في ذكري سقوط بغداد
يحيي اليحياويفي ذكري سقوط بغداد قد لا يسلم المرء قطعا بمفصلية تاريخ العشرين من اذار (مارس) من العام 2003 (تاريخ انطلاق الغزوة الأنكلو ـ أمريكية الكبري ضد العراق) فيعتبرها (عن صواب أو عن خطأ) أنها مجرد امتداد لحالة من الحصار اللامتناهي لدولة ولشعب ذهب في جريرتها الأخضر واليابس ولم يسلم من عنفها لا الثابت ولا المتحرك سواء بسواء.وقد لا يسلم المرء أيضا بمفصلية التاريخ اياه علي اعتبار أن ما جري في ذلك اليوم لم يكن له الا أن يجري للخروج من حالة الاحتقان القصوي التي لم يعد معها لطرفي المعادلة الا أن ينازلا بعضهما البعض لاستعجال الخروج من ذات الحالة أيا تكن النتائج والتداعيات.لكن الرأيين معا، بصرف النظر عن صوابهما من عدمه، لا يمكن الا أن يتماهيا في الاعتقاد بأن صبيحة التاسع من نيسان/أبريل من العام نفسه، صبيحة سقوط بغداد، انما تؤسس بامتياز ودونما مزايدة كبري لبداية مرحلة مفصلية في تاريخ العراق الحديث والمعاصر بامكان علماء التاريخ والسياسة أن يقيسوا لاحقها بسابقها دونما عسر كبير: فنظام حكم الرئيس صدام حسين تهاوت مقوماته المادية (العسكرية تحديدا) فانصرف بعض من أركان النظام اياه لترتيب سبل المقاومة وذهب البعض الآخر للاعتكاف في منزله بين أهله وقبيلته وعشيرته، فيما فضل البعض الآخر الذود بنفسه في هذه الجهة من العالم أو تلك بانتظار المجهول الآتي أو بانتظار الفرج. ومرافق الدولة الكبري طاولتها في صبيحة التاسع من نيسان (أبريل) (وفيما بعد أيضا) شتي أنواع النهب والتخريب وعاثت العصابات العشوائية (أفرادا وجماعات) فسادا في الأبنية الرسمية فدمرت محتوياتها وسطت علي ما بدا لها أنه ذو قيمة أو حتي دونما أن تكون له قيمة مادية أو رمزية تذكر… في حين تكفلت العصابات المنظمة (القادمة من علي ظهور الدبابات والمروحيات) بتدمير متاحف العراق وكنوزه التاريخية بعدما تسني لها السطو علي أثمنها وأعمقها ضربا في الحضارة. والتمثال الرمزي، المقام نصبه بساحة الفردوس بقلب بغداد، تهافت نفر من البشر مجهول لاسقاطه فلم تسعفهم في ذلك الا دبابة جند أمريكية عمد بعضهم الي لف التمثال بعلم أمريكي دونما دراية من لدنه في الأبعاد الرمزية لذات الفعلة. لم يعد الشك يخالد أحدا أن بغداد سقطت يومها فعلا، بقدر ما خالده بعمق بجهة السر وراء غياب الجيش (لدرجة الذوبان) وبجهة ما بشر به الرئيس العراقي بأن الأمريكان سينتحرون علي أسوار بغداد … ان هم بلغوها أصلا. وعلي الرغم من تضارب الأقوال (لدرجة المزايدة المجانية في بعض الأحيان) بأنه كان ثمة تواطؤ ما لدرجة الخيانة من لدن بعض أركان النظام (العسكريين الكبار تحديدا)، فانه لا تتوفر لحد الساعة وثائق وحجج دامغة تثبت ذلك أو تعري المتواطئين بالوثيقة والدليل… لدرجة أنه حتي الذين أشير اليهم بالأصبع في ذلك تبرؤوا منه جملة وتفصيلا واستهجنوا أن يصدر عنهم تصرف مثيل.واذا كان من الحماقة حقا (في حينه علي الأقل) الادعاء بامكانية صمود بغداد بعدما أضحت البلاد كلها تحت الاحتلال (وقد كان طرفاها الشمالي والجنوبي محرمين علي السلطة المركزية قبل العشرين من اذار/مارس)، فانه من الحماقة أيضا مؤاخذة الرئيس صدام حسين كونه لم يدافع عن أسوار بغداد (كما تعهد) أمام التتار الجدد المدججين بأحدث الطائرات والدبابات والمستعدين لدك بغداد علي رؤوس أهلها ان اقتضي الأمر ذلك أو استعصي عليهم أمر دخولها (تماما كما فعل هولاكو من ذي قبل).لم يكن ثمة من سبيل للمكابرة أمام قوة اعتنقت التدمير ايديولوجيا ولم تتوان عن سحق كل من اعترضها بشرا كان أم حجرا سواء بسواء… فسقطت بغداد دون مقاومة أو هكذا قيل في حينه.الا أن التنظيم العالي الدقة للمقاومة، فيما بعد، يشي اليوم بما لا يدع مجالا للمزايدة بأنها كانت الخيار المعتمد (في العشرين من اذار ـ مارس) والمحبذ (عند مغادرة القيادة لبغداد) والناجع فضلا عن كل هذا وذاك فيما بعد السقوط … أولم تثبت الأحدات فيما بعد ولحد الساعة بأن المقاومة هي اليوم من صنع أهل بغداد أو علي الأقل محتضنة من بين ظهرانيها؟ أولم تثبت الأحداث أن انسحاب القيادة من بغداد انما كان تدشينا لعملية الكر والفر التي اعتمدتها المقاومة منذ التاسع من نيسان (أبريل) واتخذت منها الأداة والوسيلة للدفع بجنود الاحتلال الي الانتحار التدريجي علي أسوار بغداد؟ هو كذلك وبالضبط فيما يبدو لنا.وعلي الرغم من الحسرة الكبري التي تملكتنا عندما صرح الحاكم الأمريكي للعراق في حينه، بحل حزب البعث وتسريح مئات الآلاف من ضباط وجنود الجيش العراقي، فان الحسرة الأكبر انما تمثلت في الغاء مجلس الحكم (وأعضاؤه لقطاء وعملاء وسماسرة ومرتزقة وما سواهم عينهم الاحتلال) للأعياد الوطنية العراقية واعتماد تاريخ التاسع من نيسان (أبريل) يوما وطنيا تعطل فيه المصالح وتشد اليه ذاكرة الأفراد والجماعات . هل شهد التاريخ حقا حكاما، من ذي قبل، يعتمدون تاريخ سقوط عاصمة بلدانهم (وعبرها كل البلاد) ويسمون بذات التاريخ الي مرتبة تكريسه عيدا وطنيا تحتفل به الأجيال سنويا للذكري والرمز؟يشي الأمر هنا (وهو أمر تأكد مع مرور الزمن) أن الحكام الجدد انما أرادوا محو تاريخ العراق ورمزية التواريخ السابقة ليثبتوا يوما أهين فيه أهل العراق ونكل بكرامتهم ومرغت هيبتهم وأضحوا تحت الاحتلال المباشر في زمن زعم البعض أن زمن الاحتلالات قد ولي حقيقة دونما رجعة.وهل شهد التاريخ، من ذي قبل، تعمد حكام بلد محتل الي تغيير راية بلدهم والطعن في السائد منها كما لو أن الراية رمز نظام وليست رمز أمة وشعب؟ يبدو من هذا الاجراء أن القصد لم يكن محو مرحلة أساس من تاريخ العراق فحسب، بل أيضا محو الذاكرة الجماعية التي تحتكم الي رمزية التاريخ اياها الجميل منه كما القبيح سواء بسواء.هل سقطت بغداد حقا في التاسع من نيسان (أبريل) من العام 2003؟لا يبدو لنا الأمر كذلك: فالحكام الجدد (بحكومتهم وبرلمانهم ومقرات وزاراتهم وتمثيليات الاحتلال والقائمين علي هذا الأخير) لم يستطيعوا التحكم في عاصمة الرشيد علي الرغم من سيطرتهم علي العراق… بدليل اختبائهم (بالمنطقة الخضراء) خلف اسوار من الاسمنت والحديد يحرسهم جيش عرمرم من الجند والآليات المتطورة في الرقابة والتنصت. وحتي بهذه المنطقة فنادرا ما يمشي أحدهم منفردا دونما أن يلتفت من خلفه أو ترتجف أعضاؤه من استهداف ما من هذه الزاوية أو تلك. والمقاومة العراقية تضرب في قلب بغداد متي تراءي لها ذلك وتستنفر، ليل نهار، قوات الاحتلال كما القوات المتعاونة معه التي انعدمت من بين ظهرانيها السبل والطرائق لضمان الحد الأدني من الأمن والطمأنينة لها وللاحتلال. والعلم الوطني الذي تكالب عليه أعضاء مجلس الحكم بغرض تغييره لم يستطيعوا تغييره سيما بإخراجهم لعلم ماسخ استهجنه العراقيون فاغتالوا بادرته في المهد دونما تردد.ان بغداد لم تسقط (ومدن كبغداد لا تسقط هكذا)، والذين تملكتهم النشوة عندما دخلوها دونما مقاومة نظامية، ها هم اليوم ينتحرون علي أسوارها أو في أفضل الأحوال نراهم محاصرين بأسوار من نفس التربة التي بنيت بها بغداد. فليعش العراق العظيم ولتعش بغداد الشامخة أبدا. ہ كاتب جزائري8