في ذكري محفوظ المبدع والإنسان

حجم الخط
0

د. خالد أقلعي

من مفارقات الدّهر و(مقالبه)، حقّا، أن يفجعني نبأ رحيل الأديب العالمي المبدع نجيب محفوظ، وأنا في خضمّ قراءة جديدة لروايته المتميّزة الطّريق. لقد تحوّلت رحلة القراءة الهادئة المتبصّرة، إلي نمط من التخبّط والارتباك والشّجن، وبدا جليّا أن الأثر الدراميّ الذي أحدثه في نفسي رحيل خالق هذا الكون القصصيّ المتميّز أخمد بشكل كليّ جذوة التّشويق والإثارة والمتعة، ونقلني من أجواء قراءة متأمِّلة إلي رحاب تأمّل صوفيّ لمسيرة هذا السّارد الاستثنائي الإبداعية، ولسيرته الإنسانية التي غالبا ما كانت مصدر تقدير البعض واعتباره، وانتقاد البعض الآخر وإدانته. والحقّ أن ثمّة وجود لسمات شخصية عديدة تميّز بها الرّاحل، لا يمكن إجمالها في هذا المقام المخصوص، سمات من قبيل الانضباط المهني، والالتزام الأسري، والحرص علي تنظيم الوقت واستغلاله، والتخطيط المتأنّي المحكم للأعمال الروائية، واحترام أساتذته العظام من أمثال طه حسين وتوفيق الحكيم وغيرهما، وعدم الخوض في النزاعات والخصومات الشخصية وتوفير هذا الجهد للتأمّل والإصغاء إلي نبض النّاس، والارتباط الصوفيّ بالمكان، والإيمان بقيم العلم والحرية واستقلال الرأي والتّسامح والتفاعل والتواضع… وغيرها من السّمات التي ميّزته عن غيره من مبدعي عصره. وسوف نقتصر في هذه الكلمة علي سمتين من سماته الشخصية، ترتبط الأولي بمسيرته العلمية، بينما تتعلّق الثانية بسيرته الإنسانية:

من سماته العلمية من يتأمّل حياة محفوظ يخلص إلي أن الرّجل وهب حياته للقراءة والكتابة، وقد أسهم القدر في تدوين تاريخه الشخصي بطرق شتي: اشتغاله بمكتبة وزارة الأوقاف، تحمّله مسؤولية الرقابة علي المصنّفات الفنية، إدارته لقطاع السينما في مصر، ممارسته الكتابة الصحفية في جريدة الأهرام… القراءة والكتابة، إذن، هي عالمه منذ أكثر من سبعين سنة. نجيب محفوظ قارئ للتراث السردي العربي منه والغربيّ، قديمه وحديثه. لذلك ليس من الغريب أن يكون أحد الذين أرسوا أسس الرواية العربية الحديثة، وطوّروا فيها بدراية وبراعة توّجت بحصوله علي جائزة نوبل للآداب، هذه الجائزة التي تستحقّه إنسانيّا، ويستحقّها أدبيّا مهما قيل عن هذا الأمر، ويقال… وخلافا لما يحكي عن (تقيّته) السياسية، خاض محفوظ، فعلا، في معظم القضايا التي عرفتها الحياة السياسية المصرية منذ قيام ثورة الضباط الأحرار بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر إلي مقتل الرئيس أنور السادات، بل وحتي سنوات حكم الرئيس حسني مبارك. غير أن هذا الخوض اتّشح بأزياء جمالية منسجمة مع دوره الثقافيّ كأديب، وملائمة لمقتضيات الجنس الأدبي الذي يبدع من خلاله، والذي لا يمكن لكيانه التصويري المؤثّر أن يتشكّل بعيدا عن مكونات الإيحاء والكثافة والترميز… وإلاّ في أيّة خانة يمكن أن نصنّف أعمالا إبداعية من قبيل ميرامار (وصولية رجال الثورة)، الكرنك (قمعهم)، ثرثرة فوق النيل و ليلة مقتل الزعيم (فساد الحكم السّاداتي)؟ من سماته الإنسانيةكلّ من عرف محفوظ، سمعه يتكلّم، جالسه، أو سمع الناس وهم يتحدثون عنه، يتملّكه الإعجاب بإنسانية هذا الرجل التي تبدو موسومة بالانضباط في العمل والإصغاء إلي نبض الناس، أصدقاء كانوا، أدباء أو من عامة الشعب، تواضعه وتسامحه، عدم تسفيهه لإبداعات الآخرين، حتي أولئك الذين يشتركون معه في إنتاج سينمائيّ أو أدبيّ ما.

إذ لم يسبق له أن اعترض علي أيّ تأويل سينمائيّ لأعماله، بحسب ممدوح اللّيثي السّيناريست والمنتج السينمائي المعروف.

وقد اعترف الفنان التشكيلي جمال قطب، الذي أنجز معظم رسوم رواياته، بأنّ محفوظ كان يبدي إعجابا دائما بكلّ ما يقترح عليه من لوحات تخصّ أعماله. ثمّ إن الرجل لم ينخرط أبدا في أي حزب سياسيّ علي الرغم من تعاطفه مع حزب الوفد، وقدرته الفائقة علي التعامل مع كلّ أصناف البشر، وتواضعه ودماثة خلقه. وكان الفقيد ابن نكتة، بحسب تلميذه وصديقه جمال الغيطاني، يتميّز بخفّة الظلّ، وهذا يبدو جليّا، من خلال كثير من المواقف السّاخرة التي تتضمّنها أعماله الروائية، الثلاثية منها علي وجه الخصوص. وهو شخص قنوع لا يعبأ بالثّروة، ولا بحياة البذخ، و لا بالسّفر، وهو أيضا شخص غير صداميّ، علي الرغم من أنّه صريح، بحسب الكاتب محمد سلماوي، ولا يقول إلاّ ما يؤمن به، ثمّ إنه رجل مؤمن، كما يعلن الصحافي محمد عبد القدوس، نجل الكاتب إحسان عبد القدوس. ولا شكّ في أن وصيته بالصلاة عليه في مسجد سيدنا الحسين إشارة لا تقبل الشكّ في صفاء سريرة الرجل، وفي ضرورة إعادة قراءة أعماله الإبداعية (البشرية) قراءة أدبية خالية من الأحكام المسبقة، وقائمة علي استخلاص ما تتضمّنه من قضايا روحية تبلغ في بعض الأحيان حدّ التصوّف توقا للحقّ ونشداناً للحقيقة، علي نحو ما نجد في قلب الليل (البحث عن الحقيقة)، وفي الطريق (البحث عن الجذور)، وفي اللص والكلاب (البحث عن العدالة)، وفي بين القصرين و الكرنك (البحث عن الحريّة)، وفي ميرامار (البحث عن المعرفة). صحيح أن وجود محفوظ ضمن لائحة المثقّفين الموقّعين علي اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية أسهم في هزّ صورة الرجل بشكل كبير في وجدان الإنسان العربيّ، الشعبي والثقافي علي حدّ سواء، لكن هذه السقطة لا يمكن أن تعتبر إلاّ جنوحا نفسيّا للتخلّص من وضع ملتبس، أسهمت في وجوده سياسات السّادات المتخبّطة!

وكم هي مؤثرة سقطات المبدعين الأصلاء!

ثمّ يعلن أديبنا الكبير أنّه رجل كرّس حياته كلّها للحبّ، حبّ العلم، وحبّ العمل، وحبّ الحياة، وحتي حبّ الموت…. و أضيف: حبّ مصر التي لم يكن يفكّر في مغادرتها قطّ، والتي أبت بدورها إلاّ أن تشيّع نعشه مصبوغا بألوان علمها، محروسا بهيبة نسرها!

كاتب من المغربّ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية