في ذكرى النكبة .. نظام رسمي يكرس الهزيمة وشعوب ترفضها

خمس وستون سنة على نكبة العرب الكبرى. خمس وستون سنة من الضياع والتشتت والحروب الصغيرة والكبيرة والاحتلالات والثورات، مرة ضد الاستعمار ومرات ضد الدكتاتورية. خمس وستون سنة والكيان الذي زرعه الغرب في قلب الأمة العربية فاصلا جناحيها الآسيوي عن الأفريقي، ما زال يستخدم ذراعه الطويلة في لطم أنظمة الخنوع والذل واستمراء الهزائم، من مجمع أوزيراك النووي قرب بغداد شرقا إلى حمام الشط في تونس غربا ومن دبي إلى الخرطوم، ومن دير الزور وجمرايا إلى شارع فردان في الحمراء البيروتية. كم مرة أرسل عملاءه لاغتيال العلماء والناشطين والثوار العرب في بيروت ودمشق وغزة ورام الله ودبي وباريس وبغداد ومالطا ولارنكا وبروكسيل ولندن وفيينا. في كل يوم يكرس الكيان الواقع، ويبني عليه مزيدا من الحقائق على الأرض، فيرد النظام الرسمي الفلسطيني البائس والعربي المستسلم بمزيد من التنازلات والمزيد من المساومة على كرامة الأمة وتاريخها ومستقبلها ومقدراتها. الكيان الذي كان ذكر اسمه من المحرمات يرسل مسؤوليه وفرقه الرياضية وعملاءه وتجاره إلى العواصم العربية الواحدة بعد الأخرى، فتفتح لهم الصالات والفنادق والملاعب، بينما تغلق الحدود جميعها أمام تشرد ثالث أو خامس أو عاشر للفلسطينيين من الكويت أو بغداد أو دمشق أو نهر البارد أو ليبيا، فيلتحفون الصحراء في ارويشدب أو االسلومب سنة أو سنتين أو أكثر فتشفق عليهم آيسلندا والبرازيل وتشيلي، والنظام العربي البائس يتفرج. النظام العربي الواحد أو شبه الواحد يكرس الهزيمة بينما يرفض الشعب العربي وقواه الحية عقلية الهزيمة والاستسلام. لقد اكتشفت الجماهير العربية أن تحرير الأرض لا بد أن يسبقه تحرير الإنسان، وأن الوصول إلى اللص داخل المبنى لا بد أن يسبقه التصادم مع الحارس. ومخطئ من يعتقد أن تحرير فلسطين سيتم على أيدي قيادات تتأرنب أمام العدو وتستنمر أمام الشعوب. ولنراجع معا بشيء من الاختصار ثلاثة مشاهد تكرس الهزيمة ثم ننتقل إلى تشخيص مشهد أخير يشير إلى أن هناك ضوءا في نهاية النفق.
المشهد الفلسطيني: بائس بكل المقاييس. سلطتان لا تتحكمان فيمن يدخل أو يخرج إلى مناطقهما. رئيسان للوزراء ووزيران للخارجية والداخلية والتعليم. كيف وهما تعيشان على المساعدات الخارجية، واحدة تكرس عقلية الهزيمة في رام الله، وأخرى تمارس أسلمة المجتمع المسلم أصلا في غزة بما يتوافق مع أيديولوجيتها الضيقة في فرض الحجاب وإلغاء المعسكرات الصيفية ومنع النرجيلة للسيدات.
سلطة أوسلو في رام الله هي المسؤولة الرئيسية عن تكريس الهزيمة منذ وقعت الاتفاقية المشؤومة أمام الكاميرات وحشد من الضيوف في حديقة البيت الأبيض، قبل عشرين سنة، والذين زينوا للقيادة التنازل عن وطنهم في نكبة تعادل بل تبز نكبة 48. وهذه هي النتائج التي يعيشها الشعب الفلسطيني. مزق من الشعب على مزق من الأرض بمزق من حقوق لا تتجاوز حق تلقي طعام الصدقة والحق في النوم والحق في الإنجاب.
الغريب أن القيادة الأوسلوية التي تجاوزت صلاحيتها ما زالت تقدم الرشاوى لنتنياهو للعودة لطاولة المفاوضات فقط. أما ماذا ينتج عن تلك المفاوضات فلا يهم القيادة لأنها ترفع شعار افي الحركة بركةب. أما الشعب الفلسطيني فيعرف سلفا إلى أين ستوصل المفاوضات القادمة، التي ستستغرق عشرين سنة أخرى. فنتائج العشرين الأولى واضحة في تهويد القدس والجدار والمستوطنات والطرق الالتفافية والأسرى وهدم البيوت والمداهمات، وبعد هذا فلا مانع لدى إسرائيل أن يتم تغيير اسم السلطة الفلسطينية إلى دولة فلسطين.
المشهد العربي: النكبة صنعها أعداء الأمة التاريخيون، لكن الجسم العربي كان مريضا فتقبلها، وضعيفا فلم يقاومها، فدخلت في كل مفاصل الحياة العربية. وعندما تشكلت بعض الروافع الوطنية للرد على النكبة بجدية، وُجد من يطعن تلك التجربة من الخلف ويجرها إلى ساحات ثانوية ومعارك بينية ومؤامرات قاتلة، مرة تحت راية الإسلام ومرات تحت مسميات قبلية وحزبية وشوفينية، مما أضعف التجربة الناصرية وفت من قدراتها وأدخلها في متاهات خطيرة. وتم التخلص من تلك التجربة الفريدة في تاريخنا المعاصر عام 1970 بعد أن تآمر عليها أعداء الداخل قبل أعداء الخارج. حاول كذلك أبناء المخيمات وفقراء العرب ومثقفوهم الثوريون أن يجدوا بديلا جماهيريا يقاوم، لا بالدبابة والطيارة، بل بالإرادة والعزيمة والحجر. فتم زجهم في معارك جانبية فوجدوا أنفسهم في ساحات غير ساحاتهم ويخوضون معارك ليست لهم، وما هي إلا سنوات حتى تحولوا إلى جزء من النظام العربي الرسمي، بل أكثر فسادا. استكمل المشهد العربي الجديد عندما وضع 99′ من أوراق الحل في يد الولايات المتحدة، ولم يبق إلا المشهد الاحتفالي للاستسلام وهكذا كان في حديقة البيت الأبيض. ومنذ اتفاقية كامب ديفيد المشؤومة والمشهد العربي يتقزم ويضمحل ويتلاشى ويختفى من على شاشة العالم. تنطلق الحروب مع الجيران ومع مكونات البلد ذاته.
تنفلت الطائفية من عقالها. يتم احتلال أكثر من بلد. يتم تعميم الطبعة الأكثر تخلفا وظلامية من الإسلام، دين التسامح والعدل والمساواة. تتقزم الدول الكبرى وتتناحر ويصعد إلى السطح لقيادة الأمة دويلات البئر، كما سماها زميلنا الكاتب والأديب خالد الكركي. ولا هناك أبلغ من هذا المشــــهد المزري، يوم وقف وفد الجامعة العربية السباعي عن يمين وشمال جون كيري، وزير الخارجية الأمريكي ليعلن عن قبوله مبدأ تبادل الأراضي، في الوقت الذي كانت تدك الطائرات الإسرائيلية ضواحي دمشق والنظام مشغول بدك مدنه وقراه وأريافه من أجل استمرار مسيرة الممانعة.
المشهد الدولي: بعد نهاية الحرب الباردة عام 1989 تكرست قيادة القطب الواحد والنظام العالمي الواحد وسقطت نظرية الحزب القائد والرجل القائد. أصبح العالم قرية صغيرة تمسك الولايات المتحدة بخناقها وتمسك إسرائيل بخناق الولايات المتحدة. الحقيقة أن نظرية اقتصاد السوق تفوقت على نظرية اقتصاد التخطيط المركزي ونظرية التعددية السياسية تفوقت على نظرية الحزب الواحد والأيديولوجية الواحدة، ونظرية تمكين الشعوب تفوقت على نظرية الطليعة الحزبية، وباختصار تفوقت نظرية الديمقراطية على نظرية الماركسية وانتصر جون ستيوارت ميل وجون لوك وجون هوبز على كارل ماركس وفردريك إنجلز. تغولت الولايات المتحدة بعد هذا الانتصار. ومن نشوة النصر أرادت أن تخلق لها أعداء جددا. وإلا كيف تبقى شركات إنتاج الأسلحة بدون عمل؟ فأوجد منظروها الأشرس برنارد لويس وصامويل هننتغون وثلة من المحافظين الجدد في الإسلام السياسي عدوا جديدا. انتشرت الحروب في فلسطين والعراق وأفغانستان وكشمير والبوسنة وكوسوفو والصومال ولبنان، وكلها تكرس قناعة لدى المسلمين بأنها حرب عليهم وعلى دينهم. ومما عزز من مخاوف الغرب كله وجود جماعات تورا بورا التي وفرت لهم المبرر، والتي لو لم تكن موجودة لصنعها الغرب إن لم يكن بالفعل صنعها وآزرها وأطلق يدها كي تؤمن له الغطاء والمبرر. هذه الجماعات الصغيرة جدا في البداية قسمت العالم إلى مؤمن وكافر ودار سلام ودار حرب وإسلام وجاهلية وعززت ثقافة الموت والانتحار وتفخيخ الأجساد واعدة كل منتحر بسبعين حورية.. على طريقة الحسن بن صباح وقلعة الموت الشهيرة. المستفيد الأكبر من كل هذه الفوضى غير الخلاقة هو الكيان الإسرائيلي الذي ركب موجة الحرب الغربية على الإرهاب، معمما هذا المفهوم على نضال الشعب العربي المقهور تحت الاحتلال وأصبح العالم المنصاع للأخطبوط الأمروإسرائيلي يردد مقولة الإرهاب عن شعب هو ضحية للإرهاب الأوروبي الأمريكي الإسرائيلي. الأخطر من هذا أن النظام العربي الرسمي بما في ذلك السلطة، أصبحت جزءا من هذا النظام، وأصبح رئيس أكبر دولة عربية كنزا إستراتيجيا لإسرائيل ونظام الممانعة لا يطلق طلقة واحدة لأكثر من 40 سنة، وبعض رموز السلطة تستعجل إسرائيل في التخلص من عش الدبابير في غزة. وأصبحت إيران بالنسبة لبعض الدول النفطية العدو الأخطر الذي يستوجب تنسيقا بين أعدائه، بما فيها إسرائيل. فهل هناك أقبح من مشهد لنظام عربي يغير الأولويات ويهرب من المواجهة ويدفع المليارات لتشغيل عجلة الاقتصاد الغربي، بينما جيرانه العرب المسلمون يتضورون جوعا.
بريق أمل: الشعوب لا تنتحر. الشعوب لا تقبل الهزائم. والشعوب تمهل ولا تهمل. هذه حكمة التاريخ ولنا أسبابنا في أن الأمل لم يضع وأن المستقبل لا بد إلا أن يحمل تغييرا جذريا لصالح الأمة. هناك منطقتان جغرافيتان في العالم العربي تكادان تخلوان من نظام سلطوي كاسر- جنوب لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة قبل قدوم سلطة أوسلو. في فلسطين المحتلة أبدع الشعب العربي هناك وسيلة نضال خلاقة هي الانتفاضة. لم تتمكن إسرائيل بكل قواتها ومخابراتها وبطشها من إخماد شعلة الانتفاضة، فلعبت اللعبة بإتقان حيث أوكلت المهمة إلى جماعة أوسلو فتم لجم أي عمل وطني مقاوم وتحولت أجهزة السلطة إلى جهاز أمن يسهر على راحة المحتل وقطعان المستوطنين، وبالتالي تم إخماد الانتفاضة الأولى والثانية بنفس الأساليب تقريبا، أي بالتعاون الأمني الإسرائيلي الأوسلوي. وفي جنوب لبنان وفي غياب الدولة المركزية أبدع الشعب العربي هناك مقاومة فذة استطاعت أن تهزم إسرائيل مرتين عام 2000 وعام 2006 وأصبح سيد المقاومة سيـدا على قلوب الملايين من العرب والمسلمين بلا منازع، إلا أن المؤامرة لم تتوقف فهناك محاولة لتكريس سلطة الدولة من جهة حتى تفرض هيمنتها على المقاومة وتحولهــــــا إلى جهازسياسي بيروقراطي، وهناك عملية حرف متعمد لاتجــــاه بندقية المقاومة من الجنوب إلى الشرق والشمال، حيث أصبح المقاتـــــلون الأشاوس يدافعون عن القصير وحمص والسيدة زينب، بدل بنت جبيل ومرجعيون وقانا. وبالتالي نزل سيد المقاومة من مكانته في قلوب الملايين أو لنقل معظمهم عندما شاهدوه مصطفا إلى جانب نظام كاسر ظالم يقتل شعبه بالآلاف ويلحس كرامته عندما تدك إسرائيل مواقعه الاستراتيجية قرب دمشق. لكن الأمل ما زال معقودا على الشعوب ونحن نرى مقذوفات المقاومة البدائية تصل القدس وتل أبيب وسيناء تتحول إلى بؤرة مقاومة وبرلمانا عربيا يصوت لصالح طرد سفير إسرائيل (حتى لو كانت رسالة سياسية فحسب لأن المصوتين صادقون) وهناك أجيال من الشعوب العربية لا تقبل المس بكرامتها وقد استطاعت أن ترمي بطغاة العصر إلى مزبلة التاريخ، وما زالت منطلقة في شوارع القاهرة تونس وطرابلس وعمان والدار البيضاء والموصل وصنعاء لتصحح مسيرة الثورات التي انقض عليها من لم يصنعوها وحولوها إلى منبر للجماعة الجائعة للسلطة والسلفيين الذين يصدرون الفتاوى التي تدور في جلها حول جسد المرأة طولا وعرضا. على مثل هؤلاء سنبقى نراهن.
النكبة الأساسية ولدت نكبات قد تفوق النكبة الأولى خطورة وكارثية. لكن النكبة الكبرى للشعب الفلسطيني كانت وما زالت في قياداته المتعاقبة التي لم ترق يوما إلى مستوى المسؤولية فتعرف كيفب تمسك قبضة المنجل وكيف يقاوم الأعزلب وتعرف كيف تفاوض وتعرف كيف تناور وكيف تتمسك بالمبادئ وكيف تتمثل حقيقة هموم الشعب وآماله وأحزانه وأفراحه وأهدافه التي لن يحيد عنها مهما طال الزمن فلا الأجيال الأولـى خانت ولا الأجيال اللاحقة نسيت ولا الأجيال القادمة ستستسلم.

‘ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية