في ذكرى رحيله الأولى: هل يملأ الأقرانُ غيابَ سعدي يوسف؟

عاش سعدي يوسف، ولاسيما بعد السنوات التي أعقبت الاحتلال الأمريكي لبلده العراق، وما لحقه به من جرائم إنسانية وحضارية، أياماً قاسية، لكن وضعته على محك ما آمن به، إذ لم يتنازل قيد أنملة عن أخلاقيات القصيدة التي آمن بها ودافع عن مُتطلباتها الجوهرية، كفعل إنساني وواجب جمالي بالدرجة الأولى. احتج بشدة على الغزو وأعماله الإبادية، وعلى رفاقه القدامى الذين هرولوا إلى مجلس بول بريمر سيئ الذكر. ورغم ما لحق به من أذى مادي ورمزي نتيجة مواقفه المعلنة، بما في ذلك منع كتبه من التداول، ومن حجب اسمه في أنطولوجيا الشعر العراقي، لم يتوقف ابن أبي الخصيب عن الصدع بما كان يؤمن به سياسياً ويبلوره شعراً، أو عبر سلسلة المقالات التي كان يطلقها بلسان الساخر من مهازل الأيام والرفاق والأطروحات الشوهاء. ولم يتوقف عن إحساسه الطافح والبوهيمي بالحياة وملذاتها، كما يعبر عنه سمت أناقته وقمصانه المزركشة وربطة عنقه المقصوصة حتى النصف، ومن صدره كانت خريطة العراق تلتمع بالغياب القاسي.

المنعطف الأساسي

رافق سعدي يوسف (1934- 2021) نصوص الحداثة الشعرية الأولى في بدايات الخمسينيات من القرن العشرين، وكانت نصوص دواوينه في هذه الفترة: «القرصان» 1952 و»أغنيات ليست للآخرين» 1955 و»51 قصيدة» 1959، ما زالت تترسم خطى القصيدة الكلاسيكية، لغة وبناءً وإيقاعاً، أو بالأحرى بلاغة البنية التقليدية للقصيدة الحرة. فكان في بداياته كلاسيكياً، ولم يتسم شعره بروح طليعية تضاهي الأيديولوجيا الثورية التي اندفع إليه بحماس الفتى الجنوبي، إذ انطبع هذا الشعر بطابع الغنائية التي تتجلى في العناية بالإيقاع الموسيقي وشفافية اللغة التي تستهدف جمهوراً واسعاً من القراء. ولم يتململ شعر الشاعر فنياً إلا في حقبة ما بعد الكولونيالية، سواء من خلال انفتاحه على الثقافة الشعبية، أو على الذاكرة الثقافية من خلال علاقاته التناصية، أو على الفنون الجميلة مثل الفن التشكيلي والموسيقى، ما جعله يخرج عن سرديات الحداثة الأولى التي كانت ترفع الشاعر إلى مقام النبي والمبشر والرائي المنقذ، وتنهل لغته من الرموز والأقنعة الأسطورية، ومن العوالم الكلية وأنماط الوعي الإنساني العليا، ولاسيما تحت تأثير كتاب «الغصن الذهبي» لجيمس فريزر.

تأثره بالتجربة الستينية التي انطلقت من العراق وشملت أجناسا أدبية وتعبيرات فنية متعددة: القصة والرواية والمسرح، والتشكيل والعمارة. وشعريا ظهر جيل رافض ومتمرد على «كلاسيكيات» القصيدة الحديثة، ومنحدر من مرجعيات سياسية وأيديولوجية متعارضة.

خرج سعدي، مثلما خرج بعض مجايليه مثل، حسب الشيخ جعفر، وصلاح فائق، وفاضل العزاوي وسركون بولص على سبيل التمثيل، وكان لكل واحد منهم أسلوبه الخاص؛ وقد شكل هذا الأمر بحد ذاته نزعة جديدة في تاريخ الحداثة الشعرية العربية، وجدت وقعها الأبرز خارج العراق؛ في لبنان ومصر وسوريا على وجه الخصوص. كان سعدي معجباً ببدر شاكر السياب، وأكثر قرباً من عبد الوهاب البياتي الذي أخذه في «أباريق مهشمة» ببساطة جملته الشعرية وعنايتها برصد الأشياء الصغيرة والعابرة، غير أنه اهتدى مبكراً إلى كتابة خاصة به؛ هي ما سيعرف في أدبيات الشعر الحديث بـ»قصيدة التفاصيل». وإذا تساءلنا عن المنعطف الثقافي الذي غير مفهوم الشعر عنده، وربط تجربته ككُل بهذه القصيدة حالاً ومآلاً، فيمكن أن نرده إلى ثلاثة محاور مفصلية لها علاقة بحياة الشاعر وعصره المضطرب وثراء مقروئيته:
أولًا: تأثره بشعر اليوناني يانيس ريتسوس، الذي أثر عميقا في مساره الشخصي سياسياً وجمالياً، وذلك من خلال أسلوبه في كتابة القصيدة اليومية، ووصف الأشياء الصغيرة، والموضوعات الحسية، بما في ذلك ذات الطابع «الإيروتيكي». ومن ثمة، آثر الابتعاد عن التجريد اللغوي، مفضلاً مشهديات الحياة اليومية في تفاصيلها الحقيقية كخيار شعري وأسلوبي، حتى عُرف بصاحب «النبرة الخافتة في الشعر العربي الحديث» حسب تعبير الناقدة العراقية فاطمة المحسن.
ثانياً: تأثره بالتجربة الستينية التي انطلقت من العراق وشملت أجناسا أدبية وتعبيرات فنية متعددة: القصة والرواية والمسرح، والتشكيل والعمارة. وشعريا ظهر جيل رافض ومتمرد على «كلاسيكيات» القصيدة الحديثة، ومنحدر من مرجعيات سياسية وأيديولوجية متعارضة. تجاوب سعدي مع كل ذلك بحذر في بادئ الأمر، ثم سرعان ما غدت قصيدته عنواناً لهذه المرحلة لاحقا؛ بعد أن تخلصت من غنائيتها وصارت أكثر مواءمةً لحساسيته الجديدة، وأكثر قربا من إيقاع النثر، وهو ما جعل الملفوظ الشعري يغير طريقة النظر إلى العالم ويعرض عناصره على قرائه بصيغة مغايرة وثورية. وقد ظهرت هذه الحساسية بوصفها مسألة جوهرية تتعلق بصميم الحداثة وروحها التي على الشاعر أن يعبر عنها، في ديوانه «قصائد مرئية» عام 1965، قبل أن تتوطد خلال سبعينيات القرن الماضي، ولاسيما بعد صدور ديوانه اللافت «الأخضر بن يوسف ومشاغله» عام 1972، حيث ابتدع قرينه الشعري الأخضر بن يوسف، الذي أخذ يعبر رمزيا عن صورة الشاعر الغريب والمتشظي، مثلما بات يعبر عن حالة الشك التي أخذت تراود الجميع سياسياً واجتماعياً، مثلما يعكس نضجه الشعري الذي ارتقى لغوياً ورؤيوياً وفنياً.
ثالثا: عاش سعدي يوسف في مستوى حياته الشخصية وموقفه السياسي أطواراً متقلبة وقاسية، اضطر إلى مغادرة بلاده في أواسط الستينيات، والتنقل بين العديد من البلدان: الجزائر، بيروت، دمشق، قبرص، عدن، باريس، عمان، ثم لندن التي انتقل إلى العيش فيها منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي، بعد طلبه اللجوء السياسي وحصوله على الجنسية البريطانية. لكن ذلك لم يفقده القدرة على مواصلة التجديد الشعري وإيمانه بالشيوعية الأممية. كانت تجربة المنفى رغم قساوتها خلال هذه الفترة الطويلة، ذات قيمة رمزية عالية بالنسبة إليه شعريا وسياسيا. كان الشاعر يسرد حكايات الآخرين ومآسيهم، ويعمل عبرها على صياغة أحلام سيرته بقدر ما كان يعيش لحظات وجوده الصعب والضروري في المنفى، بينما راح اليسار التقليدي يتخبط في مآزقه، وأساطير الشعر تحترق بعد هزيمة حزيران/يونيو وتحجب بأدخنتها الكثيفة سماء الرؤيا. من قناع الأخضر بن يوسف إلى قناع امرئ القيس، مروراً بقناع الشيوعي الأخير الأشهر، كان سعدي يُشخص حالات الذات ومنفاها في اللغة، ويرصد خراب الحاضر، ويعطي لكتابته عزاءً مضاعفا لوجودها.
أزعم أن هذه هي أبرز العوامل التي صنعت قصيدة سعدي يوسف، وجعلت من سداها الحي حقل إلهام لغيره من الشعراء مجايلين ولاحقين؛ قصيدة التفاصيل التي تنطلق من حدث صغير، أو فكرة عابرة لتبني من هذا أو تلك روحاً مصقولةَ بالجمال الضروري الذي يؤذينا في الصميم، ويلفت انتباهنا إلى ما حولنا من آثار وقيم على وشك الاندثار. لكنها قصيدة تستنفر طاقة خلاقة من عمل الدال، وتتناص مع مراجع وأخيلة متعددة، قريبة ونائية.

اغترابات سعدي

لم يكن منفى سعدي واحداً، بل متعدداً مترامي الأطراف؛ فهو يكشف عن تمظهرات مختلفة من اغتراب الشاعر؛ سواء باعتبار الاغتراب الأسري حيث انبت عن أسرته وهو صغير، وافتقد الأمان النفسي وصلته الحميمة بالمكان، أو باعتبار علاقته بأوضاع بلده والعالم العربي السياسية والاجتماعية في عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، أو باعتبار أيديولوجيته الشيوعية كمثقف عضوي ينحاز لوعي الجماعة في صراعها الطبقي ونضالها المستميت من أجل العدالة الاجتماعية، مقابل مد الهيمنة الإمبريالية الغربية ووحشية البيروقراطية والتمييز العرقي. ورغم تحولات الواقع الأيديولوجي الذي اتسم بتراجع الشيوعية، وفكرة المركزية السوفييتية وفضح المذابح الستالينية، ظلتْ ذات الشاعر تحت تأثير «الانسحاق الأيديولوجي» بعد أن أسلم وعيه للأيديولوجيا الماركسية وآمن بالعقيدة الشيوعية إيماناً أعمى كأنها «حل نهائي» دون مراجعة أو تعديل تفرضهما تجربة الخصوصية الوطنية وفضائها القومي. فكان هذا الوعي رومانسياً وحالماً، بقدر ما كان تعبيراً عن «وعي بروليتاري تابع» على حد تعبير سبيفاك: «يموتُ الشيوعي/ لكن حلم الشيوعي أجملُ من أن يموت…/ البيوتُ لساكنها/ والحقولُ لحارثها/ والأغاني لمن لا يُطيق السكوت/……/ إذن: لن يموتَ الشيوعي/ إن الشيوعيةَ الحُلْمَ أبعدُ من أن تموت».
بعد ارتحال سعدي عن مكانه الأول وتوالي هجراته في منفى قسري وآخر اختياري، سوف يتولد عنده «نوع من القلق الكينوني والاضطراب الهوياتي». فالذات أخذت تواجه اغتراباً آخر جديداً في مكانها الآخر واحتكاكها به اجتماعياً وثقافياً، وهو ما كان يُفاقم في كل مرة أزمتها الوجودية ويراكم شعورها الاغترابي. إن ما كانت تعيشه الذات في مكانها الآخر، في سياق ثقافي مغاير وأحياناً مُضاد وغير مُؤاتٍ لها، هو ما يدعوه الناقد المصري رضا عطية بـ»الاغتراب الثقافي». فمن جهة أولى، تواجه الذات رفض الآخر وعدم تقبله لها، رغم محاولاتها الاندماج والاتصال به. ومن جهة ثانية، تشعر الذات بـ»الاغتراب الماركسي» ولاسيما بعد تفكك الاتحاد السوفييتي في مطلع 1992، حيث الإحساس بطغيان الرأسمالية ونمطها التسليعي الذي يعبث بالهوية الروحية والنمط الجمالي للمكان، ويُكرس قيماً بالغة المادية والبراغماتية.

ظل سعدي يتردد على المغرب، وقد أحب حواضره الكبرى مثل مكناس ومراكش وفاس، مستلهماً من فضاءاتها مفردات الحياة العابرة في انتشاء، حتى قال ـ تجوزاً- «إن ما كتبتُه عن المغرب في مُجْمَل متني الشعري يفوق ما كتبتُه عن العراق».

كان ثمة نوع من «الانفصام» بين ما تؤمن به في الصميم، ولا جدواه واقعياً، وهو ما بات قارئ شعره يكتشفه بجلاء في دواوينه المتأخرة، حيث عزلته الوجودية تصحبه أينما حل وارتحل. ورغم تضاعف اغترابات سعدي، إلا أنه لم يتخل عن التمسك بوطنه. فالعراق استحال هاجساً يشغل الشاعر، وهماً يساكنه ويؤرقه أينما حل، واتخذت استعادة له شكل فعل سيريالي أو حلم تهويمي يتجاوز الواقع:
أُفكرُ في العراقِ…
كأن وَحْلاً على جفني يحط
كأن طيراً على طرف المُلاءةِ؛
أهو نَسْرٌ، أم الثورُ السماوي؟
العراقُ مُخضبٌ بدمٍ…
سآوي إلى كَهْفٍ، سآوي إلى نفسي
وأسألُ عن شبابي.

سعدي «المغربي»

رأيته أول مرة يلقي الشعر بصوته الجهوري في نزهة حسان في الرباط عام 1998، ومرت عشر سنين لأتعرف عليه عن قرب، وكان جزء كبير من «سميولوجيا» شخصه قد انطفأ. وفي معرض الدار البيضاء للكتاب عام 2009، حيث جرى تكريمه وشاركتُ ضمن آخرين بشهادة في الاحتفاء بتجربته الشعرية الثرية، بدا لي وهو يسند جسده المتهاوي إلى الأريكة، منهكاً وشاحباً ومتذمراً مما يحدث حوله، لكنه كان يستعيد بعض عافيته كثور سومري جريح مما يسمعه من عبارات التقريظ، أو هو يوقع المجلد السابع من أعماله الشعرية الكاملة، الذي صدر وقتذاك واكتملت فيه صورة «الشيوعي الأخير» أو يُقابَل بين أروقة المعرض بالاحترام والتوقير اللائقين من جمهور قُرائه. وبعد أشهر قليلة مُنح جائزة الأركانة العالمية للشعر، وصعد خشبة مسرح محمد الخامس في الرباط، وهو يهتف: «لكأنني الآن أسمع رفيف أجنحة». أنشد ببحته المعهودة قصائد «أيام العمل السري» و»قصائد يائسة» و»البلاد التي نحب انتهت» واستحضر في مرثية مؤثرة صديقه سركون بولص. وغنى له الفنان نصير شمة بعض قصائده ذات الشجن في بغداد والعراق؛ كأنه «أعاد غريبا إلى وطنه»!
ظل سعدي يتردد على المغرب، وقد أحب حواضره الكبرى مثل مكناس ومراكش وفاس، مستلهماً من فضاءاتها مفردات الحياة العابرة في انتشاء، حتى قال ـ تجوزاً- «إن ما كتبتُه عن المغرب في مُجْمَل متني الشعري يفوق ما كتبتُه عن العراق». وفي الفترة الأخيرة بدا مُنشداً أكثر إلى مدينة طنجة التي كان يأتيها حين يرهقه القرُ والثلج، وكتب عنها أحد دواوينه الأخيرة «ديوان طنجة» 2011، ونعتها بـ»سيدة الأنوار السبعة/ أغنيةُ البَـحــار!» بل كان ينوي الإقامة فيها. وفي طنجة كذلك، قرأ ابن بطوطة وتماهى معه في رحلاته إلى أكثر من ثلاثين مكاناً في كتابه الموسوم بـ»الدروب الذهب» كما ظلتْ علاقته بمثقفيه وأدبائه جيدة، وبالشعر المغربي قديمة جداً، باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الفضاء الشعري العربي، وصادق أبرز قائليه ابتداءً من أحمد المجاطي والمهدي أخريف وحسن نجمي، وكان يزور محمد بنطلحة في بيته في فاس، تقديراً له ـ كما يقول- وإكراماً له لمساهمته في تحديث القصيدة المغربية. وحين قال في تدوينة له على فيسبوك بأن «القصيدة المغربية لا تقول شيئا» تحامل عليه البعض وزعموا أنه ينتقص من قيمة الشعر المغربي، لكنه أبدى رأياً خاصاً في ما يعرفه هذا الشعر «الآن» والشعر العربي بأسره، من أزمة معنى، وهذا أمرٌ مفهومٌ من شاعر يعنى في المقام الأول بالمدلول التعبيري. وقد أنجزت خلال العقود الأخيرة دراسات وأطاريح كثيرة وذات قيمة أكاديمة في شعر سعدي يوسف داخل الجامعة المغربية، وأنشئت في جامعة عبد المالك السعدي في تطوان جائزة للشعراء الشباب تحمل اسمه.
لقد كان سعدي في سنوات عمره الأخيرة «مغربي الهوى» كأن ذلك يشبع فيه شعوراً مطموراً بالغربة والاغتراب، ويمثل حافز بناء تغريبته الأكبر، وهو الذي قال: «أسير مع الجميع وخطوتي وحدي»!

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية