مي المهدي
بعد مرور ست سنوات علي تفجيرات 11 ايلول (سبتمبر) ومرور أكثر من أربع سنوات علي حرب العراق وبدء تلويح الجنرالات الأمريكيين بالألوية البيضاء وادلاء التصريحات بتقليل عدد القوات الأمريكية في العراق.. ثمة عدة تسأولات تطرح نفسها في الوقت الراهن في محاولة لفهم منطقية الأحداث المتعاقبة، رغم صعوبة التأمل في ظل تأثيرات الفوضي الخلاقة وتعسرات ولادة الشرق الأوسط الجديد.
في هذا الصدد فان تأثيرات الفوضي الخلاقة لم تصب فقط الشعب العراقي، بل معظم وسائل الاعلام التي انشغلت في الأيام السابقة بالحديث المبشر عن تقليل القوات الأمريكية حتي انسحابها الكامل بمجيء رئيس أمريكي جديد عام 2009 وكأن الانسحاب الأمريكي سيكون فاصلا في الوضع العراقي الراهن، كما كان مجيئه. وفي ظل العنف الدائر في العراق طالعتنا وسائل الاعلام بصور المواطنين الأمريكيين يضيئون الشموع لضحايا الحادي عشر من ايلول (سبتمبر). ورغم قناعتي الشخصية باصابة خلايا مخي بأعراض الفوضي الخلاقة.. فقد بدا لي بأنه كان هناك ثمة علاقة ما بين ضحايا 11 ايلول (سبتمبر) وضحايا العنف الدائر في العراق!
فباعادة قراءة تاريخ الفوضي الخلاقة، وبعيدا عن السجال الدائر حول الخروج من المأزق العراقي ومحاولات توحيد العراق أو تقسيمة.. تتضح حقيقة أن حرب العراق جاءت في أعقاب أحداث 11 ايلول (سبتمبر) كرد انتقامي يؤكد للعالم هيمنة القوة الأمريكية وسطوتها بعد الاهتزار الهائل الذي أصاب أرضها وصورتها.
ورغم مضاعفات الفوضي الخلاقة يمكنني الجزم، بأن هذه الحرب بدأتها الولايات المتحدة بشن حرب علي طالبان وتعقب بن لادن في جبال أفغانستان الباردة. لكن بعد فشل المحاولة الأمريكية وتيقنها من يأس محاولة الامساك بشبح الارهاب الذي يضرب ويهرب سواء الي الجبال أو الموت، بدأ بوش يوجه خطاباً الي الشعب الأمريكي، تنافس في صياغة سيناريو فتواه ألمع كتاب البيت الأبيض والصحافة الأمريكية. وفي سيناريو الفوضي الخلاقة الجديد وقع الاختيار علي ممثلين أو بالأحري كومبارس جدد، مع الاحتفاظ بالسياسي الأمريكي كالبطل الأوحد والخير ضد محور الشر المتمثل في الدول المارقة. في هذا النطاق وقع الاختيار علي العراق وشعبه بدلاً من بن لادن وأشباحه كقربان يقدم للشعب الأمريكي وصك مغفرة لسهو المؤسسة العسكرية والمخابراتية وورقة انتخابية للرئيس الابن حتي لا يخرج مثل أبيه بفترة انتخابية واحدة.
ورغم حديث بوش المعَمم عن محور الشر والدول المارقة الذي بدأ بالعراق وايران وكوريا الشمالية وأُضيف اليه مع طول حلقات السيناريو الأمريكي أشرار جدد كسورية وحزب الله وحماس، فان القرار كان قد تم اتخاذه بالفعل في أروقة البيت الأبيض، حيث تم اختيار العراق كعدو جديد للهيمنة الأمريكية وبطشها، وذلك لعدة أسباب بدت مقنعة من وجهة النظر الأمريكية:1 ـ امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل (لقطة من فيلم خيال علمي).2 ـ وجود استياء ومعارضة داخل الشعب العراقي ضد النظام البعثي ولهذا فان الشعب العراقي سيرحب بقوات التحرير الأمريكية (هكذا يعامل البطل الأمريكي في نهاية أي فيلم) وبهذا تحتاج الولايات المتحدة لنصف عام لاعادة الاستقرار وعام لاعادة الاعمار.3 ـ أن ضرب العراق لن يثير حفيظة العديد من الدول العربية والاسلامية التي كانت ولا تزال لديها هواجس من الطموحات التوسعية للرئيس العراقي وبالتالي فلا يوجد تهديد للمصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط (لقطة من فيلم حدث بالفعل). السبب الأهم والأخير أن العراق هدف أسهل وفريسة أسمن من أشباح القاعدة وايران وكوريا الشمالية، فالعراق دولة لها كيان جغرافي وأرض وسماء وشعب يمكن تسديد الصواريخ اليه بعناية ويمكن الايقاع بضحاياه ونقل صورهم الحية بكاميرا أمريكية علي شاشة أمريكية وبرؤية أمريكية، وذلك علي نقيض نوعية التسجيلات الرديئة التي يبثها بن لادن، والتي يقوم فيها بلعب دور البطل االرئيسي وتهديد البطل الأمريكي وكسر رأسه وأنفه. والعراق مقارنة بايران وكوريا الشمالية منهك من حربين متتاليتين وحصار سياسي واقتصادي وجوي، بالاضافة الي أنه قادر بثروته النفطية علي تسديد فاتورة الآلة العسكرية الأمريكية. في هذا الاطار جاء قرار الحرب علي العراق مدفوعاً بهوس المؤسسة العسكرية وطموحات شركات السلاح والمقاولات والبترول واصرار أصحاب القرار السياسي علي خلق عدو والانتقام منه، بعد يأسهم من حرب ضد عدو لا مكان له، يضرب في كل مكان.
ومن الجدير بالذكر، أن حرب الخليج الثالثة قامت علي سوء تقديرات فادح، انزلق اليه الأمريكان مثلما حدث لعدوهم المنتقي صدام حسين عام 1990، حيث تصور أن احتلال الكويت لن يواجه رفضاً من دول الاقليم، وسيقابل علي أسوأ تقدير بالتحفظ من قبل غورباتشوف، وذلك مكافاة له علي حرب الثمانية أعوام التي شنها صدام علي معقل الثورة الاسلامية الشيعية بدعم اقليمي وصمت دولي ودماء عراقية.
وواضح أن الرئيس العراقي أدار رأسه عن حقائق جوهرية، كانت تستوجب التمعن في أن الولايات المتحدة ودول الاقليم غير مستعدين لتمكين العراق، الذي يملك ثاني أكبر مخزون نفطي في العالم، بالتحكم بالمزيد من ثروات العصر الحديث واكتساب المزيد من النفوذ الاقليمي. بالاضافة الي بؤس الواقع الاشتراكي، اللافظ أنفاسه الأخيرة والذي استدعي غورباتشوف بتفكيك الحزام الشيوعي والتخلي عن أحلام ستالين التوسعية وبدأ سياسة التوجه غرباُ ودق أبواب الفردوس الرأسمالي.
وبينما كان سوء التقدير العراقي قائما علي تجاهل حقائق الواقع أو الافراط في التفاؤل، فان سوء التقديرات الأمريكية دفعه الي المبالغة في تقدير الذات و سوء قراءة الواقع والتاريخ والجغرافيا.
في هذا المنحني يتضح، أن حالة التعبئة العسكرية بدأت في العراق منذ شن حرب الخليج الثانية علي العراق وتعليق العقوبات الاقتصادية، فرغم محاولة صدام لتجنب مواجهه عسكرية جديدة، لكن تخوفه من المواجهة العسكرية كان أيضاً المحرك للاستعداد لها ولما بعدها، حيث استطاع النظام السابق بعد الاطاحة به، أن يستبقي سطوته ورجاله وأنصاره، الذين ألقوا بستراتهم ونياشينهم بعد دخول القوات الأمريكية ولم يلقوا بأسلحتهم. واستطراداُ لسوء تقدير القرار الأمريكي، فان دلائل التاريخ تشير، الي أن الوحدة العراقية لم تكن نتاج تطور تاريخي أو محصلة انصهار ثقافي وبشري، بل هي نتاج صراعات خارجية، استدعت الوحدة قسراُ، وذلك بدءاً من تقسيم مراكز النفوذ بين فرنسا وبريطانيا بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولي ثم اعلان الملكية الدستورية تحت حكم فيصل بن الشريف حسين (1921) حتي تمت اطاحتها بانقلاب عسكري تبعته عدة انقلابات حتي مجيء حزب البعث عام 1968. كل هذه الأنظمة السياسية حكمت الشعب العراقي بيد من حديد وجمعته تحت مظلة نظام عسكري استبدادي في وحدة قسرية بين طوائف وقبائل وأقليات متعددة، كان القاسم الوحيد المشترك بينها هو العصبية والخوف والشعور بالاضطهاد، وليس الارادة الشعبية أو القرار الوطني. أما الضرورة الجغرافية فهي تسترعي، أن العراق يتشارك في حدوده مع ست دول مختلفة في لغاتها وثقافتها، تتقاسم الارث الاسلامي وخطورة الحاضر المتأزم وهي مسرح للاعبين سياسيين وتربة خصبة لعناصر وجماعات تبحث عن مناطق لبث نفوذها وارضاء مصالحها وتصدير أزماتها وتطبيق ايديولوجياتها المسلحة.
وفي هذا الصدد وبعد تهاوي حجج البحث عن أسلحة الدمار الشامل وتجفيف منابع الارهاب (أو النفط) وصولاً الي مرحلة نشر نموذج الديمقراطية الأمريكي في العراق وتطبيق استراتيجية الفوضي الخلاقة انتهاء بالحديث عن ضروريات توحيد العراق أو تقسيمه، يبقي علينا أن نستدعي في اثر احياء الذكري السادسة للفوضي الخلاقة، اذا كتب لنا الشفاء من مضاعفاتها، سؤال ملح، هو: لماذا دخل الأمريكيون العراق!
وفي ضوء استئثار الخروج الأمريكي من المأزق القائم بالاهتمام الاعلامي، يبقي سؤال آخر يلح علي الحاضر العراقي ومستقبله، وهو كيف يمكن للعراقيين كسر حلقة العنف الدائر والخروج من المأزق الحالي! 8