في ذكري استشهاد أبو جهاد.. أين فتح اليوم من فتح جيل أبو جهاد؟

حجم الخط
0

في ذكري استشهاد أبو جهاد.. أين فتح اليوم من فتح جيل أبو جهاد؟

د. ابراهيم أبراشفي ذكري استشهاد أبو جهاد.. أين فتح اليوم من فتح جيل أبو جهاد؟ لا ازعم بوجود علاقة متميزة مع الشهيد أبو جهاد ولكنني كأحد الذين انتموا للحركة عندما كانت فتح هي الثورة الفلسطينية والهوية الوطنية والرصاصة الأولي، عرفت أبو جهاد والتقيت به أكثر من مرة في مناسبات عامة، وكان لقائي الأول معه خريف عام 1976 في بلدة كيفون في لبنان، وكنا مجموعة من الطلبة والخريجين لبينا نداء الواجب آنذاك وشددنا الترحال من بلاد الغربة حيث كنا ندرس ونعمل ووصلنا للبنان بطرق ملتوية لا تخلو من مخاطرة. وفي لقائنا الأول مع أبو جهاد كان السؤال الذي طرحه الجميع علي أبو جهاد هو كيفية مواجهة الفساد والخلل في التنظيم حيث كان الفتحاويون يعانون من فساد السفارات وضعف وعدم فاعلية المسؤولين عن التنظيم في الأقاليم، وكان رد أبو جهاد آنذاك بطريقته الهادئة أن اصبروا لأن هناك مؤامرات علي الثورة والحركة وأن العدو لا يتيح لنا الوقت للتفرغ للبناء والإصلاح الداخلي معترفا آنذاك بوجود الفساد والخلل، وقد وعدنا بان الحركة ستتفرغ للفساد والفاسدين بمجرد ان تنتهي من المؤامرة عليها في لبنان، ولان المؤامرات علي الثورة لم تتوقف فقد تزايد عدد المفسدين واستشري داء الفساد داخل الحركة لدرجة التمأسس ولكن دون أن يمنع ذلك الحركة من التوسع والانتشار. كانت حركة فتح تمثل الأمل والطموح وكل ما هو جميل في هذا الشعب الفلسطيني العظيم، كانت عظيمة بفكرها السهل الممتنع، وتنظيمها المنفتح دون تسيب وأخلاقياتها التي كانت تسمو علي تجاوزات هنا وهناك وقياداتها الذين ضربوا المثل بالقدوة الحسنة، وقاعدتها الشعبية التي كانت فسيفساء جميلة من الرومانسيين الحالمين والعقائديين المتزمتين والثوريين المندفعين، أيضا من انتهازيين ومتسلقين كإفرازات حتمية لا بد منها لأية حركة سياسية جماهيرية. إلا أن البراءة والمصداقية كانت هي السمة الغالبة علي حركة فتح، فمثلا عندما تحدثنا مع الشهيد أبو جهاد عن الفساد في السفارات كان احتجاجنا لان السفير الفلاني اشتري سيارة جديدة! أو لان مسؤول التنظيم في احد الأقاليم سهل علي احد أقاربه الحصول علي منحة دراسية أو لان قياديا فتحاويا يلبس ملابس متميزة شكلا وغالية ثمنا، أو لأننا سمعنا بان احد المسؤولين يشرب الخمر… الخ، إلا أن ابو جهاد الذي كان يفكر ويخطط لأمور كبيرة وخطيرة استمع لنا دون أن تشغله كثيرا مثل هكذا احتجاجات، من كان يفكر بمصير امة وبمقاومة الاحتلال في الداخل وكيف يزرع الأرض بالمقاتلين ويقض مضجع الاحتلال، ويفكر بمؤامرات دول الجوار التي كانت تشعر بخطر الثورة عليها أكثر مما تستشعر بخطر إسرائيل، هذا ناهيك عن العمل لكسب مزيد من الأصدقاء والحلفاء في العالم، وكان أبو جهاد يعتقد بان نجاح الحركة وصدامها اليومي مع الاحتلال كفيل بان يدفع للأمام بالمخلصين والصادقين ويكشف المتسلقين والفاسدين ولم يكن يتصور بأن يحدث أن أشباه الثوريين ومدعي النضال سينافسون القادة الذين نذروا أرواحهم للقضية، ويجيروا انتصارات الشعب لصالحهم، لم يكن يتصور أن تتراجع المبادئ أمام المال وان يتراجع العقل أمام الديماغوجية والشعارات الفارغة. آنذاك كانت حركة فتح هي حركة الشعب الفلسطيني حركة وطنية وقومية وإسلامية وأممية، ففي قواعدها في لبنان وسورية كنت تجد فتحاويين إيرانيين وكوريين ويابانيين ويمنيين وسودانيين ومصريين وفرنسيين وأفارقة ومن كل بقاع العالم، وفي بعض القواعد كان عدد الفتحاويين الفلسطينيين اقل من الفتحاويين متعددي الجنسيات، وكان الانتماء للحركة آنذاك بدافع الإيمان والرغبة بالعطاء والتضحية دون انتظار أي مقابل بل ان كثيرين ممن عرفتهم آنذاك تركوا مناصبهم المتميزة ودراستهم لينخرطوا بالثورة، واذكر انه بعد مرور أسابيع علي قدومنا للبنان جاءنا احد المناضلين القدامي من الدائرة المالية وأراد أن يوزع علينا أموالا كرواتب أو مصروفات فثارت ثائرتنا عليه واعتبرنا أن ما يقوم به إهانة لنا، وقلنا له كيف تعرضون علينا أموالا ونحن الذين تركنا جامعاتنا وأعمالنا وبعضنا ترك أسرته من اجل الوطن ثم تمنحونا رواتب؟ نحن لسنا مرتزقة. وبحهد جهيد استطاع ان يقنعنا بان هذه الأموال فقط من اجل تلبية احتياجاتكم الضرورية لأن الأمر قد يطول الخ، عندما نستذكر كيف كان يحدث الانتماء لحركة فتح آنذاك وكيف يتم الانتماء لها اليوم، نقول كم تغيرت حركة فتح .لم تكن حركة فتح مجرد تنظيم مثل بقية التنظيمات بل كانت حركة وطنية لكل الشعب الفلسطيني فتحت جلبابها وفي حمايتها كانت تشتغل غالبية التنظيمات الأخري حتي التي تناصبها العداء والتي تشتغل لحساب الدول العربية، كانت حركة فتح تمنح الحماية والتمويل لكل التنظيمات، وكان الراحل أبو عمار وبالرغم من الإرباك الذي كان يصاحب ممارساته بمثابة الأب للجميع، وحتي الأخطاء التي كانت ترتكبها بعض التنظيمات سواء مع الدول المضيفة أو مع بعضها البعض أو مع الجمهور الفلسطيني كانت حركة فتح تتحمل المسؤولية وتدفع الثمن نيابة عن الجميع لان في رصيدها من العطاء وفي قيادتها من الحكمة ما يؤهلها لذلك. في فتح كان الكل يجد ذاته ويمارس قناعاته الفكرية والإيديولوجية، ففيها كان العقائدي الإسلامي وكان اليساري والقومي والوطني والشيوعي، وفيها رأسماليون وعمال وفلاحون، مهاجرون ومواطنون، كان شرط العضوية في حركة فتح هو الانتماء لفلسطين الهوية والقضية. عندما نستذكر الراحل أبو جهاد وكل الشهداء إنما نستذكر مرحلة من تاريخ حركة فتح ، نستذكر قادة وأهدافا واستراتيجيات عمل وشبكة علاقات وقيما وأخلاقيات، يفتقدها اليوم أبناء ومحبو فتح، قد لا تلام فتح لان الزمن غير الزمن والعالم غير العالم ولم تأت الرياح بما تشتهي السفن ـ ولكنها تلام لان تَغيّر العالم يجب أن لا يغير الأخلاقيات والقيم والمبادئ، فالقادة يوجدون من اجل التنظيم والتنظيم من اجل الوطن وليس أن يُسخر الوطن والتنظيم من اجل أشخاص، تعاقب أو تدافع أو صراع الأجيال ليس مبررا لانهيار الأحزاب والحركات السياسية وليس مبررا للانشقاقات والصراعات، صراع وتدافع الأجيال هو عنصر قوة لأنه يراكم الاستفادة من التجارب والخبرات السابقة ويُحدث تلاقيا ما بين حكمة الكبار والعقلية الحداثية والمتفتحة والديناميكية للجيل الجديد، وإن كان لا يجوز للجيل القديم الاستمرار بالتشبث بالسلطة والمواقع القيادية وبأساليب عمل أثبتت الممارسة عدم جدواها، إلا انه أيضا لا يجوز للجيل الجديد التنكر لفضل المؤسسين الأوائل وتشويه صورتهم وتاريخهم النضالي وخصوصا أن الجيل الجديد يؤسس شرعية وجوده علي اسم وتراث الحركة التي بناها الجيل القديم دون أن يختط القادة الجدد لأنفسهم وللحركة أية إستراتيجية او مشروعا وطنيا خاصا بهم، والاهم من ذلك من العيب والمهين أن يتصارع قادة الجيل الجديد علي إرث حركة فتح واسمها وعلي مغانم وهبات ومساعدات هي أقرب للشبهة، ويفسحوا بالتالي المجال للقوي الخارجية للتلاعب بالطرفين، بينما كان في خلافات القادة الكبار إبداع حيث كانوا يحسنون توزيع الأدوار ويوظفون الخارج لخدمة الحركة والوطن وليس العكس وكانت خلافاتهم علي أمور كبيرة واستراتيجية. ومع كل ذلك ما زالت حركة فتح هي القادرة والمؤهلة لحمل وقيادة المشروع الوطني ويجب أن تكون كذلك، ونقصد بذلك فتح الفكرة والوسطية والاعتدال والهوية الوطنية، وإن كان الزمن لا يمنح شرعية للأحزاب والقادة، إلا أن الأحزاب أيضا لا تشيخ إذا استطاع الجيل الجديد حمل الراية من الجيل القديم او تعايشا معا بوسائل سلمية وديمقراطية، ولنأخذ العبرة من الحزب الشيوعي الصيني ومن الأحزاب الحاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والأحزاب الاشتراكية الأوروبية، فعمر هذه الأحزاب أطول من عمر حركة فتح وهي دائمة تحديث وتكييف نفسها مع المستجدات. وحيث ان الأعمار بيد الله ومنطق الحياة يقول بتولي الأجيال الشابة قيادة الحركة فنتمني أن يكون هؤلاء القادة في عظمة الحركة.ہ كاتب من فلسطين8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية