الدكتور أمين محمود فوجئ العالم وهو يستمع إلى خطاب أندريه غروميكو أمام الأمم المتحدة، بدهشة وإستغراب، وبعد عقود من التنديد السوفييتي بالصهيونية، يتحدث عن ‘الحقوق المشروعة للشعب اليهودي في فلسطين’ وعن تأييد بلاده لقرار التقسيم، وعن حق اليهود المشروع في إقامة دولتهم الصهيونية على أرض فلسطين العربية بحجة ‘تأمين المأوى والوطن لمئات الألوف من اليهود المشردين الذين يعيشون في المعسكرات والملاجئ الأوروبية’. وفي الوقت ذاته حذر عرب فلسطين من اللجوء إلى المقاومة للدفاع عن وجودهم ووطنهم. ولم تمض أيام أربعة فقط على الإعلان عن تأسيس ادولة إسرائيلب حتى أعلن غروميكو نيابة عن الإتحاد السوفييتي إعتراف بلده بالدولة الصهيونية إعترافاً قانونياً كاملاًde jure. ما الذي حدا بالإتحاد السوفييتي لتأييد قيام دولة إسرائيل والإعتراف بحقها في الوجود إعترافاً قانونياً كاملاً بعد أن دأب على التنديد بالصهيونية ؟.حينما اندلعت الحرب العربية الإسرائيلية، وبادر الفلسطينيون إلى الدفاع عن أنفسهم وممتلكاتهم، فوجئوا هم وباقي إخوانهم العرب بالإتحاد السوفييتي يصدر ضدهم بياناً شديد اللهجة يهددهم فيه وبدون تردد، كما ورد في صحيفة برافدا السوفييتية، بأنه يجب أن يكون واضحا ‘أن العرب بشنهم الحرب ضد الدولة اليهودية الفتية، لا يقاتلون بأي شكل من الأشكال من أجل مصلحتهم القومية ولا من أجل إستقلالهم، بل ضد حق اليهود في إيجاد دولتهم المستقلة’. إنه بالفعل أمر مثير للإستغراب أن يقف الإتحاد السوفييتي إلى جانب قيام دولة إسرائيل على الرغم من مواقفه السابقة المعادية للصهيونية ومشاريعها الإستيطانية، إضافة إلى إمكانية تعرض سياسته إلى ردود فعل قد تؤدي فقدانه تعاطف عشرات الملايين من العرب، مما سيؤثر سلباً على وضعه المستقبلي في منطقة الشرق الأوسط. وكان تبرير هذا الموقف السوفييتي الداعم لإسرائيل ما ورد على لسان أندريه غروميكو نفسه: ‘.. بالنسبة لنا هناك دائما منطق واحد في السياسة الخارجية وهو منطق ما هو الأفضل للإتحاد السوفييتي’. فما هو ياترى منطق الأفضل للإتحاد السوفييتي الذي حدا به للوقوف إلى الجانب الصهيوني خلال الفترة بين عامي 1947-1948؟ وما هي دوافع هذا الموقف الذي جاء خاذلاً لجميع التوقعات العربية؟لعل من أهم تلك الدوافع إعتقاد السوفييت بأن المجتمع اليهودي في فلسطين ‘بملامحه الإشتراكية البارزة’ سيكون حقلاً سهلاً لإنتشار الشيوعية ودوران الدولة الجديدة في فلك السياسة السوفييتية وقد عقد الإتحاد السوفييتي منذ البداية، آمالاً عراضاً على أن تصبح هذه الدولة اليهودية ذات الميول الإشتراكية واحة للديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط ولا سيما وأنها كانت تعترف قانونياً بالحزب الشيوعي وتسمح له بممارسة نشاطاته علناً وبمنتهى الحرية. وفي المقابل لم يكن للإتحاد السوفييتي أي علاقات ذات قيمة تذكر مع أي من الدول العربية باستثناء علاقاته مع الأحزاب الشيوعية فيها والتي كانت في مجملها أحزاباً محظورة ومضطهدة باستثناء الحزب الشيوعي اللبناني الذي لم يكن له أي شأن في الحياة العامة. وبالإضافة إلى ذلك كان السوفييت ينظرون إلى الوسط العربي الذي يحيط بالدولة اليهودية على أنه وسط ‘عشائري قبلي متخلف’ تسيطر عليه كيانات عربية مجزأة ومتصارعة خاضعة للنفوذ الغربي وخاصة البريطاني والفرنسي. وهكذا لم تترك هذه الهيمنة الغربية للإتحاد السوفييتي أي منفذ يعبر من خلاله لمنطقة الشرق الأوسط سوى المنفذ الإسرائيلي. كما أنه كانت لدى السوفييت قناعة بأن الاحزاب الصهيونية بما فيها تلك التي كان لها برامج إشتراكية يسارية ستكون نواة للهيمنة الإشتراكية على المنطقة وبمقدورها أن تتيح المجال للإتحاد السوفييتي فرصة الإنخراط في شؤون هذه المنطقة والقيام بدور مؤثر في توجهاتها. وكان السوفييت يدركون أن استمرار الدولة اليهودية الجديدة يعتمد إلى حد كبير على تدفق هجرات يهود العالم إليها. ونظراً لوجود نسبة كبيرة من اليهود كانوا يعيشون آنذاك ضمن الكتلة السوفييتية، فقد بدا للسوفييت أن بمقدورهم إستثمار هذا العدد الكبير من اليهود في أراضيها كقوة ضغط سياسية للتأثير على حياة الدولة اليهودية واستقطابها إلى جانبهم. كما بدا لهم أن بمقدورهم استخدام اليهود السوفييت المهاجرين إلى إسرائيل كحصان طروادة لتهريب عناصر شيوعية موالية لموسكو إلى الشرق الأوسط.ومما شجع السوفييت أيضاً على اتخاذ قرارهم المؤيد لإسرائيل هو كون معظم قادتها آنذاك من أصل روسي أو بولندي ممـــــا زاد من إحتمالات تبنيها سياسة متعاطفة ومؤيدة للإتحاد السوفييتي. ومن ناحية أخرى يعزو بعض المحللين أهم الدوافع التي أدت إلى تقبل فكرة الدولة اليهودية بسهولة، والمــبادرة إلى دعمها والإعتراف بها، إلى نجاح الصهاينة في تحويل قضية المحرقة أو الهولوكوست التي تعرض لها اليهود على يد النازيين إلى خطاب شعبي يبررون به حقهم الكامل في ‘إخراج دولة يهودية إلى حيز الوجود’. كما عمل الصهاينة على ترسيخ ‘عقدة الذنب’ في ضمير المجتمع العالمي بحجة تقاعسه عن مد يد العون إلى اليهود لإنقاذهم من اضطهاد النازيين، وكان الإتحاد السوفييتي باعترافه القانوني الكامل بشرعية الدولة اليهودية، قد فتح الباب على مصراعيه للدول التي تدور في فلكه في أوروبا الشرقية لتحذو حذوه في مسألة الإعتراف مما شكل دعماً قوياً لهذه الدولة الجديدة. وعلل الإتحاد السوفييتي قراره بالإعتراف بالدولة اليهودية بأنه جاء نتيجة تعاطفه مع مرارة التجربة القاسية التي تعرض لها اليهود على يد النازيين والتي كانت تماثل في قسوتها ومرارتها تلك التجربة التي عاشها السوفييت في ظل الغزو النازي لبلادهم خلال الحرب.كما تولدت لدى السوفييت القناعة أيضاً بأن قيام دولة يهودية سيؤدي إلى وضع حد للمسألة اليهودية التي كانت تشكل واحدة من المشاكل المقلقة للإتحاد السوفييتي وباقي الدول الأوروبية وكررت الصحافة والإذاعة السوفييتيتان باستمرار أن هذه الحرب كانت حرب ‘إستقلال’، وأن الإتحاد السوفييتي كان لا يملك سوى دعم اليهود في حربهم لأن دعم حروب الإستقلال كانت واحدة من المبادئ الرئيسية للسياسة الخارجية السوفييتية.ولعل أبرز تعبير عن التعاطف السوفييتي الواضح مع اليهود ما أوردته الإذاعة المحلية لراديو موسكو لدى وصفها الجيوش العربية المحاربة في فلسطين عام 1948 بأنها كانت مملوءة ‘بالبقايا الفاشية’ من مختلف القوميات التي جندت خصيصاً لهذا الغرض.وقد حذرت الإذاعة أيضا بأن فلسطين قد تصبح إسبانيا ثانية (إشارة إلى الحرب الأهلية الإسبانية). غير أنه بمجرد إتخاذ بريطانيا قرارها بتحويل القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة في شباط/ فبراير 1947 أصبح واضحاً بأنه لم يعد هناك تنسيق بين حكومة العمال البريطانية وإدارة الرئيس الأمريكية ترومان حول مشروع التقسيم. وفي الوقت ذاته بدأ يتضح أثناء مناقشات الأمم المتحدة لهذا المشروع كأن هناك إتفاقاً وتوافقاً تاماً بين موقفي كل من الإتحاد السوفييتي والولايات المتحدة حول مشروع التقسيم، مما أثار بعض الحساسيات والتوتر في العلاقات البريطانية الأمريكية استمرت لحين إعلان قيام الدولة اليهودية.وكان الإتحاد السوفييتي يسعى جاهداً إلى إضفاء صفة الشرعية على تدخله المباشر لدى البت في تقرير مصير هذه المنطقة عن طريق الدعوة إلى إشراف الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن على مجرى الأحداث وتطوراتها بين العرب واليهود. ولكن الولايات المتحدة كانت تواجه هذه الدعوة بالرفض المستمر وخاصة حينما طرح السوفييت في شباط/ فبراير 1948 فكرة إنشاء قوة دولية لحفظ السلام وتوفير حماية لإسرائيل من أي هجوم عليها، تشارك فيه الدول الكبرى بما فيها الإتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. إلا أن الولايات المتحدة خشيت من مغبة تنفيذ هذا الإقتراح لأنه بإعتقادها أن بمجرد إرسال روسيا قواتها إلى فلسطين، فإن من المستحيل أن تتمـــكن أي قوة في العالم من إخراجها دون الدخول معها في حرب. ونظراً لمساهمة روسيا الكبـــيرة مع الولايات المتحدة في إنجاح مشروع التقسيم فإنها ستسعى بكل تأكيد، إلى ان تقوم قواتها هناك بدور رئيس في هذه الفترة المقــترحة، وبذلك يؤمن السوفييت حصولـــهم على قاعدة تهيئ لهم القيام بدور مؤثر في شؤون فلسطين بوجه خاص وشؤون منطقة الشرق الأوسط بشكل عام. ولعل اعتقاد السوفييت بقوة الروابط اليهودية الأمريكية جعلهم يتوقعـــون أن يمارس اليهود الأمريكيون ضغطاً على واشنطن لتأييد الإقتراح السوفييتي ولكن هذا التوقع السوفييتي لم يكن من أولويات اليهود الأمريكيين على الإطلاق.وقد أدى تزايد محاولات الإتحاد السوفييتي لإيجاد موقع مستقر له في منطقة الشرق الأوسط إلى تنامي حدة الخوف لدى الولايات المتحدة وباقي الدول الغربية من أن الشيوعية أصبحت تشكل خطراً متنامياً بإمكانية تسللها إلى المنطقة، لا سيما بعد إيجاد بعثة دبلوماسية للإتحاد السوفييتي في إسرائيل إضافة إلى بعثاتها الدبلوماسية الأخرى المتواجدة في بعض الدول العربية، مما أثار المزيد من المخاوف الغربية. وهكذا فمن أجل تأمين الدفاع عن مصالحه في الشرق الأوسط لجأ الغرب لإستخدام الدعاية لتعزيز فكرة التهديد الشيوعي مما وفر للأنظمة العربية الموالية له المبرر لإحكام قبضتها على جماهيرها كي لا تقع تحت تأثير ‘الدعاية الشيوعية’ المتزايدة وذلك من أجل المحافظة على مبررات وجود هذه الأنظمة. ناهيك عن توفير الحماية للمصالح الغربية والعمل على المحافظة على أمن المنطقة واستقرارها. وبعد هذا كله … لا يجد الباحث ما يضيفه سوى أن هنالك بالفعل منطق واحد للسياسة الخارجية لأي دولة في العالم وهو منطق ما هو الأفضل لتلك الدولة سواءً كانت دولة غربية أم شرقية! اكاديمي وسياسي أردني