حضن عائلة وبيت ملكي وبالمناسبة، فإن الملكة كاميلا لم تلتفت إلى أي شيء مما قاله آحاد الناس هنا أو هناك، وكانت هادئة وقورة، حتى تم تتويجها مع الملك تشارلز كملكة ترتدي تاج المملكة، وهي تشبه في صمتها وهدوئها الملكة إليزابيث، وأعتقد أنها ستقدم نفسها من جديد للشعب البريطاني كأنها ملكة من سلالة ملوك، الفرق كر بين ميغان وكاميلا.. كلاهما من أصول غير ملكية، ولكن بدت كاميلا كملكة مخضرمة حين ارتدت تاج المُلك.. فهى ليست خطافة رجالة ولا خرابة بيوت.. ولكنها سيدة أحبت وأخلصت في حبها وظلت إلى جوار زوجها، حتى أصبح ملكا، وحتى أصبحت هي أيضا ملكة متوجة… البدايات كانت واحدة لكاميلا وميغان، لكن النهايات ستكون مختلفة تماما.
نحبها أم نكرهها؟
ليس مهما أن نحب بريطانيا أو نكرهها، لكن المهم من وجهة نظر عبد المحسن سلامة في “الأهرام”، أن نستفيد من تقدمها، وعلمها، وأوضاعها الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية. مثل مليارات البشر تتويج تشارلز ملكا لبريطانيا في حفل أسطوري شارك فيه معظم قادة ورؤساء وملوك دول العالم، ومن مصر شارك الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، نيابة عن الرئيس عبدالفتاح السيسي. الحفل أسطوري بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، وتشعر معه بالعراقة والأصالة والحفاظ على التقاليد. تشارلز يرتدى «حُلة» الملك التاريخية، ويُمسك بالسيف الشهير، ويستمع إلى نصائح القس في تقاليد صارمة وتاريخية. بريطانيا لم تقم فيها ثورة، وأعتقد أنها لن تقوم، والبعض يعتقد أن تشارلز ربما يكون آخر ملك، لكن ذلك محض اجتهادات، فقد قالوا عن الملكة إليزابيث مثل هذا الكلام، وجاء الوقت ليتوج تشارلز ملكا جديدا. مراسم تاريخية مهيبة تعود تقاليدها لأكثر من 1000عام بدأت بتحرك الموكب الملكي من قصر باكنغهام إلى كنيسة وستمنستر آبي في موكب عسكري ضخم شاركت فيه 60 طائرة عسكرية من طراز «سبتيفاير»، التي شاركت في الحرب العالمية الثانية، و5 آلاف جندي من القوات المسلحة البريطانية، بالإضافة إلى عدد من جنود 30 دولة من دول الكومنولث. قاد المراسم رئيس أساقفة كانتربيرى بوصفه أكبر رمز ديني لأتباع المذهب الأنجليكاني. تقاليد نقلت المشاهدين إلى أعماق التاريخ، وأشارت إلى عراقة مملكة عظيمة بما لا يتعارض مع حداثتها، أو كونها من أكبر الدول حتى الآن، فهي سادس أكبر اقتصاد في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي، والقدرة الشرائية، إلا إنها تعتبر ثانى أكبر اقتصاد مالي بعد الولايات المتحدة الأمريكية، في حين تعتبر لندن أكبر مركز مالي في العالم. الحفاظ على التقاليد لا يعني «التقوقع»، و«التشرذم»، لكنه يمكن أن يكون قوة دفع قوية للتقدم والعصرنة بعيدا عن الانغلاق المقيت، أو الانفتاح العشوائي، والمشوه.
سيئة السمعة
هل يمكن القول إن الكرة المصرية سيئة السمعة؟ اجاب الدكتور عبد المنعم عمارة في “المصري اليوم”: نعم، يمكن قول ذلك؟ سألت كثيرين عن ذلك.. كان ردهم بالإجماع هو الرأي نفسه. طلبني شاب كروي غاضب، وقال: أنا غلب حماري.. ما المقصود بهذه المقولة؟ هي ترجع إلى الشخصية الشهيرة «جحا»، الذي تعامل مع الحمير التي يمتلكها، حيث كان يجلس على أحدها ويعد الباقي، فيتناقص عددها كل مرة، ثم ينزل من على الحمار ويعدها ويجدها كاملة، وهكذا دواليك، مما يُتعب الحمار، وكاد يشكو.. من هنا جاءت كلمة «غلب حماري». أترك كل هذا جانبا ونعود إلى كرة القدم الغلبانة، التي حوّلناها من متعة وترويح وتسلية ومشاعر قوية إلى أن سبّبت للمصريين مشاكل نفسية لا تُعد ولا تُحصى. الكرة المصرية من كثرة مشاكلها وآلامها وصراخها، تطلع من نقرة أو حفرة لتقع في «دحديرة»، المعنى هو الخروج من حفرة صغيرة والسقوط المدوي، وبالنسبة لنا أنه كلما يخرج أحدنا من مصيبة يقع في أسوأ منها. واضح أن كرة القدم ليست واقعة فقط في حفرة صغيرة، بل هي في طريقها إلى السقوط المدوي، الذي هو كما يتردد أن «فيفا» سيجمد الكرة المصرية بسبب التدخل الرسمي نتيجة أفعال وأقوال قياداتنا الكروية ومسؤولي الكرة ورؤساء الأندية وغير ذلك كثير. ما يُكتب في الإعلام يلتقطه «فيفا»، ومنه يُصدر قراراته، بالطبع مع وجود المستندات، وما أكثرها، كلمات قاسية هنا وهناك – سوشيال ميديا قاسية – ألفاظ وتحديات بين كبار الأندية وعند وعناد بينها إلى غير ذلك. لا أطلب منك، بل سيادتك من المؤكد أنك ليل نهار تعد كم حفرة تقع فيها، وتتوقع متى سيكون سقوط الكرة المصرية إلى الهاوية. يتبقى السؤال الذي أرى أنه لا إجابة له، وأتحدى مَن يستطيع إنقاذ الكرة المصرية من السقوط إلى الهاوية التي هي في طريقها إليها، كالسقوط من الجبل العالي إلى الأرض. يا ربي كيف الإنقاذ، ما الحل؟ كيف تنجو الكرة من هذه المصائب التي تأتي على رؤوسنا فرادى وجماعات؟ فات الزمان الذي كان يُقال فيه: متى يأتي الفارس الجميل لينقذ الأميرة الجميلة من سجنها في القلعة؟ ليس لدينا فارس جميل ولا أميرة جميلة، فقط لدينا قلعة مهجورة تُسجن فيها الكرة المصرية.