“تخيّل أنّه لا توجد جنّة.. فذلك سهل إن حاولتَ.. لا يوجد جحيم تحتنا.. ولا توجد فوقنا إلاّ سماء.. وتخيّل أنّ كل البشر يعيشون لأجل اليوم”. بهذه الكلمات الإنسانية المعبرة الخالدة يدعونا الفنان الإنكليزي المعروف جون لينون إلى تأمّل عالم مستقبلي جميل وآمن ومجرد من الحدود السياسية والحواجز الدينية وكل الخلفيات السلبية التي فرقت شمل البشر وأوقعتهم في صراعات دموية أراقت دماء ملايين البشر منذ فجر الإنسانية، وما زالت إلى يومنا هذا تحصد أرواحا بريئة في كامل أنحاء الدنيا.
يتألق في فرقة البيتلز
يعود الفضل في تألق جون لينون إلى الفرقة الإنكليزية الشهيرة البيتلز، وهو من ساهم في تأسيسها. لم يكن جون لينون في هذه الفرقة مغنٍ وشاعرا وعازف غيتار فحسب، بل أيضا كاتب أغاني مميزا، وهو من ساهم بموهبته الفريدة وخياله الواسع في كتابة جل أغاني الفرقة رفقة زميله بول مكارتني. من هذه الأغاني أغنية “حقول الفرولة للأبد” و”يوم في الحياة”.
نشأت فرقة البيتلز عام 1962 بصدور أول أغنية لها، تحمل اسم “لاف مي دو”. ولم تكن هذه الفرقة مؤثرة في عالم الموسيقي فحسب، بل أيضا في عالم السياسة مستفيدة من التغطية الإعلامية الواسعة التي كانت تحظى بها. فقد أثارت أغاني الفرقة استياء القادة السوفييت في موسكو الذين أمروا بحظر أغاني الفرقة، لا سيما الأغنية السياسية الشهيرة “باك إن ذي يو.أس.أس.آر”.
وفي أواخر الستينيات راجت إشاعات عن خلافات داخل الفرقة وترقب العالم تفككها قريبا. وبالفعل، في شهر أيلول/سبتمبر 1969 أبلغ جون لينون فرقته بقراره الانفصال. حدث ذلك أيام قبل صدور الألبوم الحادي عشر للبيتلز الذي حمل اسم “Abbey Road”. وفي شهر نيسان/أبريل 1970 تأكد أخيرا خبر تفكك الفرقة بعدما أعلن بول مكارتني، الرجل الثاني المؤثر داخل الفرقة، انسحابه هو أيضا. و
قد اختلفت الآراء وتضاربت التصريحات حول أسباب تفكك هذه الفرقة ولو أنّ أصابع الاتهام تبقى إلى يومنا هذا موجهة إلى زوجة جون لينون الثانية يوكو أونو التي تزوجها أشهر قليلة قبل إعلانه الانسحاب من الفرقة، واشترك معها فعلا في إنتاج عدد كبير من الأغاني، لكنّ يوكو أونو دافعت أكثر من مرة في لقاءاتها الصحافية عن براءتها من هذه التهمة.
الإنساني
اللافت للانتباه في مسيرة جون لينون الفنية هو الطابع السلمي الإنساني الذي اتسمت به قصائده في أواخر الستينيات حيث نلمس ولادة نمط غنائي جديد مناهض للحرب، على منوال أغنية Give Peace a Chance “أعط السلام فرصة” وهي أول أغنية فردية يصدرها لينون. كان ذلك في شهر يوليو/تمّوز 1969 وهو لا يزال عضوًا في فرقة البيتلز. وحققت هذه الأغنية نجاحا باهرا حيث صارت نشيدًا للحركة الأمريكية المناهضة للحرب خلال السبعينيات.
إنسانية جون تعدت كل الحدود، بداية بانفتاحه على أجناس الدنيا وألوانها، وهو من وقع في غرام الفنانة اليابانية يوكو أونو وتزوج منها في 20 آذار/مارس 1969. يوكو أونو هي بالتأكيد من ساهمت في توجه جون لينون نحو النضال السلمي. رسالة الإنسانية والمحبة والسلام كانت حاضرة حتى في يوم زفافهما حيث استغل العرسان حضور وسائل الإعلام وتغطيتها الحدث للدعوة إلى السلام! وبعد زواجهما بأيام قليلة، اشترك الزوجان في لوحة تعبيرية تدعى “السلام في السرير” حيث دعيا وسائل الإعلام إلى جناح ملكي في “هيلتون أمستردام” لأجل مناقشة موضوع السلام. وواصلا نضالهما السلمي بعد استقرارهما في الولايات المتحدة بعد زواجهما.
الثائر على السياسة والأديان
صار جون لينون ناشطا سياسيا جريئا، فشارك في احتجاجات مناهضة للحرب الفيتنامية التي كانت تقودها الولايات المتحدة. وفي الضفة المقابلة للمحيط الأطلسي، شارك في احتجاجات على الوجود البريطاني في إيرلندا الشمالية، وفي سياق ذلك، أصدر أغنيته الشهيرة “The Luck of the Irish” عام 1972. نشاطات جون لينون السياسة المناهضة للحرب أزعجت الحكومة الأمريكية وكادت أن تكلفه الطرد من الولايات المتحدة، حيث شرعت مصلحة الهجرة والتجنيس الأمريكية في إصدار إجراءات لطرده، تصدى لها الرجل في المحاكم. وفي عام 1975 أصدرت محكمة الاستئناف قرارا بإبطال عملية الطرد.
ومع أن جون لينون عُمّد وهو صبي، إلا أنه لم يتأخر في إعلان تمرده على الكنيسة منتقدا المسيحية، ساخرا منها، متنبئا بزوالها وبقاء الموسيقي، قائلا: “نحن (البيتلز) أكثر شهرة من السيد المسيح الآن. أنا لا أعرف من سيذهب أولًا؛ موسيقى الروك آند رول أم المسيحية”. تصريحه الشهير هذا صدم العالم وأثار بركانا من الغضب في الولايات المتحدة حيث ردت الكنائس بإحراق أسطواناته، وقامت 30 محطة إذاعية أمريكية بمنع إذاعة أغاني فرقة البيتلز، وتعالت أصوات الجماهير تدعوه إلى التراجع والاعتذار. لكن الرجل ظل وفيا لموقفه المعارض للدين.
الفيلسوف
إذا بحثنا عن جون لينون اليوم وجدنا اسمه في جل المراجع مرتبطا بالفن والغناء وكتابة القصائد الغنائية، ولا نرى لينون يقرن بالمفكر أو الفيلسوف مع أن رؤاه الفلسفية واضحة في أغانيه وكتاباته ومقابلاته وتصريحاته على منوال التصريح الصادم الذي أعاد من خلاله صياغة المقولة الشهيرة للفيلسوف ديكارت “أنا لا أؤمن، إذا أنا موجود”. وتتجلى رؤاه الفلسفية في عالم “تخيّل” الذي كان يدعو إليه، وهو عالم أفضل يتحرر فيه البشر من العنف والطمع وتكون تصرفاتهم قائمة على المحبة والاحترام المتبادل. وفي هذا العالم لا معنى لكل ما من شأنه أن يفرّق البشر مثل الدين والقومية والعرق ولون البشرة. وفي هذا العالم يُنظر إلى الإنسان على أنه مجرد إنسان بغض النظر عن أصله أو لونه. وهو أيضا عالم لا يؤمن فيه البشر بوجود جنة أو نار، فلا يتوقع فيه أحد ثوابا أو عقابا بعد الموت، وبذلك لن يبقى للبشر ما يقتلون أو يموتون لأجله، وهو ما يسمح بإحلال الأمن والسلام والاستقرار في أرجاء الدنيا. كانت هذه الرؤى الإنسانية تجسد فلسفة جون لينون. جون لينون كان أيضا ينظر إلى نفسه على أنه فيلسوف وهو القائل: “لو كنا في عصر مختلف، لدعوني فيلسوفا”.
الرحيل
ولد جون لينون في مدينة ليفربول بإنكلترا يوم 9 تشرين الأول/اكتوبر 1940. ولم يكن يتجاوز عمره 17 سنة في عام 1958 عندما فقد والدته التي صدمتها سيارة وهي تعبر الطريق. وفي عام 1971 بعد تفكك فرقة البيتلز، غادر جون إنكلترا ليستقر رفقة زوجته الثانية أونو في نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية. وبعد سنوات طويلة بعيدا عن أسرته، أبلغ جون شقيقته الصغرى جوليا بقراره الالتحاق بالأسرة في بريطانيا بعد غياب طويل. فقد كشفت جوليا في لقاء صحافي أنّ المكالمة حدثت في يوم 17 تشرين الثاني/نوفمبر 1940 فتطلعت هي وبقية الأسرة إلى قدومه. لكن القدر شاء غير ذلك، حيث لم يتحقق حلم لمّ الشمل هذا بعد موته المفاجئ. لقد أفنى جون لينون عمره في النضال لأجل عالم مجرد من الحدود السياسية والحواجز الدينية وكل الخلفيات التي فرقت البشر منذ قديم الزمان، ودافع طويلا عن عالم يسوده التسامح والتعايش بين البشر، واستمات في الدعوة إلى عالم مجرد من الحرب وكل أشكال العنف، وهو لا يدري أنّه في يوم ما سيسقط هو نفسه ضحية هذا العنف! ففي يوم 8 كانون الأول/ديسمبر 1980 أغتاله رجل مختل عقليا يدعى مارك ديفيد تشابمان. رحل جون لينون متأثرا بجروحه بعدما أصابته خمس طلقات في ظهره. وبعد يومين من وفاته، تناثر رماده فوق الحديقة المركزية في نيويورك، مثواه الأخير. رحل جون لينون وبقي أثره حيا في نفوس ملايين البشر. ويبقى التساؤل: هل سيتجسّد يوما عالم “تخيل” الذي رسمه جون لينون، هذا العالم المستقبلي الحر الذي لا تحده حدود، ولا تقيّده تابوهات، ولا تفرّقه معتقدات، ولا تدمره حروب، وهو العالم الذي دعا الأجيال إلى تأمله والإيمان به، مرددا بصوته الرقيق العذب:
“تخيّل أنّه لا توجد جنّة..
فذلك سهل إن حاولتَ..
لا يوجد جحيم تحتنا..
ولا توجد فوقنا إلاّ سماء..
تخيّل أنّ كل البشر يعيشون لأجل اليوم..
تخيّل أنه لا توجد دول..
ليس ذلك بالأمر العسير..
ليس ثمة ما تقتل أو تموت لأجله…”.