في ذمة الله يا أبا عدي

حجم الخط
0

في ذمة الله يا أبا عدي

في ذمة الله يا أبا عدي بين ضجيج الحجيج في مني، صباح عيد الأضحي وصوت زوجتي توقظني باكراً لنذهب إلي الأوزاعي لشراء أضحيةٍ منذورة لأماليد بنت ابنتي فنن انفجر المذيع من محطة العربية يعلن إعدام الرئيس صدام حسين، واعداً بمزيدٍ من التفاصيل لاحقاً، وفجأةً أصبت بما يشبه الدوار، وحاولت أن لا أصدقَ ما أسمع ، وقلت :لعلّي ما زلت متأثراً بكوابيس النوم التي تسكنني منذ زمن بعيد. كان الخبر كالصاعقة التي تفجّر أعمق ما في الإنسان من غضب، لا لأنني لم أكن متوقعاً إعدام هذا المناضل الذي ملأ الدنيا ، ولكن لم أكن أفهم أن ينحدر الحقد في إنسانٍ ما مهما كان حقده أسود أن يقدم علي إعدام خصمه في يوم قبول الفداء من ابراهيم الخليل عن ابنه اسماعيل الذبيح. نحن قوم نؤمن بالفداء والتضحية، وتلك مشكلة تتلف الجسد وتُثري الروح، ومن هنا يتولد من الفداء حزن نبيل،ويكون التناقض حاداً بين ما يريده الجسد وما تريده الروح، وينشأ صراعٌ يولد فينا ذهولاً، ولأيهما ننتصر سيكون علي حساب الآخر. والعرب عبر تاريخهم الطويل منحازون للتضحية والإيثار،ولذلك لا نستغرب عندما كانت فكرة قدسية الأضحية منطلقة من أرضنا اولاً،هناك في مكة المكرمة، حيث قال إبراهيم لابنه اسماعيل : إني أري في المنام أني اذبحك، وكان حلم إبراهيم اختباراً علوياً لنعيم التراب المقيم في صلصال الفخار، وهل تنتصر القيم أم ظلموت التراب وما يتجمع فيه قبائح. اليوم عيد الأضحي وتقدّم اليوم في مكة والعالم الإسلامي الأضاحي تطهيراً للنفس من وثنيّتها وانتظار اشتراك السماء في فداء الإنسان الذي كرمه الله علي جميع مخلوقاته، في هذا اليوم ينتصر الفداء لحياة الإنسان، بمعناها الإشراقي، وفي ذلك ذروة التواصل بين الذات وخالقها وتدخل الله مباشرةً ليقول لإبراهيم إرفعِ السكين لقد فديناه بذبحٍ عظيم . ترتفع السكين ونحن نسمع نجاوي اسماعيل القابل طوعاً افتداء حلم أبيه يا أبتي إفعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ويقول لأبيه همساً وبثاً لما في ذاته من حلم للقاء ربه عبر حزن ترابية الجسد ومعموديته: يا أبتي أحسن مرّ السكين علي عنقي كي لا أتألم وقت الذبح، واحذر أن تنظر في وجهي حتي لا تأخذك الرحمة، وإذا ما جئت إلي أمي فاقرئها مني السلام .لكأني بصدام حسين كان يقرأ في القرآن قصة إسماعيل المفتدي، في ساعاته الأخيرة قبل موعده مع ربه. ولعله لم يكن يري أمامه سوي العراق، أما الخونة فقد حيل بينه وبينهم بحجبٍ كثيفة، وكيف يري المشرق بنور الشهادة كتلَ الظلام الممثّلة بالخونة زبانية امريكا وأُجَرائها. صدام لم يكن يري العملاء . فقط كان يري العراق، ويقول له: يا وطني إفعلْ ما تُؤمَر ستجدني إن شاء اللهُ من الصابرين. كان يستعد للرحلة إلي الله عبر العراق وبجواز سفرٍ عراقي، لم يكن لديه شيءٌ سواه، ما عدا نسخة من القرآن أرجعها لصاحبها وهو يصعد إلي ربه. فجأة أحسست بكثافة شعورية عجيبة، وقلت لماذا لا يكون صدام حسين ذِبْحَ العراق العظيم، والعراق أساساً هو وطن ابراهيم الخليل صاحب الرؤيا التي صدقتْ؟!! كان الإيمانُ ضرورياً جداً في تلك اللحظات الصعبة التي مررتُ بها. فليقولوا في صدام ما يقولون، ولكنهم لن يستطيعوا أن ينكروا أنه نُحِر يوم النحر في عيد الأضحي المبارك، وفي العراق صعوداً إلي السماء حيث روحه تنظر من علاها إلي جسدٍ لها قد فارقتْه. وحيث روحه لا تأبه بأولئك الذين يظنون أنهم سيطفئون نار أحقادهم بقتل جسده ومصادرته خوفاً من عودة الحياة إليه.إذن هناك علاقة قوية بين حلم إبراهيم الخليل والذِبح العظيم صدام حسين المجيد. وليقولوا في صدام ما يقولون، ولكنهم لن يستطيعوا أن يقولوا لأبنائهم وأحفادهم إذا كانوا يعرفون اللغة العربية:إن صدام غادر العراق إلاّ إلي ربه فقط. عمر شبلي/ كاتب وشاعر رسالة علي البريد الالكتروني6

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية