يفيد الدارسَ كثيرا كما يفيد المتتبعَ العاديَ للشأن السياسي أن يتذكر بعض المواقف التي وعلى بساطتها أو هامشيتها أحيانا، كانت بمثابة نقطة تحوّل جذري في العلاقات بين الدول. فقد رأينا كيف أن مشادة كلامية بين العقيد القذافي والملك السعودي عصفت بالعلاقات بين بلديهما ولم ينجح في رأب صدعها إلى الآن تزاحم وساطات ولا توالي قمم ومصالحات، ورأينا كيف أن تسمية شارع بطهران باسم الإسلامبولي قاتل المطبِّع الأول، أتت ولو كسبب ظاهري، على ما كان متبقيا من علاقات بين مصر وإيران، ورأينا كيف أن تصريحات مسؤول إيراني حول ‘إيرانية’ البحرين أضرّت كثيرا بالعلاقات بين البلدين وبين إيران ودول كثيرة تضامنت مع البحرين. لكن ودائما بخصوص المواقف البسيطة ظاهريا والهائلة من حيث المؤدى والنتائج، فإن أهم ما شهدناه في الفترة الأخيرة يبقى الموقف الشجاع للسيد طيب رجب أردوغان رئيس الوزراء التركي حين تصدى لرئيس الكيان الصهيوني شمعون بيريس، فقد دوّت في الآفاق تلك الصفعة التي تلقاها بيريس بمنتدى دافوس أواخر كانون الثاني (يناير) 2009، وتناقلتها وسائل الإعلام بكثافة، وأسهمت بالتالي في مزيد من فضح الكيان الصهيوني وانتهاكاته وفي إفساد مخططات تستهدف الفلسطينيين وقضيّتَهم والمسلمين ومقدساتهم، من داخل الوطن العربي وخارجه. فما معنى أن يحضُر منتدى دافوس وتلك الندوة بالذات الأمينُ العام لجامعة الدول العربية أيّاما بعد مجزرة غزة التي راح ضحيتها الآلاف نصفهم من الأطفال، ثم لا يكتفي بمجالسة مجرم حرب بل يستمع إلى أكاذيبه وتبريراته ويبقى ‘كالأطرش في الزفة’؟ ألا يصب ذلك ولو عن جهل في خانة تجميل وجه الصهيونية القبيح، أو على الأقل في خانة تقبيح وجه المقاومة الجميل؟ كان يمكن لندوة دافوس تلك أن تكون ضربة مؤلمة إضافية للعرب والمسلمين لو أن بيريس نجح في تمرير أكاذيبه وتكذيب ما رأته أعينهم وما كابدته قلوبهم ومشاعرهم، لكن السيد أردوغان كان لحسن الحظ هناك ليفضح أكاذيبه قبل أن ينسحب من ندوة أريد لها بعناية أن تكون مسرحا لتبرئة ساحة الصهاينة ومن والاهم في حربهم الغاشمة على فلسطينيي غزة. فموقف أردوغان مهما حاول البعض التقليل من شأنه، وعلى بساطته وعفويته شكَّلَ إشارة انطلاق لموجة من حملات التضامن مع الفلسطينيين، وعلى رأسها قافلة أسطول الحرية التي عرّت تماما ‘بلطجة’ وهمجية الكيان الصهيوني. ومع أن كل شيء في السياسة حتمي أي خاضعٌ لقواعدَ وتوازناتِ قوىً ومصالحَ ترسم مسارات لا محيد عنها، فقد سرني كثيرا كعربي مغربي سماع خبر الصفعة الثانية التي تلقاها بيريس، من ملك المغرب هذه المرة، وكأن ‘نحس’ دافوس سيظل يُطارد بيريس وكيانَه بقيةَ أرْذَلِ عمْرِهِما. تمثلت الصفعة الجديدة في رفض الملك محمد السادس استقبالَه وبالتالي تفويته عليه حضور منتدى عالمي طالما عوّل عليه لنشر الأضاليل، ناهيك عن مهانة اعتباره بلغة الدبلوماسية ‘شخصا غير مرغوب فيه ‘. كانت بحق صفعة ‘بيد من حديد في قفاز من حرير’، ليس لبيريس وكيانه وحدهما وإنما أيضا لمشكّكي الخارج ولمُطبّعي الداخل لدينا، خصوصا بعد واقعة استدعاء بعض مجرمي الحرب الصهاينة ومنهم ليفني إلى منتديات يشرف عليها ‘فَصَاعِنةٌ’ من سلالة عباقرة المغرب الجدد، وواقعة تحوّل أحد التيارات الأمازيغية إلى تجارة التطبيع المربحة. لكن ما هي الأسباب التي دفعت المغرب الرسمي إلى هذا الموقف الصارم، خصوصا أنه لم يَسع إلى نشر الخبر وإنما جاء تسريبُه من الرئاسة الصهيونية نفسها؟ بهذا الخصوص كشف مصدر وُصف بأنه رفيع المستوى لجريدة ‘المساء’ المغربية عن أسباب رفض الملك استقبال بيريس، وكان من بين تلك الأسباب: ‘أنه ليس هناك من جدوى للقائه في هذا التوقيت بالذات الذي يتسم بتعطيل العملية السلمية بينهم وبين الفلسطينيين، وأن غرض بيريس كان فقط الحظوة باستقبال ملكي لا غير، فالرجل معروف بكونه مناورا يبحث عن ربط علاقات مع قادة الدول من المؤثرين، وإنه ليس رجل سلام، خلافا لإسحاق رابين، الرئيس الإسرائيلي الأسبق. ‘ان الملك رئيس لجنة القدس اطلع في لقائه بنيويورك مع محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، على مجموعة من المعطيات الخاصة بتطورات الوضع بين الإسرائيليين والفلسطينيين، حيث تبين أن الأوضاع مجمدة، خصوصا مع التصعيد الإسرائيلي على مستوى تشييد المستوطنات، أنه ليست هناك إضافة سيقدمها المغرب للفلسطينيين بهذا الاستقبال’. فهل هو نزوع نحو الممانعة أم نأي بالذات عن مذلة الاعتدال في ظل غطرسة الكيان الصهيوني وجبروته؟ أم تراه بكل بساطة وعفوية تعبير عن موقف غالبية المغاربة الداعم للحقوق الوطنية الفلسطينية؟ تلك الحقوق التي أثبت التقرير الأممي الأخير أنها لم تُراعَ من لدن الأمم المتحدة وأمريكا وإسرائيل، أو بعبارة أوضح أن هذا الثلاثي تواطأ وعمل جاهدا على تيسير هضمها والتصدي لكل من اعترض على ذلك.
عبد اللطيف البوزيدي – المغرب